تجميد أصول وتوتر دبلوماسي محموم.. العلاقات الفرنسية الإيرانية إلى أين؟


٠٢ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٣:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

يبدو أن طاقة الصبر الفرنسية على الإرهاب السياسي، بعد التدخلات العسكرية السافرة، من قبل نظام "الملالي" الإيراني، في مختلف الأزمات والصراعات التي تموج بها منطقة الشرق الأوسط، قد نفدت.

فبعد تحميل باريس المسؤولية الكاملة عن مخطط "فيلبانت" الإرهابي، إلى القائمين على السلطة والحكم في طهران، قررت الحكومة الفرنسية توجيه صفعة سياسية واقتصادية قوية إلى الإيرانيين، تمثلت في تجميد أصول، فضلًا عن علاقات دبلوماسية في طريقها لمزيد من التأزم.

القرار الفرنسي الجديد، يحمل في طياته مشكلة أخرى، تضاف إلى سلسلة من المشاكل التي تؤرق حكام إيران، في ظل بحثهم عن مخرج من "المأزق الأمريكي"، خاصةً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي المُبرم مع طهران قبل أكثر من 3 سنوات، حيث تسعى الأخيرة إلى حشد اجماع أوروبي للإبقاء على الاتفاق النووي كما هو، بعيدًا عن "الشروط التعجيزية الأمريكية" للعودة إليه بعد التعديل.

صفعة فرنسية جديدة


أخيرًا، نفذت فرنسا وعيدها بتطبيق عقوبات رادعة للنظام الإيراني، بعد تحقيق دام نحو 4 أشهر، حملت فيه المخابرات الإيرانية والنظام، المسؤولية الكاملة عن المخطط الإرهابي الذي استهدف تجمعًا للمعارضة الإيرانية، في بلدة "فيلبانت" الواقعة على مشارف العاصمة الفرنسية باريس.

فقد أعلنت الحكومة الفرنسية، اليوم الثلاثاء، تجميد أصول مملوكة للاستخبارات الإيرانية وأخرى لمواطنين إيرانيين اثنين، وذلك ردًا على مخطط كان يهدف للهجوم على مؤتمر لجماعة معارضة إيرانية على مشارف باريس في يونيو الماضي.

وأوضح مسؤول فرنسي كبير إن باريس ليس لديها أي شك في مسؤولية عناصر من النظام الإيراني عن مخطط التفجير، الذي من المرجح أن يكون من تخطيط متشددين.

وأكد مصدر دبلوماسي آخر أن المخابرات الفرنسية خلصت إلى أن وزارة الاستخبارات الإيرانية أمرت بشن الهجوم، مشيرًا بالاسم إلى مسؤول الاستخبارات "سعيد هاشمي مقدم".

وأضاف "ووراء هذا، كان هناك تحقيق طويل ودقيق ومفصل أجرته أجهزتنا ومكننا من التوصل إلى هذه النتيجة، وهي أن المسؤولية تقع دون شك على عاتق وزارة الاستخبارات".

من جانبه، ذكر بيان مشترك لوزارات الخارجية والداخلية والاقتصاد في فرنسا: "أحبطنا محاولة هجوم في فيلبانت يوم 30 يونيو. حادث بمثل هذه الخطورة على ترابنا الوطني لا يمكن أن يمر دون رد".

وكان مخطط التفجير يستهدف اجتماعًا عقده المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي يتخذ من باريس مقرًا، في بلدة "فيلبانت" على مشارف العاصمة الفرنسية، وحضره "رودي جولياني"، محامي الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وعدة وزراء أوروبيين وعرب سابقين.

تجميد الأصول والعلاقات الدبلوماسية


بيان الحكومة الفرنسية، أشار إلى أن تجميد الأصول استهدف فردين هما "أسدالله أسدي" و"سعيد هاشمي مغدم"، كما استهدف أيضًا وحدة تابعة للمخابرات الإيرانية.

ولم تذكر الحكومة الفرنسية تفاصيل بشأن الأصول المعنية ووصفت الإجراءات بأنها “محددة ومتناسبة”، مضيفة أنها تحركت ضد “المحرضين والمخططين والمنفذين” للهجوم الذي تم إحباطه.

ويؤكد هذا الإجراء سعي الرئيس الفرنسي على  ضرورة العمل على مواجهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

وذكرت تقارير أن الحكومة الفرنسية قررت تجميد أصول إحدى الجمعيات الإسلامية شمال فرنسا في إطار عملية لمكافحة الإرهاب، حيث تم إيقاف أحد عشر شخصا صباح الثلاثاء في عملية استهدفت مركزا شيعيا ومسؤوليه في بلدة "غراند سانت" بشمال فرنسا.

وتم تجميد أموال “مركز الزهراء في فرنسا”، لستة أشهر.

وأوضحت أنه تمت مصادرة أسلحة ومواد أخرى، وتوقيف 11 شخصا أبقي ثلاثة منهم محتجزين قيد التحقيق. وذكر مصدر ثان قريب من التحقيق إن “بعض الأفراد الذين فتشت منازلهم يمتلكون أسلحة بطريقة قانونية”.

و”مركز الزهراء في فرنسا” هو أحد المراكز الشيعية الرئيسية في أوروبا. وهو يضم عدة جمعيات بينها “الحزب ضد الصهيونية” و”الاتحاد الشيعي لفرنسا” و”فرنسا ماريان تيلي”.

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد بدأت بذور الأزمة بين البلدين، بتحذير فرنسي لطهران، من أنها ينبغي أن تتوقع ردًا قويًا على إحباط محاولة الهجوم الإرهابي في " فيلبانت".

وتحدث الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" ووزير خارجيته "جان إيف لو دريان" مع نظيريهما الإيرانيين بشأن هذا الأمر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد المطالبة بإجابات بشأن دور إيران.

كما كشفت "رويترز"، أن مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الفرنسية ناشدت الدبلوماسيين في أغسطس بعدم السفر إلى إيران، وذكرت أن الأسباب هي مخطط التفجير في "فيلبانت"، وتشدد الموقف الإيراني تجاه الغرب.

وأجلت باريس أيضًا ترشيح سفير جديد إلى إيران ولم ترد على ترشيحات طهران لمناصب دبلوماسية في فرنسا.

عقوبات أوروبية.. ومخاوف إيرانية


لم يقتصر سيف العقوبات، المسلط على رقاب الإيرانيين مؤخرًا، على فرنسا، وقبلها الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل تخطاه إلى دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا.

ففي يوليو الماضي، ألقت ألمانيا القبض على دبلوماسي إيراني معتمد في النمسا، بينما ألقي القبض على شخصين آخرين بحوزتهما متفجرات في بلجيكا.

وقضت محكمة في جنوب ألمانيا، أمس الاثنين، بإمكانية ترحيل الدبلوماسي إلى بلجيكا.

القرار الفرنسي الأخير، من المتوقع أن تكون له تداعيات أكبر على إيران، التي تتطلع فيه إلى كسب ود الأوروبيين لإنقاذ الاتفاق النووي، الذي أبرم عام 2015 بين إيران وقوى عالمية، بعد انسحاب الولايات المتحدة منه.

تزلف إيراني


المأزق الإيراني الاقتصادي تحديدًا، والمتعلق بـ "قشة الاتفاق النووي"، اتضح في تصريحات صدرت قبل ساعات من قبل الخارجية الإيرانية، حيث رفضت الاتهامات الفرنسية، وطالبت بتأمين العلاقات "التاريخية" بين البلدين.

فقد نفى المتحدث باسم الخارجية الايراني "بهرام قاسمي" الاتهامات الفرنسية بوقوف بلاده وراء محاولة تفجير اجتماع لجماعة إيرانية معارضة قرب العاصمة الفرنسية باريس.

ودعا قاسمي المسؤولين الفرنسيين إلى النظر بواقعية تجاه إيران، محذرة من"الأيادي والنوايا المشؤومة التي تسعى لتخريب العلاقات التاريخية بين إيران وفرنسا".

وأفاد بأنه وبناء على الوثائق المتوفرة فإن دور الأطراف المخربة في هذا الاستعراض المسرحي واضحة.

الخاتمة

بعد سلسلة التوترات المتلاحقة، والتي تعيشها على مآسيها إيران وحكامها، فما مستقبل العلاقات بين طهران وباريس من جهة، وطهران وأوروبا من جهة أخرى، في ظل حاجة النظام الإيراني للقارة العجوز من أجل الخروج من مأزق الاتفاق النووي، وتبعات "نسفه" على الاقتصاد الإيراني المتردي؟.. لعل الأيام المقبلة تحمل إجابة وافية عن السؤال..





اضف تعليق