ذكرى الثالث من أكتوبر 1990.. اليمين المتطرف يعيد جدار برلين من جديد


٠٣ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٦:٢٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
تحتفل ألمانيا في يوم 3 أكتوبر بتوحيد شطريها الشرقي والغربي لتسدل الستار على فصول الحرب الباردة التي انتهت في التاسع من نوفمبرعام 1989.. توحدت ألمانيا "جمهورية ألمانيا الديمقراطية DDR" مع "الجمهورية الاتحادية-  ألمانيا الغربية" في الثالث من أكتوبر 1990 في أعقاب سقوط جدار برلين ووضع الحرب الباردة أوزارها.
 
وبالرغم من وحدة ألمانيا Deutsche Wiedervereinigung ، فإن الانقسام ما زال قائما وخصوصاً في المجال الاقتصادي، بحسب خبيرة الشؤون الألمانية  بيرغيت فراوك ستويبر، الأستاذة الضيفة في "مدرسة الأعمال في كوبنهاجن".
 
كان يوم 13 من عام 1961 بداية تشييد جدار برلين الذي مثل فيما بعد حدا فاصلا ليس بين شطري ألمانيا فحسب بل وبين المعسكرين الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق والغربي بزعامة الولايات المتحدة.
 
فما تزال فروقات "الأجور والرواتب" واضحة، ففي الشرق تنخفض الرواتب وترتفع نسب البطالة وفي  ولاية برندبورغ، عند محيط مدينة برلين تنخفض الأجور بمعدل 20 بالمئة أقل مما هي في الولايات الغربية. هذا مع غياب الكثير من الخدمات في تلك المقاطعة التي هجرها الكثير من الشباب، إما نحو برلين أو بقية الولايات الغربية، تلك الهجرة يطلق عليها الألمان الشرقيون "هجرة الأدمغة" وخصوصا لوصف الالتحاق بالجامعات في الغرب الألماني، وتحديدا لمن يبحث عن دراسة الفيزياء والكيمياء والرياضيات.
 
 
جهاز مخابرات شتازي
 
 
رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط جمهورية ألمانيا الديمقراطية سابقا وحل جهاز مخابراتها السري الذي كان يطلق عليه اختصارا اسم شتازي والذي مازالت اسراره لحد الآن موضع اهتمام وممكن أن يكون تورط شخصيات ألمانية رفيعة المستوى مع جهاز شتازي آنذاك وراء إخفاء تلك الوثائق وكشفت إحدى التقارير تورط أكثر من عشرة آلاف من الألمان الغربيين بالعمل الاستخباري لصالح شتازي حتى سقوط جدار برلين !
 
 ألمانيا تلك الماكينة التي استطاعت أن تنفض غبار النازية والحرب العالمية الثانية لتكون دولة قوية تثير مخاوف أقرب حلفائها الأوروبيين ألا وهم الفرنسيون ويبدو أن الرايخ الثاني والرايخ الثالث أي عهد بسمارك وشارلمان الأول ما زالا يلقيان بظلالهما على العلاقات الألمانية الفرنسية والتي شهدت تحديات وحروب كثيرة.
 
 
كتبت الصحفية الألمانية باتريشيا ليسنير كراوس في كتابها، الذي يتحدث عن السيرة الذاتية لأول مستشارة ألمانية وحمل عنوان: "ميركل.. السلطة.. السياسة" كتبت أن أول مستشارة في تاريخ ألمانيا عملت أثناء دراستها الفيزياء كنادلة في في إحدى الحانات. وكانت ميركل خلال مرحلة المراهقة الطالبة الأولى على مدرستها وكانت ترغب في ان تصبح معلمة، لكن هذا الحلم تبدد بعدما اعتبرت الحكومة الشيوعية أسرتها مشتبها بها. لذلك فقد درست الفيزياء ومارست عملا لبعض الوقت في حانة. وفي صغرها واجهت أنجيلا التي كانت تبلغ من العمر ست سنوات عندما بني الحائط في عام 1961 مشكلات في الشرق الشيوعي وهي الدولة "الملحدة" وذلك لأن والدها كان قسا.
 
 
 
حزب البديل من أجل ألمانيا
 
 
هو حزب معارض للعملة الأوروبية المشتركة اليورو، تأسس الحزب في عام 2013 وهو الآن ممثل في البرلمان الأوروبي. يطلق على الحزب البديل من أجل ألمانيا "الحزب المعادي لليورو" لأنه ينادي بتفكيك منطقة اليورو وعودة كل دولة من دولها إلى عملتها الوطنية. أما بخصوص الأيديولوجيا فينظر إليه كحزب ليبرالي محافظ يتبنى بعض الأفكار اليمينية.
 
يعتبر صعود حزب البديل من أجل ألمانيا إلى البرلمان الألماني، في الانتخابات الالمانية العامة الأخيرة في سبتمبر 2017"خرق" للدستور الألماني. لقد نجح اليمين المتطرف "النازية" في ألمانيا، وتجنب رقابة الدستور الألماني، بالنأي بنفسه "حزب البديل من أجل ألمانيا" عن التطرف اليميني من أجل الحصول على "الشرعية" والعمل السياسي.
 
 
حركة بيجيدا
 
 
شهدت عدة مدن أوروبية  يوم 06.02.2016 مسيرات تحت شعار أوروبا القلعة الحصينة دعت إليها حركة بيجيدا ضد "أسلمة الغرب" وكانت الحركة قد دعت أنصارها في 14 بلدا أوروبيا إلى المشاركة في مسيرات مناهضة للمهاجرين، وتسعى حركة بيجيدا الألمانية المناهضة للإسلام إلى توظيف  قضية اللاجئين في ألمانيا والاستفادة منها لزيادة أعداد مؤيديها.
 
وحركة بيجيدا تحشد عشرات الآلاف للتظاهر في معاقلها شرق ألمانيا، مدينة  دريسدن Dresden ولايبزك والتي كانت نقطة الانطلاق لهدم جدار برلين 1990ـ 1991. في المقابل تظهر عشرات الآلاف من المواطنين الألمان الرافضين إلى بيجيدا والداعمين إلى التعايش مع الأجانب واللاجئين في ألمانيا.
 
 
من المتوقع أن يتصاعد دور اليمين الشعبوي على مستوى الشارع، ما أظهرته تظاهرات كمينتس من فوضى ومن أشخاص يؤدون "تحية هتلر" النازية أما أعين أجهزة الاستخبارات والشرطة، يعتبر خرق إلى الدستور الألماني وبادرة لم تشهدها ألمانيا بهذا الحجم. باتت ألمانيا تعيش مرحلة جديدة، تتسم بتغيير خارطة موازين القوى السياسية الألمانية الداخلية، وتراجع الأحزاب التقليدية مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب المسيحي الديمقراطي وأحزاب أخرى.

الاستخبارات الألمانية كشفت مطلع سبتمبر 2018، عن مخطط إرهابي لمجموعة يمينية متطرفة "ثورة كيمنتس" لاستهداف أشخاص، خلال احتفالات ألمانيا بعيد الوحدة، اليوم، الثالث من أكتوبر 2018.
 
 
ألمانيا تحتفل اليوم وسط انقسام شعبي وتصدعات سياسية داخل الائتلاف الحاكم، بسبب سياسيات يمينية متطرفة بزعامة حزب البديل، وكذلك الحزب المسيحي الاجتماعي، البافاري. اليمين المتطرف يعيد بناء جدار برلين من جديد بعد أكثر من خمس عقود، والحرب الباردة، هي الأخرى تعيد بظلالها مابين ألغرب والشرق. فرغم دخول دول أوروبا الشرقية وبعض دول البلطيق والبلقان الى منظومة الاتحاد الأووربي و الناتو، فالانقسام ومشاعر اليمين المتطرف تعصف بدول أوربا، شرقا وغربا.
 
 
حرب الجواسيس ما بين واشنطن وموسكو من جهة ولندن من جهة أخرى، أسدلت بظلالها على مشهد العلاقات الدبلوماسية، ولتعيد الحرب الباردة من جديد. ألمانيا التي وضعت قطع من جدار برلين في بعض ساحات مدنها، ليكون شاخصًا، للمواطن الألماني، اليوم تم رفعها من بعض المدن الألمانية، لأن مشاعر الانقسام عادت من جديدة رغم رفع الحجر.
 
اليوم جدار برلين يعاد من جديد، تحت أعين "البندستاغ"، البرلمان الألماني والحكومة الألمانية، وامام اعين وكالة حماية الدستور، التي هي الأخرى بات مخترقة ومتعاطفة مع اليمين المتطرف، لتعود مشاعر بناء جدار برلين من جديد.
 
 
فمن المتوقع أن تشهد ألمانيا انقسامات وتصدعات سياسية وكذلك اجتماعية، في المنظور القريب والمتوسط، بسبب الانقسام ومشاعر الانقسام داخل المحتمع الألماني وهذا ما يلقي بتداعياته ايضا على بقية دول أوروبا وعلاقاتها بين الكتلة الشرقية والغربية.



اضف تعليق