شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان.. عندما تتآلف القلوب تتجلى عظمة الأديان


١٧ أكتوبر ٢٠١٨ - ٠٦:٤١ م بتوقيت جرينيتش


بقلم: عماد شرارة

حينما تسبق لغة الإحساس والشعور لغة الجوارح واللسان، فإنها تسير بلا شك كأثير يجول الكون كله صادعًا بالحق والبرهان، وربما كعبيرٍ فواح ينفذ إلى صدور متشوقة لهذا الشذى وذلكم العبق الذي ينتشر في الآفاق، لا تحده حدود ولا تعوقه سدود، أتحدث عن لغة ممنوحة لا مملوكة، لغة تخرج من القلب لا من اللسان، لغة لا تحملها الكلمات ولا يعوقها اختلاف اللهجات، إنها لغة الصدق والإخلاص، إنها لغة الحب والتكريم للإنسان ــ بنيان الرحمن ــ تلك اللغة التي طالما خرجت من قلوب عامرة بحقيقة الأديان ومقاصد الشرائع في صون كرامة الإنسان وتقديس حقه في الحياة فإنها تسلك سبيلها إلى قلوب البشر فتغمُدها الراحة والسكينة وطيب العيش بالحياة، لغة منحها الله لرسله ولأنبيائه ولحملة لواء تلك الأديان من بعدهم؛ فهذا دستور الإسلام ينص في أوضح بنوده على تكريم الإنسان حيث يقول الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، وها هو الإنجيل يعلن موقفه من الإنسانية، حيث جاء فيه:" لا يوجد بعد الآن لا يهودي ولا يوناني، لا عبدٌ ولا رجل حر، لا امرأة ولا رجل، لأنكم كلكم إنسان واحد".

إن الإنسان محور الأديان وجوهرها، ولذلك ليس من المُستغرب أن نرى فضيلة الإمام الأكبر واقفا في ميادين النزال معلنا الحق ومدافعا عن الأديان منطلقًا من مواقف إنسانية تأسر القلوب وتُحني الهامات أمام عظمة هذا التكريم الديني للإنسان في وجه مزيفي التاريخ وبائعي الإنسانية، الذين أساءوا للدين واستولوا على مقدرات الشعوب، وفضيلة الإمام إذ يقرر هذه الحقائق، فإنه ينطلق من ثقافة إسلامية أصيلة؛ فهذا رسول الله يقف لجنازة يهودي، مرت به فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسا؟!!

وكأن رسول الله يتساءل: ألم يخلقها الله بيديه؟ ألم ينفخ فيها الله عز وجل من روحه؟

ألم يأمر الله عز وجل ملائكته بالسجود لتلك النفس؟!!

تلك فلسفة الإسلام في التعامل مع النفس الإنسانية المجردة عن أي عقيدة أو دين، أكدها نبي الإسلام وسار عليها أتباعه، فها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ يمرّ بباب قوم وعلیه سائل(شیخ کبیر ضریر البصر) یسأل، فقال: مِن أيّ أهل الکُتب أنت؟ 

قال: أنا یهودي، قال: فما ألجأك إلی ما أرى؟ 

قال: الحاجة والسنّ، فأخذ عمر بیده وذهب به إلی بيته وأعطاه منه شيئا، ثمَّ أرسل إلی خازن بیت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إذا أکلنا شبیبته صغيرا ثمَّ نخذله عند الهرم، ”إنما الصدقات للفقراء والمساکین“ فالفقراء هم المسلمون والمساکین من أهل الکتاب" 
هذه هي نظرة الأديان للإنسان، وفي الحقيقة يعجز القلم على أن يخُط في هذا المِضمار أفضل مما قاله فضيلة الإمام حيث أكد "أنَّ الأديانَ كلَّها قد اتَّفَقَت على تحريمِ دم الإنسان، وصِيانة حياته، ويمكن أن تختلف الأديان في بعض التعاليم حسب ظروف الزمان والمكان، لكنها أبدًا لم تختلف في تحريم قتل الإنسان تحريمًا باتًّا. 

وهنا يرتبط القُرآن ارتباطًا جذريًّا بالإنجيل والتوراة، فيدعو نبي الإسلام إلى نفس ما دعا إليه عيسى وموسى ومَن سبقهم من الأنبياء والمرسلين عليهم جميعًا من الله أفضل الصلاة والسلام. وعلى مَن يُريد أن يقرأ قانونًا أخلاقيًّا واحدًا مكتوبًا بمعنى واحد ولغتين مختلفتين، وفي أزمان متباعدة، فعليه أن يقرأ هذا القانون في الكتاب المقدَّس وفي القُرآن الكريم، وكلُّ ما سيجده القارئ من فَرْقٍ هو أنَّه بينما يَرِدُ في الكتاب المُقدَّس مجموعًا في موضعٍ واحدٍ يجده في القُرآن مُفَرَّقًا في مواضع عِدَّة، وأدقُّ مثل على ذلك: الوصايا العشر في التوراة . مقارنة بهذا الكنز الأخلاقي النفيس والمنجم الإنساني السَّامي القَدْر والعالي الرِّفعة المُسَمَّى بموعظة الجبل، أو ميقات جبل الطور بسيناء في الإنجيل، وما ورد في ذلك من آياتٍ متفرِّقةٍ في القرآنِ في عهدَية المكيِّ والمدَنيِّ. وقد درست هذا الموضوع دراسة هادئة، وخرجت منه بعقيدة غير قابلة للاهتزاز، وهي أن هذه الكتب الثلاثة لا يمكن أن يكون مصدرها إلَّا واحدًا، وأنَّ بينها ما يشبه الأخوة العضوية في هداية الإنسان وحفظ حياته."

هذا وربما لا يخلو تراث الأديان من بعض المواقف التي يبدو فيها أن هذا المبدأ قد غاب أو أٌفتري عليه، بيد أن الحقيقة الساطعة كسطوع الشمس في وسط النهار تؤكد أن الأديان كلها إنما جاءت لتعيد للإنسان حقه الذي يُسلب منه ـــ بغض النظر عن لونه أو عرقه أو عقيدته ـــ وتحفظ له كرامته، التي يُعتدى عليها، وتصون عرضه وتكفل له كامل الحرية في إدارة ذاته وحياته وفقا لدينه وعقيدته، ومن هنا ليس من قبيل الصدفة أو الارتجال أن يلتقي الإمام الأكبر والبابا بكل هذا الود والحب والصفاء، وهما أعلى قيادتين دينيتين على وجه الأرض،  فتتوحد المقاصد وتجتمع الغايات نحو تخليص الإنسانية من رجس المادية البغيضة وطغيان المصالح على المبادئ واتهام الأديان ظللمًا وعدوانًا بكل ألوان البهتان والزور، ففي أحيان كثيرة تتفق الكلمات وتنسجم كاتفاق وانسجام أصحابها حتى لكأنها خرجت من مصدر واحد، ولا عجب في ذلك؛ فهي لغة الصدق والإخلاص، فحين يؤكد الإمام الأكبر على براءة الأديان من تهمة الإرهاب فيقول: "ولكن قبلَ ذلك يلزمنا العمل على تنقِية صُورة الأديان مِمَّا عَلِقَ بها من فهومٍ مغلوطةٍ، وتطبيقاتٍ مغشوشةٍ وتديُّنٍ كاذبٍ يُؤجِّجُ الصِّراعَ ويبث الكراهية ويبعث على العُنف.. وألَّا نُحاكِم الأديان بجرائمِ قِلَّةٍ عابثةٍ من المؤمنين بهذا الدِّين أو ذاك."

 فإن البابا يقرر ذلك  فيقول:" إن الدين ليس بمشكلة إنما هو جزءٌ من الحلّ: لمحاربةِ الميل إلى الاسترخاء في حياةٍ دنيوية، حيث يولد كلّ شيء وينتهي ههنا، يذكّرنا الدينُ أنّه من الضروري أن نرتفع بروحِنا إلى العلى كي نتعلّم كيف نبني مدينة البشر".

وحين ينادي البابا بوجوب محاربة الفقر وتفادي الصراعات إذ يقول: من الأساسيّ العمل على استئصال أوضاع الفقر والاستغلال، حيث يتأصّل المتطرّفون بسهولة أكبر؛ وعلى ردع تدفق الأموال والأسلحة نحو الذين يثيرون العنف.

نجد الأمام يصادق كلامه فيقول: "يجب على العقلاء في العالم أن يتكاتفوا ويكثفوا جهودهم من أجل انتشال هؤلاء الفقراء من واقعهم المؤلم، حتى لا يصبحوا فريسة سهلة لجماعات العنف والجريمة والإرهاب".

إن الحديث عن توافق الرؤى وتعانق الكلمات بين فضيلة الإمام والبابا لا يسعه مقام، ولعل هذا من المرات القليلة التي تتلاقى فيها الأرواح قبل الأبدان، فمن الطبيعي أن ينبُع من مثل هذه اللقاءات الصدق والإخلاص والحب والسلام، لا سيَّما وهي لقاءات تجمع قامتين من القامات التي يمكن أن تصنع الفوارق في تاريخ الإنسانية، فهل يُصغي العالم لرسولي السلام، فيترجم الأقوال لأفعال والآمال لواقع يحقق العدل والإنصاف لشركاء الحياة ويُجنِّب الإنسانية مصيرًا مجهولًا يخشاه كل عاقل مُنصف مُتابعٍ لما يدور على كوكبنا الذي نحيا عليه من صراعاتٍ وحروبٍ تُشعل باسم الدين تارة وبغير اسمه تارة أخرى، لكنه يُقحم في الصراعات الدنيوية ظلمًا وعدونًا. إن ما يصنعه الأمام الأكبر وباب الفاتيكان ليُبرهن على أن الأديان ما جاءت إلا لرحمة الإنسانية ووقايتها من البؤس والضلال، الذي ينبع من تأليه الإنسان وتغييب الأديان.



اضف تعليق