شيزوفرينيا "السلطان" من يوقظ الرئيس التركي من أحلامه "النيوعثمانية"؟


١٦ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٦:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

في خضم سعيه إلى السلطة المطلقة وباعتقاده الراسخ أنه "مبلغ" لرسالة إلهية ما يريد أن ينفذها على الأرض، يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خزعبلاته "النيوعثمانية"، التي عززها بخلفية إيديولوجية إخوانية لتعزيز قوته داخل امبراطورية وهمية من وحي خياله .

تمكن أردوغان من خلال تبني إيديولوجيا الإخوان ترسيخ حكمه قبل الانقلاب المزعوم الذي ألبسه لفتح الله جولن.

بنى السلطان لنفسه قصرًا لا يسمح لأحد فيه بالدخول أو الاقتراب وأرهب كل من حاول انتقاده فحبس الصحفيين وأجبرهم على الاستقالة فهو متمسك بالزعامة، ولن يتركها حتى يسترد الله وديعته.

ويرى أردوغان في آخر تصريحاته أن تركيا الدولة الوحيدة القادرة على ريادة وقيادة العالم الإسلامي بأسره بإرثها التاريخي وموقعها الجغرافي وتراثها الثقافي!


المتشدق بالتقشف والانهيار الاقتصادي

كشفت ديوان المحاسبة التركي في تقرير رقابي نشر على استحياء خوفًا من القمع أن تكاليف العناية اليومية بقصر "السلطان" تقدر بـ300 ألف دولار، وأشار التقرير إلى إنفاق 108 مليون ليرة سنويا على العاملين بالقصر وبلوغ راتب أردوغان الشهري 53.3 ألف ليرة.

أردوغان الذي يتشدق بالحديث عن التقشف والتوفير في النفقات العامة لتجنب الأزمة الاقتصادية -التي دفعت المالية والخزانة لديه لتقليص مصاريفها الحكومية في قطاعات التعليم وقطاعات أخرى، وبلغت نفقات القصر الشهرية في العام الفائت وفق التقرير 54 مليون دولار بينما بلغت نفاقته اليومية 1.8 مليون ليرة- لا يزال يعيش في وهم أنه يحاول تخليص تركيا من أزمتها.

وتعاني تركيا من أزمة اقتصادية حادة تئن البلاد تحت وطأتها باستمرار انهيار الليرة التركية كما أن نسبة التضخم قد وصلت إلى 25% نتيجة زيادة الديون الخارجية التي مول بها "أردوغان" صعوده السياسي.

إحياء الإمبراطورية العثمانية من جديد

منذ أن وصل أردوغان لسدة الحكم، لازمته أحلام اليقظة بإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية فسعى بكل الطرق لتشكيل المجتمع التركي على هواه، ودفعه نحو أسلمة إخوانية في كافة المجالات بعد أن جند حزبه العدالة والتنمية لبث فكره في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية.

وتمثلت أخر تحركاته في محاولته لاختراق المناهج المدنية وسن برامج تعليمية من صنيعته، وهو ما أثار حفيظة المنتقدين له لاسيما أحزاب المعارضة.

وتصطدم طموحات أردوغان -التي جند لها كل السلطات الحكومية للسيطرة على مفاصل الدولة- برفض مجتمعي لكل أفكاره؛ فالشعب المثالي في نظر "أردوغان" هو الشعب الراضخ المنصت المستكين الذي يردد خلفه "آمين"، والويل لمن يتجرأ على التذمر.

خطاب "ولاية الفقيه" وحلم الخلافة

ويشبه خطاب أردوغان الإمبريالي كثيرًا خطابات خامنئي، فكثيرًا ما يتحدث عن مؤامرات داخلية وأخرى غربية بشكل شبه يومي، بيد أن المؤامرات الحقيقية ظاهرة للعيان لاسيما مع حملات الاعتقالات المكثفة للمعارضين والصحفيين في داخل تركيا، والذين يواجهون أحكاما بالسجن المؤبد وأولئك الذين أجبروا على الاستقالة فيما ينتظر في الصف فريق طويل من المعارضين للبت في أمرهم من قبل السلطان.

وبلجوئه لفكر الإخوان الإرهابي، يهدف أردوغان لمخاطبة الملايين حول العالم في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوربا مدعوما من قطر وإيران اللذين يتبنيان نفس النهج الإسلاموي الجديد في محاولة للسيطرة والزحف إلى الخارج.

فأردوغان يحلم أن يجعل من اسطنبول مركزًا أساسيًا وأن تضم أكبر المطارات في العالم، والأهم أن المطار الجديد لن يحمل اسم أتاتورك الذي يراه أردوغان الجاني الأكبر الذي أنهى الخلافة، ويجب القضاء عليه ومسحه من ذاكره الأتراك نهائيًا.

ممول الإرهاب ومحاربه في نفس ذات الوقت!

وفي تناقض صارخ يحارب "السلطان" الجهاديين في إدلب ويلعب دور صانع السلام، وهو الذي مولهم من قبل فباتت أزمة سوريا مسألة بقاء ووجود بالنسبة لأردوغان فلا بأس من لعب الأدوار المتناقضة.

 فالرجل الذي سعر الأزمة السورية قديمًا ومول الإرهابيين، يرى الآن أن قرار إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب بين المعارضة والنظام السوري حال دون وقوع مجازر كبيرة في المنطقة وخلص تركيا من موجة نزوح ضخمة!

لم يجد "أردوغان" أي صعوبة في التعاطي مع أصدقائه المتشددين في إدلب من أجل الوصول لتسوية، فتركيا لا تواجه صعوبة في إجراء محادثات مع الجماعات المتشددة (هيئة تحرير الشام، وجيش العزة، وحراس الدين) كيف وهي من مولتهم ودعمتهم!

إطاعة القضاء وتطويعه!

علامات استفهام كثيرة طرحها إطلاق سراح القس الأمريكي "برانسون" الذي أشعل أزمة قوية بين أنقرة وواشنطن، فأردوغان الذي انطلق يصيح بشعارات إن تركيا" دولة قانون" وإن القضاء فيها "محايد ومستقل"، هرع لتطويع القضاء لخدمة أجنداته السياسية والفكاك من أزمة بلاد تأن تحت وطأة العقوبات الأمريكية المفروضة عليه.

إن إطلاق سراح برانسون خطوة سياسية محسوبة المصالح، فتهم الإرهاب في تركيا لا تهاون فيها، ويعقبها أحكام قاسية، لا سيما إذا ارتبطت باسم فتح الله جولن.

وكانت الرئاسة التركية في محاولة لحفظ ماء الوجه  قد أصدرت بيًانا قالت فيه: إن "البلاد ومحاكمها لا تتلقى تعليمات من أي جهاز أو سلطة أو مرجع أو شخص" .

بيد أن مصادر سياسية ألمحت أن هناك صفقة بالفعل حدثت الأسابيع الماضية في مناقشات جرت بين مسؤولين أتراك وأمريكيين من ضمنهم مايك بومبيو على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتضمنت التزامًا من جانب أمريكا بتخفيف الضعط الاقتصادي على تركيا مقابل إطلاق سراح القس الأمريكي.

وسعت أنقرة عبر وسطاء لتحقيق اتفاق مع الولايات المتحدة بعد ما قرر "أردوغان" التوقف عن حملاته الخطابية ضد أمريكا وتحميلها مسؤولية تهاوي الليرة والأزمات الاقتصادية في بلاده.

وتبقى شيزوفرينيا الرئيس التركي وأحلام الخلافة تطارد "السلطان" الذي لم يجد حتى الآن أحدًا يوقفه عند حده ويوقظه من أحلامه التي أطلق لها العنان.
 


اضف تعليق