مفهوم الأمن 2030 .. خطة نتنياهو "المُبهمة" لترسيخ وجوده


٠٩ نوفمبر ٢٠١٨ - ١٠:٠١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالدايم

في أغسطس الماضي، وتحديدًا يوم 15 أغسطس خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن خطة "مفهوم الأمن 2030" (تفيسات هابيطاحون 2030)، التي تهدف لتوفير زيادة كبيرة من ميزانية إسرائيل لصالح الجيش، وهي الخطة التي عكف عليها شهورًا طويلة حتى خرج بها إلى العلن.
 
وفقا لمقربين من نتنياهو فإن "مفهوم الأمن 2030" جاء بالتشاور بين نتنياهو وبين مسؤولين عسكريين سابقين وحاليين بالجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية، وفي إعلانه للخطة تحدث نتنياهو عن أهم أهدافها، وهي رفع قدرات الجيش الإسرائيلي، حيث ستذهب نفقات إضافية نحو تعزيز قدرات إسرائيل العسكرية في مجالات الحرب الإلكترونية والسايبر، وتطوير أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ، وتقنيات السلاح الجوي.

خطة مُبهمة

رغم إعلان خطته؛ فإن معظم تفاصيل "مفهوم الأمن 2030" ظلت مبهمة، أو مخفية عن العامة لدواعي أمنية، على أن تستفيض اللجنة المختصة بالاستخبارات والخدمة السرية في مناقشتها، وهي اللجنة الفرعية التابعة للجنة الخارجية والأمن بالكنيست، إضافة إلى الجنى المشتركة بين الموساد الإسرائيلي والشاباك.

دواعي مفهوم الأمن من منظور نتنياهو

جاء إعلان نتنياهو عن "مفهوم الأمن 2030" بمبرر أن إسرائيل بمساحتها الصغيرة محاطة ببلدان "معادية"، وهذا العداء من المتوقع أن يتزايد خلال العقد القادم، ولذلك سيكون لإسرائيل دائما "احتياجات أمنية أكبر بكثير من أي دولة أخرى ذات حجم مماثل"، وأضاف في خطابه الذي أذاعه عبر الفيديو إن "زيادة الإنفاق الدفاعي مطلوبة لضمان المزيد من النمو الاقتصادي.".

أي إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يستهدف زيادة المخصصات المالية لصالح الجيش من ميزانية الدولة، باعتبار أن إسرائيل "مُهددة أمنيًا" رغم أنها في وضع أمني مستريح أكثر من أي وقت مضى، وتكاد لا تشعر بتهديد حقيقي، مع استمرار الضغط على قطاع غزة، والرغبة المشتركة بينها وبين حماس في تدشين اتفاق هدنة، وعلى الجانب الآخر رغم وجود إيران وحزب الله في الشمال، فإن تهديدهما ليس بالقوة الكبيرة التي تقلق إسرائيل حاليا، خصوصا مع الدعم الأمريكي المتزايد في عهد ترامب الذي أعاد فرض جميع العقوبات الأمريكية على طهران، وفي الوقت نفسه ينحسر التمدد الداعشي في سوريا وتسترجع قوات الأسد بمساندة روسيا سيطرتها على الجنوب السوري.



غير أن نتنياهو بخطته يستهدف ما هو أبعد من تعزيز القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي، حيث يسعى للاستثمار في القدرات العسكرية، وبالتالي رفع تصنيف إسرائيل وسط الدول الكبرى المصدرة للسلاح والتقنيات العسكرية، وهذا الاستثمار تظهر ثماره أولا بزيادة "الصرف" على الدعم العسكري للجيش الإسرائيلي ومؤسسات العسكرية الإسرائيلية والموساد والشاباك.

مفهوم الأمن: نتنياهو يستغل مصطلح دافيد بن جوريون

يتواكب مفهوم الأمن هذا لرفع قدرات الجيش الإسرائيلي خلال السنوات القادمة تدريجيا وصولا إلى العام 2030، وليس نتنياهو أول مسئول يتناول هذا الملف، فقد سبقه أول رئيس وزراء إسرائيلي دافيد بن جوريون، الذي يعتبر مؤسس إسرائيل، وكان أول من خرج بمسمى "مفهوم الأمن"، وكرر الحديث عنه في عام 2006 الوزير السابق دان مريدور أحد مؤسسي حزب هاليكود، والذي كان مسئولا عن لجنة لدراسة التوجهات الأمنية لإسرائيل.

جيش له دولة

التعزيزات الأمنية التي يستهدف نتنياهو استقطاعها من الميزانية الكاملة لإسرائيل تتضمن رفع ميزانية المنظومة العسكرية خلال العقد القادم، حيث يستمر الجيش الإسرائيلي في خطة التطوير ورفع المستوى، مع زيادة تدريجية لمخصصاته وكذلك مخصصات الشاباك والموساد والأذرع الأمنية الأخرى، وتبدأ هذه الزيادة من 2.0% ترتفع إلى 3.0% حتى تصل إلى 6.0% من إجمالي الناتج الإسرائيلي العام، وهو ما يعني زيادة ربما ستتخطى ملياري شيقل إسرائيلي.

من المعروف عن الجيش الإسرائيلي توصيفه بـ"الجيش الذي له دولة"، بمعنى أن الدولة ومواردها مُسخرة لموافاة احتياجات جيش الاحتلال، ليصبح هذا الجيش هو رقم واحد، هو الأساس الذي تتفرع منه الدولة.

تحدث نتنياهو عن كيفية موافاة هذا الإنفاق المتزايد على المنظومة العسكرية، حيث صرح بأن الاقتصاد الإسرائيلي حاليا أقوى من أي وقت مضى، مما يسمح بزيادة تدريجية في مخصصات الجيش والأذرع العسكرية والأمنية، حيث أصبح الاقتصاد مزدهرا خلال العقود الأخيرة، ويجب أن يكون مسخرا للاحتياجات الأمنية، حيث أن هذا الاستثمار في الأمن يدفع نحو مزيد من النمو الاقتصادي.

عجز الموازنة يهدد مفهوم نتنياهو

ولكن؛ على الجانب الآخر، يبدو أن خطة "مفهوم الأمن 2030" تواجه عقبات على المستوى الاقتصادي، حيث أجرى نتنياهو، يوم الثلاثاء الماضي، مشاورات بمكتبه للتباحث مع مسئولي وزارة المالية لإيجاد حل لعجز الموازنة الإسرائيلية العامة 2018، وتأثير هذا العجز على ميزانية الأمن، وشارك في الجلسة التي عقدت في مكتب نتنياهو، المدير العام لوزارة المالية شاي باباد، في غياب وزير المالية موشيه كحلون رئيس حزب كولانو الشريك في الائتلاف الحكومي. 

نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أنه خلال اجتماع نتنياهو وباباد مع مستشارين اقتصاديين، أشار المدير العام لوزارة المالية إلى أنه عدم إمكانية تخصيص زيادة إضافية للمنظومة الأمنية، في ظل هذا العجز الذي يقترب من 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل منذ سنوات، ونحو 1% أكثر من العجز التراكمي 2.5% في سبتمبر، ففي وقت سابق يوم الإثنين الماضي أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية وجود عجز بقيمة 9 مليار شيقل.




رفض لاتفاق كحلون وأردان

جدير بالذكر أن نتنياهو سبق وأظهر غضبه من اتفاق سابق بين وزير المالية موشيه كحلون ووزير الأمن الداخلي جلعاد أردان، يقضي بزيادة المعاشات للمتقاعدين من أفراد الشرطة الإسرائيلية، بينما يفضل نتنياهو أن تذهب المخصصات لصالح الجيش والأذرع الأمنية العاملة.

محاولة تضليل سياسية

على جانب آخر؛ يرى البعض في إسرائيل أن نتنياهو لا يملك خطة حقيقية لرفع قدرات الجيش الإسرائيلي، وإنما تأتي خطته "مفهوم الأمن 2030" كورقة جديدة يستغلها للحصول على مكاسب سياسية، في حين أن مفهوم الأمن الذي قدمه لا يعدو كونه خطة ركيكة، تستغل تخويف الجمهور الإسرائيلي بزيادة المخاطر عليه من دول وجماعات خارجية، بينما الحقيقة أن إسرائيل تعاصر الآن ارتياحًا أمنيا غير مسبوق، ومفهوم الأمن هذا ليس سوى محاولة تضليل سياسية يُسخر بها نتنياهو ميزانية الدولة لصالح أهدافه التي تتركز في تصدره المشهد.

تأثير الصراع بين نتنياهو وكحلون

كذلك يبدو الصراع السياسي بين نتنياهو وكحلون أحد الأسباب وراء خطة رئيس الوزراء الذي يستشعر ترصدا متزايدا من رئيس حزب كولانو، حيث انتقل كحلون من موقع الشريك في الائتلاف الحكومي إلى الخصم السياسي لنتنياهو، ثله مثل وزير الدفاع أفيجادور ليبرمان، في وقت يستخدم فيه الجميع حيلهم لاستقطاب الرأي العام الإسرائيلي إيذانا باقتراب الانتخابات.
 
 







اضف تعليق