تصاعد "المد الشعبوي" .. هكذا المشهد في ألمانيا!


١٧ نوفمبر ٢٠١٨ - ٠٨:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - جاسم محمد

يميني متطرف، يساري متطرف، إسلامي متطرف، هكذا صنفت سلطات الأمن الألمانية المشهد في ألمانيا، مسجلة ارتفاعًا مستمرًّا في عدد الأشخاص الذين ينجذبون نحو الأيديولوجيات المتطرفة ويقبلون استخدام العنف لتنفيذ أهدافهم.

كشف التقرير السنوي لهيئة حماية الدستور، الاستخبارات الداخلية لعام 2017 عن رصد سلطات الأمن الألمانية ارتفاعًا مستمرًّا في عدد الأشخاص الذين ينجذبون نحو الأيديولوجيات المتطرفة ويقبلون استخدام العنف لتنفيذ أهدافهم.

حذر الرئيس الجديد لهيئة حماية الدستور الألمانية توماس هالدينفانغ، من أن الإرهاب الإسلاموي يشكل الخطر الأكبر على البلاد.

وأشار هالدينفانغ إلى الاستعداد العالي للعنف عند اليمين المتطرف وتشكيل الهجمات الإلكترونية والتجسس خطرًا كبيرًا .

وأوضح هالدينفانغ أن هناك استعدادًا عاليًا للعنف داخل التيار اليميني كما كان الأمر من قبل، معقبا بالقول: "وهذا الأمر نأخذه بجدية ونراقب إمكانية تشكل هياكل إرهابية يمينية يرافق التطورات الديناميكية داخل التطرف اليميني".

ويشير معهد الاقتصاد الألماني -في تقرير له- إلى أنه "لا يمكن تفسير النجاح الإقليمي لحزب البديل فقط من خلال الضعف الاقتصادي" في بعض المناطق.

وبرر المعهد استنتاجه بأن الحزب حصل على العديد من الأصوات في ولايات غنية في ألمانيا مثل بافاريا وبادن-فورتمبيرغ (حيث تجاوزت نسبة أصواته 10 بالمئة في انتخابات 2017)، بينما حصل على أصوات أقل في ولايات أفقر مثل شليسفيغ-هولشتاين.

ويرى عالم الاجتماع هولكر لانغسفيلد -في حوار مع صحيفة فرانكفورته ألغماينه  الألمانية- أن ناخبي حزب البديل هم من الذين يرون العولمة تهديدًا ثقافيًّا واقتصاديًّا عليهم؛ لأنها تجلب منافسين لهم.

جرائم اليمين المتطرف ضد الأجانب

أما جرائم اليمين المتطرف ذات الخلفيات المعادية للأجانب، فقد تراجعت لعام 2017 بنسبة 35%، وذلك بسبب تراجع عدد مراكز إيواء طالبي اللجوء، التي كانت هدفًا لاعتداءات متكررة من جانب عناصر يمينية متطرفة خلال الأعوام الماضية.

وبحسب تقرير الاستخبارات الداخلية الألمانية خلال شهر يونيو 2018، بلغ إجمالي عدد المنتمين إلى التيار اليميني المتطرف بنهاية عام 2017 نحو 24 ألف شخص.

وارتفع عدد النازيين الجدد بواقع 200 شخص ليصل إلى نحو 6 آلاف شخص. وبلغ خلال عام 2017 عدد المنتمين إلى حركتي مواطني الإمبراطورية الألمانية "مواطني الرايخ الألماني" و"المواطنين المستقلين" إلى 16500 شخص.

وسبق، أن اتهمت" فرانسيسكا شرايبر، العضو السابق في الحزب، صاحبة كتاب "حزب البديل، معلومات من الداخل" رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية السابق Hans-Georg Maa�en بتقديم نصائح "للبديل" الشعبوي، وهو ما نفاه الأخير بشدة..

وذكر موقع "شبيجل أونلاين" -في تقرير صادر خلال عام 2018- أن اليمينيين المتطرفين في ألمانيا أدرجوا في السنوات الماضية آلاف الأشخاص ضمن قوائم أطلقوا عليها ""قوائم الأعداء"، وأن اليمين المتطرف في ألمانيا أدرج 25 ألف شخص ضمن "قوائم الأعداء".

وحسب التقرير فإن القوائم تضم أسماء هؤلاء وعناوينهم وأرقام هواتفهم، وأن السلطات الألمانية أبلغت ثلاثة فقط من المدرجة أسماؤهم على القوائم.

الاستنتاج

بعد تهديدات مقاتلي تنظيم داعش والجماعات المتطرفة لأمن دول أوروبا، والتي تزايدت خلال عام 2015 و2016، في أعقاب موجات اللجوء، انتبهت حكومات أوروبا إلى حقيقة، أن أجهزة استخباراتها والأجهزة الأمنية الأخرى لم تكن بالمستوى المطلوب لمواجهة تلك التهديدات.

فالأمر كان يتعلق ربما بقدرات أجهزة الاستخبارات أكثر بعنصر المبادرة لدى الجماعات المتطرفة. وتراجعت عمليات تنظيم داعش داخل أوروبا كثيرا، لتنحصر في عمليات الطعن بالسكين أو الدهس بالعجلات، نتيجة ما أحرزته الاستخبارات الأوروبية من تقدما في عملها وسد الثغرات.

لكن كانت هناك "جبهة ساخنة" وهي اليمين الشعبوي، تصاعدت أنشطته، بالعمل ضد الأجانب والمهاجرين، ليصل إلى حد وضع قائمة لاغتيال عدد من السياسيين، الداعمين لكتلة الاتحاد الأوروبي، والعولمة.

التهديدات تجاوزت هذا الحد ليصل إلى اختراقات داخل أجهزة الأمن والدفاع، حيث كشفت الحكومة الألمانية -على لسان وزيرة الدفاع الألمانية، ورسولارترود فون دير لاين (Ursula Gertrud von der Leyen)- أنه تم إعفاء أكثر من 300 شخص من وزارة الدفاع، لتورطهم بأنشطة يمينية متطرفة، وذات الشيء في وزارة الداخلية والاستخبارات، لتصل إلى تعاطف مسؤوليين كبار في الاستخبارات مع اليمين الشعبوي، وربما كانت قضية ماسن، رئيس الاستخبارات الداخلية واتهامه بتسريب معلومات لصالح اليمين الشعبوي نموذجا لذلك. إن تهديد اليمين الشعبوي لم يعد منحصرًا على الأقليات والمهاجرين، بقدر ما أصبح يهدد أطرافًا سياسية وأنظمة سياسية أوروبية برمتها.

تصاعد اليمين المتطرف في البرلمانات الأوروبية وفي البرلمان الأوروبي، ليكون كتلة، تعمل على التحالفات يمثل تهديدًا خطيرًا للأنظمة السياسية لأوروبا والتي رسمت أشكالها بعد الحرب العالمية الثانية.

تمدد اليمين المتطرف في ألمانيا والنمسا وإيطاليا وفرنسا وهولندا، ناهيك عن المجر والكتلة الشرقية، يعيد للأذهان المد "النازي" من جديد، والتمترس نحو "القومية" بمفهومها السلبي العرقي، وهذا يتمثل في مطالب أطراف سياسية أوروبية، بانسحاب دولها من معاهدات ومواثيق الهجرة واللجوء.

المشهد الان ربما لايسير بصالح الحكومات التي تتزعمها احزاب محافظة تقليدية عريقة، هناك سباق داخل أوروبا لتعزيز التعاون الاوروبي في مواجهة اليمين المتطرف، يقابله، مد سريع جارف لليمين المتطرف، والذي لم يتردد ابدا بالاعلان عن تحالفاته على امتداد دول أوروبا، مستغلا الخلافات مابين ضفتي الاطلسي وتراجع الناتو.

التوصيات

ينبغي على دول أوروبا، مراجعة سياساتها وقوانينها، المعنية في محاربة التطرف ومكافحة الإرهاب، ومنح اجهزة الاستخبارات سلطات اكثر، في مواجهة المد اليميني الشعبوي، من اجل تقييد أنشطته  العلنية ورصد ومراقبة أنشطة المجموعات اليمينية الشعبوية، بمنح اجهزتها صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليات إستباقية، وهذا ماعملته ألمانيا مؤخرا.

ويجدر بالحكومات الاوروبية ايضا ، عدم تهميش الشباب من الاجانب بمنحهم فرص اكثر في الدراسة والعمل، وتفعيل حقيقي لسياسات التكامل والاندماج الاجتماعي، التي أصبحت في الغالب "نظرية" غير صالحة للتطبيق.



الكلمات الدلالية ألمانيا

اضف تعليق