بعد إقراره بعمليات غسيل الأموال.. وزير الخارجية الإيراني في مواجهة العاصفة


١٦ نوفمبر ٢٠١٨ - ١١:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

أثارت تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حول حجم الفساد وعمليات غسيل الأموال جدلا كبيرا داخل إيران وتسببت بانتقادات حادة له.

وتأتي تصريحات ظريف، بعد أن علق على عدم تبنّي السلطات الإيرانية المعنية مقررات لوائح مجموعة العمل المالي الدولية الخاصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب (فاتف).

وقال ظريف إن بعضهم في إيران يستفيدون من غسيل الأموال ولديهم قدرات وثروات هائلة تساعدهم في الترويج لضرورة عدم تبنّي تلك المقررات الدولية.

أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن عمليات غسيل الأموال في البلاد حقيقة، وأن من يقومون بذلك تقف وراءهم وسائل إعلام قوية.

جاء ذلك في تصريحات لوكالة أنباء "خبر أونلاين" الإيرانية، قال فيها ظريف:" يتم غسل مئات المليارات من العملة المحلية (تومان) من قبل الكثير من الأشخاص، وأولئك ذاتهم ينفقون الملايين لتشكيل رأي عام ضد مكافحة غسيل الأموال".

وتجنب الوزير الإيراني الإدلاء بأي معلومات حول هوية الأشخاص أو المؤسسات التي تعمل بغسيل الأموال.

وأشار إلى أن البعض كان يسعى لإعاقة المصادقة على مشروع قانون لانضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي الدولية.

وفي السنوات الأخيرة، كثيرًا ما تم توجيه تهمة غسل الأموال، من أفراد ومؤسسات مختلفة، ضد إيران والمؤسسات الواقعة تحت سلطة النظام هناك. لكن، حتى الآن نادرًا ما أعلن مسؤول رسمي ذلك أو أشار إلى أبعاد هذه الاتهامات على نطاق واسع. وهو ما وضع وزير الخارجية الإيراني في موقع الهجوم الشديد نحوه.

الانضمام للاتفاقية

وأثيرت في الأونة الأخيرة بإيران قضية انضمامها لمجموعة العمل المالي التي تهدف لإيقاف تمويل الإرهاب ومكافحة غسيل الأموال، حيث أعرب المحافظون عن معارضتهم لذلك في وقت أصرت حكومة الرئيس حسن روحاني عليه.

وقبل أيام صادق البرلمان على مشروع القانون المذكور، ورفضه مجلس صيانة الدستور المشكل بمعظمه من المحافظين.

وكانت مجموعة العمل المالي قد مددت المهلة التي منحتها لإيران كي تنضم إلى مقرراتها حتى فبراير/شباط القادم، مقابل أن تشطب اسمها من قائمتها السوداء، وهو ما قد يسهل تعاملاتها المالية الدولية ويساعدها في الصمود بوجه العقوبات الأميركية إثر انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، حسبما تقول الحكومة المعتدلة ومؤيدو الانضمام لهذه اللوائح في الداخل الإيراني.

ويتذرع المنتقدون بعدم شفافية هذه المقررات التي لن تعود على إيران بأي نفع كما حصل مع الاتفاق النووي، كما ستفتح الباب عريضًا أمام مطالب دولية جديدة إلى جانب الاختلاف على تعريف الإرهاب، فيقول المحافظون إن الغرب يصنف بعض فصائل المقاومة كإرهابية، وهو السبب في الإصرار على ضرورة انضمام طهران إلى تلك المقررات في محاولة لمحاصرة دورها الداعم لهذا المحور، بحسب وصفهم.

انتقادات حادة

وصدرت انتقادات حادة على لسان محسوبين على التيار المحافظ في إيران، إلى جانب عدد من نواب البرلمان الإيراني، إذ أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية البرلمانية، حشمت الله فلاحت بيشه، أنه تم استدعاء ظريف لحضور جلسة يتوجب عليه أن يقدم خلالها توضيحاته حول تلك التصريحات، وأدلته التي تثبت صحتها.

ونقلت وكالة "مهر" الإيرانية عن فلاحت بيشه ترجيحه عقد هذه الجلسة الأحد المقبل، إذ طلب عدد من النواب حضور ظريف لبحث تلك المسألة معه، وأكد فلاحت بيشه أن تصريحات الوزير عجيبة وغير موثّقة بدلائل، وهو ما يستدعي تقديم توضيحات، بحسب وصفه.
 
واتهم فلاحت بيشه الولايات المتحدة الأميركية بارتكاب 50% من عمليات غسيل الأموال في العالم.

وأوضح أن أعداء إيران وبعض منافسيها يطرحون اتهامات واهية تستهدف البلاد، لكنه أشار إلى اتفاقه مع ظريف حول ضرورة سن قانون الانضمام إلى اتفاقية "مكافحة تمويل الإرهاب" CFT، وهو أمر وافق عليه النواب وأرجعته لجنة صيانة الدستور لإجراء تعديلات، علما أنها واحدة من اللوائح التي يجب على إيران الانضمام إليها تمهيدا لشطب اسمها من القائمة السوداء لمجموعة "فاتف".

من ناحيته، اعتبر النائب المحافظ وعضو لجنة الأمن القومي، جواد كريمي قدوسي، أن تصريحات ظريف فتحت المجال أمام ترحيب المؤسسات الغربية والولايات المتحدة، التي تبحث عن مبرر لاتهام إيران، متوقعا أن يقترب ظريف من تقديم استقالته من منصبه، واتهمه بالتسبب بعدد من المشكلات للبلاد بسبب السياسة الخارجية لحكومة الرئيس حسن روحاني.

ورأى قدوسي أن المباحثات مع الغرب وصلت أساسا إلى طريق مسدود، داعيا إلى محاكمة ظريف وتقديمه إلى القضاء بسبب إصداره تصريحات من هذا القبيل، كما طالب مجلس الأمن القومي الأعلى بمتابعة الملف الذي رأى أنه يمسّ أمن البلاد القومي.

دفاع الخارجية
 
في المقابل، دافع المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، عن الوزير بإصدار بيان مفصل يوضح فيه ما جرى، فقال إن بعض التيارات استغلتها لصالحها، وبأن تصريحات ظريف لم تكشف أي جديد، بل إنها تمثل وجهة نظر واقعية مرتبطة بالتبعات السلبية التي تتركها آفة غسيل الأموال، بحسب تعبيره.

وأشار قاسمي إلى تقارير قدمتها الخارجية في وقت سابق حول معدّلات تهريب البضائع والمحروقات والتي تعود على البعض بمليارات الدولارات، موضحا أن ظريف لم يتحدث أساسا عن منتقدي مقررات مجموعة العمل المالي، بل تحدث عن واقع غسيل الأموال الذي لا يمكن التستر عليه ويجب محاسبة مرتكبيه.

كما علق البرلماني، علي رضا رحيمي، على تصريحات ظريف، حول "غسل الأموال في إيران"، وقال إن ملاحظات ظريف، في هذا الصدد، كانت موجهة لمعارضي قانون مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، ولمعارضي الانضمام لـ"FATF".

وقال رحيمي إن هجوم المعارضين على ظريف ضد "المصالح الوطنية".

المعاهدة الدولية

وحسب تقرير "إيران إنترنشنال"، فإن إشارة محمد جواد ظريف "للدعاية وإثارة الأجواء"، تعني موجة الحملات التي انطلقت ضد انضمام إيران للمعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT) والتي تشترط انضمام إيران حتى لا يتم إدراجها على القائمة السوداء لـ"مجموعة العمل المالي الدولية" (FATF).

وحتى الآن، لا توافق بعض القوى المنتقدة للحكومة على انضمام إيران إلى هذه المعاهدة الدولية، حتى إنهم اعتبروا، عبر وسائلهم الإعلامية الرسمية مثل خطبة الجمعة، أن هذه المبادرة من "المحرمات"، في حين أن اللوائح الأربع التي قدمتها حكومة حسن روحاني إلى المجلس، لو تمت الموافقة عليها لمنعت إدراج إيران على القائمة السوداء، وتم التعامل معها بوصفها عضوًا متعاونًا مع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، لكن حتى الآن لم تتم المصادقة النهائية.

إن  حساسية معارضي الحكومة لها ما يبررها، لأن انضمام إيران إلى "FATF" سوف يقيد نشاطها المالي، وهي قيود لا تخص هذا النشاط في الخارج فحسب، وإنما تشمل نشاطاتها الداخلية أيضًا.

على سبيل المثال، نشرت الحكومة في أغسطس/آب 2016 رسالتان من بنكي ملت، وسبه، تخاطب فيهما مقر خاتم الأنبياء للحرس الثوري، مفادهما أن تقديم الخدمات إلى هذا المقر سوف يتوقف، بسبب كونه مشمولا بالعقوبات، كما جاء في إحدى رسائل بنك ملت، في الرد على  طلب مقر خاتم الأنبياء لنقل العملة الصعبة، ما يلي: "إن تفعيل جميع خدمات العملة الصعبة الدولية للعملاء المدرجة أسماؤهم على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، أو القائمة المشتركة للاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة، عمل غير ممكن".

كما أن الانضمام إلى معاهدة "FATF" سوف يتسبب كذلك في مشاكل حتى للتبادلات غير الرسمية، ويجعل تمويل تنظيمات مثل حزب الله اللبناني الذي يحظى بدعم إيران يواجه الكثير من المشاكل، فإيران لم تعلن حتى الآن كيف ستنقل الأموال إلى حزب الله وبقية التنظيمات التي تحظى بدعمها في المنطقة، إلا أنها لم تخف قلقها من توقف هذا الدعم بعد الانضمام إلى "CFT".

على سبيل المثال، قال أحمد سالك، عضو كتلة نواب "الموالاة" في المجلس، لموقع "خانه ملت": "بعد انضمام إيران إلى معاهدة (FATF) سوف ينظر إلى حزب الله كجماعة إرهابية أيضًا".

وفي حال تم وضع التنظيم على قائمة الجماعات الإرهابية، من قبل "FATF"، فإن الدول المتعاونة يجب أن تقطع علاقتها المالية معه.

وفي حين تدرج الولايات المتحدة، اليوم، أربعة تنظيمات، هي: داعش، والنصرة، والقاعدة، وطالبان، على قائمة المنظمات الإرهابية، إلا أن اسم حزب الله لا يوجد في هذه القائمة، رغم أن أميركا تتعامل معه كتنظيم إرهابي.

وبالنسبة لحكومة روحاني، يعد الانضمام إلى مجموعة "FATF" مبادرة هامة وأساسية، لأن الحفاظ  على الاتفاق النووي عمليًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه المجموعة، لذلك فقد اتخذ محمد جواد ظريف، بكل قوة وبشكل علني غير مسبوق، موقف المواجهة تجاه "إثارة الأجواء" التي يفتعلها المعارضون لهذه المبادرة. وقال: "إن أولئك الذين لديهم صفقات يمكن أن تصل إلى 30 ألف مليار تومان هم الذين يثيرون مثل هذه الأجواء المفتعلة".

الخروج من القائمة السوداء

وحسب تقرير "إيران إنترنشنال، كان الانضمام إلى "CFT" والخروج من القائمة السوداء لـ"FATF"، منذ اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق، ضروريًا من أجل الوصول إلى الخدمات المالية الدولية. أما الآن، ومع انسحاب أميركا من الاتفاق النووي وعودة العقوبات، فقد أصبح هذا الانضمام أكثر إلحاحًا، لأن إيران بحاجة إلى عدم إدراجها على القائمة السوداء لـ"FATF"، من أجل أن تكون لها قنوات مالية مع أوروبا، وكذلك لاستمرار التعاون مع البنوك الصينية والهندية والروسية، لأن إدراجها على القائمة السوداء يمنع حتى الدول الثماني التي نجحت في الحصول على إعفاء مؤقت من العقوبات النفطية الأميركية من التبادل المالي معها بسهولة. 

أبعاد غسل الأموال في إيران

في القائمة السوداء لـ"FATF"، وبغض النظر عن إيران التي تم إمهالها، لا يوجد سوى اسم كوريا الشمالية.

من جهة قانونية، فإن مؤسسة "بازل" التي تحقق في عملية جرائم غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، والتي تتخذ من سويسرا مقرًا لها، صنفت إيران في قائمة الدول التي تقوم بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، خلال عامي 2015 و2016، إلى جانب أفغانستان، وطاجيكستان، وغينيا، وأوغندا، ومالي.

وقد وضعت هذه المنظمة في تقرير عام 2017 إيران، ولمدة أربع سنوات على التوالي، بين 146 دولة شملها الاستطلاع، في المرتبة الأولى من حيث مخاطر غسل الأموال، وجاء في هذا التقرير السنوي، أن إيران منذ عام 2012 حتى عام 2017، باستثناء عام 2013، كانت على الدوام  تحتل المرتبة الأولى، من حيث عمليات غسل الأموال في العالم. وفي عام 2018 تم استبعاد إيران- بسبب عدم تعاونها الأمني مع هذه المؤسسة (بازل)- من قائمة البلدان التي تمت دراستها.

أما المؤشر الآخر الذي يبين الأبعاد الواسعة لعدم الشفافية المالية، والتي تشير إلى احتمالية غسل الأموال، فهو تقرير البنك المركزي الإيراني الذي يوضح أن من بين 49 مليون حساب بنكي مع رمز وطني فاقد الاعتبار، هناك أكثر من مليون حساب بنكي بتعرفة غير معتبرة، وأكثر من مليوني حساب بنكي فاقد الرمز الوطني، وأكثر من 3 ملايين حساب فاقد التعرفة المالية في البلاد. 

مؤسسات مالية كثيرة

لعل أحد المؤشرات الواسعة على غسل الأموال في إيران، هو الارتفاع المتزايد في عدد المؤسسات المالية والمصرفية في إيران، وهو موضوع تم الإعراب عن القلق بشأنه، منذ مدة داخل هذا البلد.

إن مؤسسي المؤتمر السنوي "للوقاية من التزوير وسوء الاستغلال المالي" في إيران، رغم تأكيدهم على الاهتمام بحجم التهريب، فإنهم يشيرون إلى غسل 26 مليار دولار أميركي سنويًا في إيران، وقد صرح أحد هؤلاء المؤسسين في إحدى خطبه قائلا: "إن صناديق الائتمان والمؤسسات المصرفية غير المصرح بها هي أم الفساد كله، حتى إنها تعتبر طريقًا لغسل الأموال".

ولقد أعرب حسن روحاني، في إحدى خطبه، أيضًا، عن قلقه إزاء وجود أموال خارج رقابة البنك المركزي، في هذه المؤسسات، وقال: "إن حصيلة السيولة النقدية الجديدة للمؤسسات المالية غير المصرح بها التي دخلت اقتصاد البلاد في عام 2015، تقدر بما يقارب 250 ألف مليار تومان".

وهناك عدم قدرة للحكومة على فرض رقابتها على المؤسسات المالية، وعجز عن أخذ موافقة البرلمان  للانضمام إلى "FATF"، مما عرض للخطر الشديد إمكانية التبادل المالي التي توفرت بعد عقد الاتفاق النووي، وهو ما دفع محمد جواد ظريف إلى أن ينتقد بصراحة خارجة عن العرف الدبلوماسي أولئك الذين يضعون العراقيل، ويثيرون الأجواء، وهو انتقاد لن يبقى دون جواب.


اضف تعليق