كاتب: الدوحة سهّلت مهمة جيش الطرابيش الحمر لتهديد أمن الخليج


١٤ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٤:٠٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
كتب المحلل والخبير السياسي، د. سالم حميد، في مقاله على صحيفة العرب، أن تركيا تستثمر الإخوان لتهديد أمن الخليج.
 
واستطرد قائلًا: لا يملك المراقب للأحداث إلا الاستغراب لحجم الاستغلال والتوظيف الانتهازي السيئ لقضية اختفاء الصحفي السعودي. كما أن التقارب التركي - الأميركي المفاجئ يثير الكثير من علامات الاستفهام.
 
منذ أشهر عديدة ودول الخليج تحذر مواطنيها من السياحة في تركيا، بعد أن تعرض بالفعل عدد من السياح الخليجيين لعمليات سطو وسرقة بالإكراه واعتداءات في حوادث متكررة في مدن تركية. وبدأت سلسلة الاعتداءات ضد السياح العرب والخليجيين على وجه التحديد منذ أن أهملت سلطات الأمن التركية واجباتها النظامية المعتادة، وانشغلت بمتابعة من يصفهم الرئيس رجب طيب أردوغان بالانقلابيين. حينها طالعنا الكثير من الأخبار والتحليلات الإعلامية على خلفية الاعتداءات ضد السياح، وتم طرح تساؤلات حول أسباب الجرائم والسرقات من قبل عصابات تتحرك بأريحية، ودون أي خوف أو قلق من الشرطة التركية، فكان التفسير أن الأمن التركي أصبح يركز بشكل أهم على الأمن السياسي، بينما تم إهمال الأمن الجنائي.
 
والآن جاءت حادثة الاختفاء الغامض للصحفي السعودي جمال خاشقجي لكي تتأكد لدينا في الخليج أن التحذيرات المتكررة للمواطنين الخليجيين من خطورة السياحة في تركيا كانت طبيعية، وقائمة على استشراف حقيقة وواقع الانفلات الأمني والفوضى في الشارع التركي الذي يعيث فيه المجرمون وأفراد العصابات دون رقيب أو حسيب، وخاصة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة التركية.
 
ومع تناقص شعبية أردوغان وانخفاض رصيد التجربة الإسلامية التركية بشكل عام بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، يشعر النظام التركي الإخواني أنه بحاجة إلى أكثر من خدعة وأكثر من معجزة لإنقاذ سمعته، بهدف استعادة ثقة الجمهور بحكم الإسلاميين الذين أصبحت تركيا تمثل قبلتهم الجديدة، ولا يريدونها أن تفشل كما فشلت من قبل أفغانستان والسودان وغزة.
 
من هنا نرى أن الإشكالية التركية تكمن في فشل النظام التركي في الإبقاء على علاقات إقليمية ودولية متوازنة، بعيدًا عن الانحياز لأيديولوجيا رومانسية تراهن على تيار الإسلام السياسي وعلى الحليف القطري. فقطر لا تملك سوى المال والاعتماد على مخزونها من الإرهابيين، وهم الذين حولوا تركيا إلى معسكر إيواء وإلى استوديو مفتوح لنشر مظلوميتهم المزعومة وتحريض الشعوب لجرها إلى الفوضى والتخريب.
 
لكن تركيا وبدلًا من أن تحافظ على نموها الذي كان قد بدأ يلوح بأرقام جيدة، تورّطت خلال الفترة الماضية في عدة أزمات داخلية وخارجية، أبرزها التدهور الاقتصادي وانهيار العملة والدخول في خلاف مع الولايات المتحدة. وكان الخلاف التركي - الأميركي قابلًا للتطور بشكل خطير وصولًا إلى بلوغ المزيد من الانهيار الاقتصادي بفعل العقوبات الأميركية. لكن من الواضح بعد الإجراءات الجديدة والمفاجئة أن حكومة أردوغان وجذور الدولة التركية العميقة أدركت حجم المخاطر المحدقة بتركيا بفعل تعنّت أردوغان في تصريحاته العنترية وخطاباته، التي يحرص على أن تتخذ طابعا دعائيا. وتلافيًا للمزيد من الخسائر يبدو أن تركيا قررت اتخاذ تدابير لم تكن متوقعة بهدف الخروج من عنق الزجاجة وفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، وهي إجراءات تظل بحاجة إلى وقت لتعطي مفعولها لنترقّب رد فعل الإدارة الأميركية تجاهها.
 
خسر النظام التركي اللباقة الدبلوماسية منذ اكتشاف المحاولة الانقلابية المزعومة، وراحت أجهزة النظام ووسائل إعلامه توزع الاتهامات بدعم الانقلابيين شرقا وغربا، حتى طالت الاتهامات الولايات المتحدة من خلال الزعم بشبهة تورط القس أندرو برانسون في دعم الانقلابيين. وبعد أن استمرت تداعيات الأزمة الاقتصادية التركية تتفاعل، وخوفًا من تأثير العقوبات الأميركية، لجأت تركيا قبل أيام إلى إطلاق سراح القس أندرو برانسون، في خطوة اعتبرها محللون بمثابة صفقة تركية مع البيت الأبيض، واستثمارًا لا يخلو من الاستسلام والرغبة في مهادنة الولايات المتحدة.
 
من الواضح أن تركيا تريد أن تبقى واحة لاحتضان الإخوان المسلمين الذين جمعتهم من كل مكان، لكي تستخدمهم كورقة تهديد ضد المنطقة العربية وضد منطقة الخليج على وجه التحديد. وخاصة أن كل الأحداث والتداعيات تشير إلى دور تركي مشبوه في التهيئة لمرحلة أخرى قادمة من الاستخدام المخابراتي لورقة الإخوان، وتوظيف طمع الإخوان في الوصول إلى السلطة لتمرير ضغوط اقتصادية وجني مكاسب. يريد الطرف التركي على الأقل التحرر من عبء الأزمة الاقتصادية الخانقة ومن شبه العزلة التي كان أردوغان يقود بلاده نحوها بإصرار. والغريب أن لدى تركيا عملاء يدعون للاستنجاد بها وبجيشها، وبالتحديد من المحسوبين على الإسلام السياسي في الخليج، وهؤلاء لا يشعرون بأي انتماء وطني ويرحبون بالتدخل الخارجي أسوة بتنظيم الحمدين.
 
غير أن التحالف التركي القطري تجاوز بمراحل كثيرة مسألة الدفاع عن النظام القطري الموالي للإخوان، وانتقل إلى الرغبة في الانتقام والشروع في تنفيذ مخطط طويل الأمد لنشر الفوضى في الخليج، وسلاحه الأبرز لتنفيذ المخطط الجهنمي دعم الإخوان لتحقيق طموحهم الدائم واستغلال سعيهم الحثيث خلال العقود الماضية للتمكين عبر التسلل إلى مواقع القرار. تبعًا لذلك يتساوى في نظر المراقبين للتوغل الإخواني في المشهد السياسي ما تقوم به تركيا الرسمية من تحركات، مع ما تقوم به التنظيمات الإخوانية من استغلال للفرص، إضافة إلى تصعيد منابر إعلامية دولية شعارات مدروسة تعيد من جديد استغلال المنظمات الحقوقية الدولية لتمرير ضغوط باسم حقوق الإنسان، وهي الورقة التي يلعب عليها الإخوان بدعم من منظمات غربية تابعة لأجهزة استخبارات عالمية، تتكفل بتوجيه أنشطتها وتسخين ملفات بعينها في أروقتها منذ تأسيسها. وكلما تحركت تركيا لدعم الإخوان والتباكي معهم، نجد أن الإعلام القطري يساند ذلك التحرك ويتناغم معه عبر تكثيف المحتوى الإعلامي الموجه لخدمة الإخوان وما تشير إليه أصابع القيادة التركية الإخوانية. لكنّ المتعاطفين مع الإخوان لا يستطيعون اكتشاف الخروج على المهنية في منهج إعلام الدوحة، حتى لو أصبحت كل نشرات الأخبار وعناوين الصحف الممولة من قطر تعزف على موضوع واحد وتتجاهل بقية أحداث العالم الأكثر سخونة.
 
ويبقى الخطر التركي على أمن منطقة الخليج في تصاعد مستمر، في ظل هيمنة الإخوان على حكم تركيا، وفي ظل قبول النخبة السياسية التركية بتحول إسطنبول إلى قاعدة للإسلام السياسي وعناصره ومشروعه الإرهابي التخريبي. ولم يكن مؤشر الخطر التركي على أمن الخليج سيبلغ هذا المستوى إلا نتيجة لاحتضان النظام التركي للخلايا الإخوانية التي تتنفس بأموال قطر، وتجد في الحاضنة التركية بيئة مساعدة للملمة صفوف عناصرها من الجناحين السياسي والإرهابي.
 
التنسيق الثنائي بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لحماية أمن الخليج كان دافعًا للحاقدين للقيام بخطوات مضادة، بدليل أن التحالف التركي القطري منح تركيا حق التواجد العسكري في الخليج. والهدف من إقامة تحالف تركي قطري هو مواجهة التحالف الطبيعي بين الإمارات والسعودية، رغم أنه تحالف تحكمه الجغرافيا والمصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة بين البلدين. أما التحالف القطري التركي فإنه غير مبرر جغرافيا واستراتيجيا، مما يجعله تحالفًا تحكمه مخاوف تنظيم الحمدين الحاكم لقطر وأطماع الإخوان الذين يتحكمون بالقرار في تركيا. وبالتالي فإن التواجد العسكري التركي في قطر يعني أن الدوحة سهّلت مهمة جيش الطرابيش الحمر لتهديد أمن الخليج بسبب الاختراق الإخواني للمنطقة، وذلك الاختراق تم بمباركة قطرية ورغبة في الاحتماء بالإخوان وتمويل مشروعهم التخريبي، لأن النظام القطري لا يثق بنفسه ولا بالشعب القطري. وبالنسبة للتطورات الأخيرة، لا يملك المراقب للأحداث إلا الاستغراب لحجم الاستغلال والتوظيف الانتهازي لقضية اختفاء الصحفي السعودي. كما أن التقارب التركي الأميركي المفاجئ يثير الكثير من علامات الاستفهام. فحتى ما قبل أسابيع والسلطات التركية تتحدث بتوتر عن قضية القس الأميركي وتلـمح إلى استقلال القضاء التركي، ثم فجأة تعقد جلسة جديدة وتتغير أقوال الشهود ويتم إطلاق سراح القس. ما يعني أن قرار إطلاق سراحه كان سياسيًا. والأيام القادمة كفيلة بفرز نتائج المغامرة التركية التي لا تتحرك إلا وفقًا لحرصها على مصلحة مشروع الإسلام السياسي.
 



اضف تعليق