تركيا: توقعات بانكماش اقتصادي وشركات الإنشاء أكثر المتضررين


٠٩ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٨:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

كشفت التقارير الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية، عن أرقام التضخم لشهر سبتمبر/ أيلول الماضي، مشيرة إلى ارتفاعها من حيث المعدل الشهري بنحو 6.30%، بينما سجلت زيادة من حيث المعدل السنوي بنحو 24.52%، مشيرة إلى أنها أعلى نسبة منذ عام 2003.

كما تشهد الفترة الأخيرة توالي أخبار غلق محلات وشركات تجارية ومؤسسات صناعية كبرى، وتقديمها طلبات تسوية إفلاس بسبب الأزمة المالية، التي تبلورت في فقدان الليرة التركية نحو 40% من قيمتها أمام العملات الأجنبية منذ مطلع العام.

وبالرغم من تلك التقارير الصادرة عن المؤسسات الحكومية التي تنذر بأزمة اقتصادية عاصفة، إلا أن أردوغان قال إنه مع مقارنة المؤشرات الاقتصادية في تركيا بدول أخرى ستكون تركيا في وضع جيد للغاية، مضيفًا: “تركيا أغلقت ملف صندوق النقد الدولي ولن تفتحه مرة أخرى”.

وتتعالى الأصوات داخليًا وخارجيًا من أجل اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لحل الأزمة الاقتصادية في تركيا، لكن الرئيس أردوغان يبدي رفضصا قاطعًا لهذا الخيار.

وكانت تركيا قد لجأت لصندوق النقد الدولي في أعقاب انقلاب 1960، ولكنها لم تتخلص وتنجو من تلك القيود والديون حتى عهد حزب العدالة والتنمية، على حد قول أردوغان، مضيفا: “لا يمكننا معرفة ما كسبته تركيا من 19 اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي، ولكنها تعرضت لخسارة سياسية كبيرة جدًا”.

وأضاف أردوغان: “إن ماضي حزب الشعب الجمهوري الذي قيد بلادنا بقيود صندوق النقد الدولي مليء بالجرائم السياسية والاقتصادية الوخيمة”.

صندوق النقد

وقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل النمو في الاقتصاد التركي داعيًا الى خلطة من “الإجراءات الهيكلية الشاملة ” لوقف تتابع أزمات فوضى السوق وتراجع العملة وتدني الثقة و الانهيارات المحتملة.

وتنقل وكالة “بلومبيرج” الاقتصادية الأمريكية عن تقرير لصندوق النقد الدولي، صدر اليوم الثلاثاء، تقييمًا مضطرد التشاؤم، عن آفاق الاقتصاد التركي الذي تصفه بأنه “مرعوب بالآزمات”. فمعدل النمو الاقتصادي الذي كان 7.4% بنهاية العام الماضي 2017، مرشح لأن يتراجع الى 3.5% بنهاية هذه السنة، ثم إلى 0.4% خلال 2019.

وقال التقرير إن الخسارة الكبيرة التي أصابت الليرة التركية، وأشعلتها إجراءات المقاطعة الأمريكية، تترافق مع شواهد ضعف متراكمة تفسح المجال لتوقعات مستقبلية بائسة في معدل النمو،  وذلك في ظل التوترات الجيوسياسية، والمقيدات الاقتصادية، فضلًا عن ارتفاع فاتورة النفط الذي تستورده تركيا.

وينصح تقرير صندوق النقد الدولي تركيا بسلسلة من الإجراءات التي  يقول إنها ينبغي أن تطال القطاعات كافة والسياسات النقدية والمالية وشراكة القطاعين العام والخاص والضمانات التي يفترض أن تقدمها حكومة أردوغان للمستثمرين في مواجهة “الانهيارات المحتملة في السوق”.

معدلات النمو

وقد توقع معهد التمويل والاقتصاد الدولي (IIF) تراجع معدلات نمو الاقتصاد التركي ليسجل انكماشًا خلال عام 2019 بنحو 0.9%.

وكان المعهد نفسه قد توقع سرعة نمو الاقتصاد التركي خلال عام 2017 بنحو 7.4%، ثم أعلن تراجعها خلال عام 2018 إلى 3%، معلنًا أنه في حالة تدهور العلاقات التركية الأمريكية في الفترة المقبلة وزيادة صعوبة الشروط التمويلية العالمية، سيحقق الاقتصاد التركي انكماشًا بنحو 0.9% خلال عام 2019.

وأوضح المعهد أنه يتوقع ارتفاع معدلات التضخم التركي من 24.5% إلى 27% خلال عام 2019، مشيرًا إلى أن استمرار السياسات المالية التقشفية بسبب الانتخابات المحلية المقبلة المقررة في مارس/ أذار 2019، ستكون صعبة.

وكانت الحكومة التركية قد أعلنت في برنامجها الاقتصادي الجديد هدفها تحقيق نمو 3.8% خلال عام 2018، على أن تتراجع معدلات النمو في عام 2019 إلى 2.3%. وأعلن المعهد توقعاته بشأن معدلات النمو لـ58 دولة حوال العالم، مشيرًا إلى أن هناك توقات بانكماش 4 دول حول العالم خلال عام 2019.

ووضع المعهد كل من تركيا وفنزويلا وإيران والأرجنتين ضمن الدول التي ستواجه تراجعًا في معدلات النمو وتسجيل معدلات انكماش في الاقتصاد، مشيرًا إلى أنه في حالة تحقق انكماش في الاقتصاد التركي، ستكون المرة السبعين التي يتعرض فيها الاقتصاد التركي للانكماش خلال الـ 60 عامًا الأخيرة.

وكان المعهد قد توقع قبل ذلك تحقيق تركيا معدلات نمو بقيمة 3.5% خلال عام 2019، و3.4% خلال عام 2020، إلا أنه أعلن تقليل توقعاته حول نمو الاقتصاد التركي في تقريره الأخير لتسجل 3.2% خلال عام 2019، و3.1% خلال عام 2020.

وأشار التقرير الصادر على المعهد إلى أن الصدمات العديدة التي تعرضت لها الدول النامية تؤثر سلبًا في الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى ارتفاع معدلات الفائدة عالميًا، وتراجع التجارة وقال إن حالة التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه كل من تركيا والأرجنين تعد مثالًا حيًا على ذلك.

وكانت تقرير المعهد الصادر في شهر أبريل/ نيسان الماضي توقع نمو الاقتصاد التركي خلال عام 2018 بنحو 4.2%، وخلال عام 2019 بنحو 4.4%.

وكان بنك الاستثمار الأمريكي “JP Morgan” قد أعلن في تقريره في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، تراجع سرعة نشاط الاقتصاد العالمي في العامين الأخيرين إلى أقل المستويات.

وكان البنك الذي يحسب مؤشر القياس الدولي وفقًا مؤشرات التصنيع والصناعة والشراء، قد أعلن تراجع تقييم تركيا خلال شهر أغسطس/ آب الماضي من 53.4% إلى 52.8%.

شركات قطاع الإنشاء

وقد تبين أن 75 % من بين الشركات التركية التي طلبت من القضاء تسوية إفلاس، والتي تجاوز عددها 3 آلاف شركة، تتألف من محطات خلط الخرسانة وشركات مستلزمات البناء والحديد والخردوات.

وأصبح يتقدم إلى المحاكم لطلب تسوية إفلاس ما بين 50-60 لعاجزة عن سداد ديونها للبنوك والدائنين.

وإلى الآن يوجد أكثر من 3 آلاف شركة عليها ديون تقدمت بطلب تسوية إفلاس إلى المحاكم التجارية.

وبإمكان الشركات في تركيا طلب تسوية إفلاس من القضاء للحماية من الإفلاس والحجز على ممتلكاتها، وتعني الخطوة إرجاء الإفلاس مؤقتًا لحين سداد الديون خلال مدة 3 أشهر. وبفضل هذا الإجراء تصبح ممتلكات الشركة خاصعة للحماية بقرار قضائي ولا يتم اتخاذ أية إجراءات حجز عليها، لكن يتوجب على الشركات سداد نصف ديونها كي يُقبل طلبها هذا.

وشهد قطاع الإنشاء في تركيا أزهى عصوره في عهد حزب العدالة والتنمية منذ نهاية عام 2002، وجعل تركيا نموذجا للنمو المعتمد على الإنشاء، غير أنه أصبح فجأة قطاعًا ينحدر إلى الأسفل.

وكانت النظام التركي  دائما ما يظهر قطاع الإنشاء كنموذج للتغيير والنمو المتصاعد في تركيا، فقبل نحو 15 عاما بدأت حملة إنشاء في أرجاء تركيا كافة، تزامنا مع طرح قطع أراضي خصصتها الحكومة عبر البلديات للبناء.

وخلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة أنتج قطاع الإنشاء 7.5 مليون وحدة سكنية، وحقق متوسط مبيعات سنوية بواقع مليون و350 ألف وحدة سكنية، من بينها 600-650 ألف وحدة ببيع مسبق.

وعقب الازمة الاقتصادية التي ظهرت قبل عامين، لجأت تركيا لتشجيع بيع العقارات إلى الأجانب لإنقاذ قطاع الإنشاء، حيث خفضت الحكومة التركية الحد الأدنى للعقار المشترط شرائه للحصول على الجنسية التركية من مليون دولار إلى 250 ألف دولار.

وبالأخذ في عين الاعتبار تجاوز مخزون الوحدات السكنية المليونين وحدة،  وبيع 18 ألف و540 عقارا فقط إلى الأجانب طوال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، يبدو أنه هذه الطريقة ليست عملية، إذ أن الحكومة التركية تهدف أساسا لبيع 650 ألف وحدة سكنية للأجانب.

ولعل أكثر العوامل المؤثرة في غرق قطاع الإنشاء يالديون هو الضرائب العالية المتزايدة مؤخرًا، والزيادة التي وصلت إلى مئة في المئة في أسعار مستلزمات الإنشاء وعلى رأسها الحديد.

إلغاء عقود

وقد دخل قانون تحويل كافة عقود الإيجارات والاتفاقيات المبرمة بالعملات الأجنبية إلى الليرة التركية، حيز التنفيذ، على أن تكون كافة التعاقدات والاتفاقات الداخلية مستقبلاً بالليرة التركية فقط.

ونشر القانون بالصحيفة الرسمية قبل شهر، وأعطى مهلة 30 يومًا، لتغير العقود القديمة إلى الليرة قبل أن تصبح ملغية

وبحسب القانون الجديد سيتم اعتماد العملة المحلية (الليرة التركية)، في العقود والاتفاقيات المبرمة داخل تركيا مع إيقاف التعامل بالعملات الأجنبية في محاولة لدعم الليرة وتقليل آثار الأزمة الاقتصادية؛ وفي حالة عدم التوافق على سعر مناسب بين طرفي الاتفاق والتعاقد سيتم الاعتماد على سعر الصرف المعلن من قبل البنك المركزي التركي في 2 يناير/ كانون الثاني 2018.

وبموجب القانون سيتم عقد الاتفاقيات والعقود بالليرة التركية، وتحويل العقود والاتفاقيات القديمة في مجالات العقارات والمنقولات والخدمات والأعمال، من عملات أجنبية إلى ليرة تركية.

إلا أن القانون يستثني المواطنين الأجانب من هذا التعديل؛ بحيث لن يتم تعديل العقود والاتفاقيات من العملات الأجنبية إلى العملة المحلية (الليرة التركية)، وكذلك الأنشطة المتعلقة بالتصدير، وفقًا لما ينص القانون.

يشار إلى أن سعر صرف الدولار الأمريكي كان يبلغ 3.76 ليرة تركية في 2 يناير/ كانون الثاني الماضي. أما الْيَوْمَ فقد سجل 6.13 ليرة تركية، وذلك بعد انهيار تاريخي لليرة التركية أمام الدولار الأمريكي حيث فقدت العملة المحلية نحو 40% من قيمتها منذ مطلع العام.

وكان ووزير المالية والخزانة التركي ألبيراق صهر الرئيس التركي أعلن أنه سيتم القضاء تمامًا على ظاهرة بيع وتأجير العقارات والوحدات السكنية والمحال التجارية والمنازل بالعملات الأجنبية، موضحًا أنه يجري العمل على قدم وساق لتقديم مشروع قانون حول هذا الشأن للبرلمان التركي.

واشتكى عدد من مستأجري المحلات في الأسواق التجارية الكبيرة (المولات) من دفع الإيجار بالدولار في حين فقدت الليرة التركية نحو 40% من قيمتها منذ مطلع العام، وقالوا أنهم قد يواجهون خطر إغلاق المحلات في حال استمرار الحال على ما هو عليه.



اضف تعليق