بين الدواعش وأيادي الجماعة الإسلامية.. "دماء مسيحيي مصر" لا تسقط بالتقادم


٠٥ نوفمبر ٢٠١٨ - ١١:٠٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

يُعيد حادث دير الأنبا صموئيل الإرهابي - الذي استهدف حافلة تقل مسيحيين، الجمعة، وأسفر عن قتلى ومصابين - الجماعة الإسلامية ودورها في نشر العنف والإرهاب واستهداف المسيحيين إلى الواجهة من جديد.

لطالما كانت عقيدة التكفير والمواجهة المسلحة واستهداف المسيحيين واستحلال أموالهم ودمائهم فكرًا مشتركًا بين تنظيم داعش الإرهابي الذي خرج لتبني الحادث البشع، وبين الجماعة الإسلامية التي كانت منبعا ومنطلقًا لهذا الفكر الإرهابي الذيب نهلت منه الجماعات المتطرفة الأخرى.

وعلى الرغم من تبني تنظيم داعش "ولاية الصعيد" للحادث الإرهابي، تظل أيادي الجماعة الإسلامية ملطخة بدماء المسيحيين أبناء الوطن، فتنظيم داعش والجماعة الإسلامية وجهان لعملة واحدة.

ممارسات الجماعة المتطرفة في دعم الإرهاب وسفك الدماء في صعيد مصر بدءًا بالمنيا مرورًا بأسيوط وانتهاء بأسوان يشهد عليها التاريخ، ولا تسقط بالتقادم.

مركز تاريخي  

تعد محافظة المنيا المركز الرئيسي للجماعة الإسلامية على مر التاريخ، بها مقر اجتماعات مجلس الشورى، وفيها تعقد المؤتمرات الخاصة بالجماعة، كما تحتضن مسجد "الرحمن" وهو المسجد الرئيسي للجماعة، والذي شهد سلسلة من الصدامات والمواجهات الدموية.

خلال تسعينات القرن الماضي أضحت محافظة المنيا، بصعيد مصر، العاصمة الرئيسية بالنسبة للجماعة الإسلامية، فقد ضمت العدد الأكبر من قيادات الجماعة -سيطروا على قرى بأكملها- ومنها يتم اختيار أمير الجماعة، فلا تُعْطَى البيعة لأمير من خارج المحافظة، وكان آخرهم أسامة حافظ؛ لتصبح المنيا المعقل الرئيسي والتاريخي للجماعة بلا منازع.

علاقات وطيدة

يستقي تنظيم داعش الإرهابي الذي أعلن مسؤوليته عن الحادث أفكاره من الميراث الأصولي الذي رسخته، وروجت له الجماعة الإسلامية بمحافظات الصعيد في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، والتي تدور أغلبها حول وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن تطبيق الشريعة وجهاد الحكام الكافرين الذين لا يطبقون الشرع ولا يقيمون دولة الخلافة.

وقد ارتبط تنظيم داعش والجماعة الإسلامية بصلات فكرية وبشرية ومادية وطيدة، كانت هي حقلة الوصل التي فضحت ما جمع بين التنظيمين، فلم تكتف الجماعة الإسلامية بإمداد التنظيم الإرهابي بمنطلقاته الفكرية الأساسية القائمة على العنف والجهاد، بل كشفت الوقائع الميدانية والوثائق تزويد الجماعة للتنظيم بالموارد البشرية والمساعدات اللوجستية.

ويحفل سجل المنضمين لتنظيم داعش في سوريا والعراق وسيناء بأسماء من قلب الجماعة الإسلامية؛ مثل: أبوالعلا عبدربه وياسين عبدالعال وشعبان هريدي وغيرهم.

واجتهدت الجماعة الإسلامية في تدريب ومدّ التنظيم بالموارد البشرية؛ فجهزت ما عرف باسم "خلية 12" إحدى كتائب الإرهاب التي استهدفت ضرب الدولة المصرية، والتي ضمت عناصر غالبيتهم من صعيد مصر، وتم تجنيدهم لصالح تنظيم داعش في مقابل مبالغ مالية كبيرة.

ويعج ملف السماسرة المتجولين بين التيارات الإسلامية لاستقطاب الشباب لصالح الدواعش بالأسماء المنتمية للجماعة الإسلامية من داخل الصعيد وخارجه؛ مثل: وائل دهب، أحد عناصر الجماعة والمنسق العام لتوريد الشباب لمعسكرات التجنيد.

وجهان لعملة واحدة

ويرى مراقبون أن المجموعات التي تباشر عمليات العنف والإرهاب ضد المسيحيين في محافظات الصعيد قد نهلت من أساليب وتكتيكات الجماعة الإسلامية في تسعينات القرن الماضي، لاسيما في أسلوب الهجوم على الحافلات التي تقل مدنيين، حيث كان هذا الأسلوب هو النموذج المفضل لدى قادة الجناح المسلح للجماعة في إطار خطتهم لاستهداف الاقتصاد المصري وإحراج النظام عبر استهداف حافلات السياح.

وتستنسخ المجموعات المسلحة الجديدة التي أطلقت على نفسها اسم "الدولة الإسلامية في مصر" أو "ولاية الصعيد" نفس المناهج القديمة والأساليب المتبعة من الجماعة الإسلامية، فالأخيرة كانت قد استغلت فتاوى قادتها بأن أموال الكفار غنيمة للمجاهدين ذريعة لتنفيذ هجمات على محال مملوكة لمسيحيين.

ولا تخفى أدوار الجماعة الإسلامية في تصدير العناصر المسلحة لمعسكرات الصراع في سوريا والعراق وليبيا وسيناء على أحد، ولا يزال عناصر الجماعة يؤمنون بأفكار عمر عبدالرحمن أمير الجماعة الذي أفتى بجواز الاستيلاء على أموال المسيحيين لتمويل العمليات المسلحة علانية.

أشرفت الجماعة الإسلامية - حسب مطلعين على كواليس الجماعة في المنيا- على استقطاب الشباب والزجّ بهم للعمل في خلية "ولاية الصعيد" تحت قيادة التكفيري "عمرو الشويخي" أحد أعضاء الجماعة الإسلامية الذي أصبح مسؤولا عن خلايا داعش في الصعيد والتي تورطت بدورها في شن هجوم على الكنائس منذ يناير 2011.

وعلى مدار سنوات مضت، لم يبذل قادة الجماعة الإسلامية أي مجهود يذكر بغية تصحيح أفكار متطرفة رسخوها في قلب معاقلهم التاريخية، وعلى الرغم من ادعاء الجماعة التحول إلى كيان سلمي وحزب سياسي، ظلت تحافظ على ميراثها الفكري داخل معاقلها في صعيد مصر في تناقض صارخ بين المعلن والمنشور والمتبع على الأرض.

الجماعة وقطر

تورطت الجماعة الإسلامية في دعم تنظيم الإخوان الإرهابي  والمواجهات المسلحة ضد الدولة المصرية، حيث نشطت عقب سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، فتلقت تمويلات مادية من جهات خارجية استهدفت مصر وأمنها.

وتلقى حزب البناء والتنمية -الجناح السياسي للجماعة الإسلامية-  أموالًا من جهات خارجية أبرزها قطر بغية دعم نشاطات جماعة الإخوان المسلمين في الداخل المصري، كما دأبت "الجمعية الإسلامية للإصلاح والتنمية" (إحدى الجمعيات التابعة للجماعة في الصعيد)، على تلقي الأموال من رجال أعمال قطريين بهدف دعم جماعة الإخوان وتحالف دعم الشرعية المنادي بعودة محمد مرسي والإخوان للحكم مرة أخرى.

واحتضنت الجمعية لقاءات بين قيادات الجماعة ورجال أعمال قطريين، حيث شهدت اتفاقات بين الطرفين تشمل التمويل مقابل التزام الجماعة الإسلامية وحزبها بتوجهات جماعة الإخوان ومساندتهم بشكل كامل، بحيث تركز الجماعة الإسلامية وحزبها "البناء والتنمية" للعمل في الصعيد، وتترك الساحة في القاهرة والجيزة ومحافظات الوجه البحري تحت تصرف الإخوان.

مراوغة وتهرب

في محاولة للتنصل من  مسؤولية الحادث وامتصاص موجة الغضب حيال الجماعة الإسلامية -التي ظل اسمها يتردد كأبرز المساهمين في تنامي العنف بمحافظات الصعيد- خرج طارق الزمر رئيس حزب البناء والتنمية السابق التابع للجماعة الإسلامية مستنكرًا  الحادث الإرهابي.

وكتب الزمر -عبر صفحته على موقع التدوينات المصغر "تويتر"- "الأقباط هم شركاؤنا في الوطن وكل عدوان عليهم هو عدوان على المجتمع كله وعلى الوطن".

وعدً مراقبون كلام الزمر محاولة لإفلات من تهم الإسهام في دعم العنف الموجه ضد المسيحيين، ومحاولة التغطية على النشاطات السرية التي تجمع بين الجماعة وتنظيم داعش الإرهابي والتشويش على علاقة الجماعة مع شبكات تدار من الدوحة وأنقرة  لتجنيد الشباب في تنظيم "ولاية سيناء" ودعم جماعة الإخوان والمواجهات المسلحة ضد الدولة المصرية.

يذكر أن مصر قد أدرجت 164 اسمًا ينتمون إلى حزب البناء والتنمية والجماعة الإسلامية منهم طارق الزمر الرئيس السابق للحزب، وصفوت عبدالغني، وخالد الشريف، وإسلام الغمري في إطار الجهود المبذولة لمواجهة الإرهاب والكشف عن مصادر تمويله السرية.

وأدرج اسم الزمر بين 555 إرهابيا ضمن قضية "ولاية سيناء"، حيث اتهم بالاضطلاع بدور محوري في جماعة ولاية سيناء، حيث كان يتولى عملية دعمها من جهات خارج مصر بما يعين عناصرها على تنفيذ عمليات عدائية وجرائم إرهابية، كما ارتبط اسمه بعدد من الملفات المتعلقة بالارتباط بجماعة الإخوان الإرهابية، ودعم نشاطاتها أو ما كان يعرف بتحالف دعم الشرعية.


اضف تعليق