"السترات الصفراء".. اختبار عسير لــ"ماكرون"


١٧ نوفمبر ٢٠١٨ - ١٠:٥٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

شهدت فرنسا منذ ساعات الصباح الباكر اليوم السبت، تحركات شعبية واسعة النطاق بهدف قطع الطرقات في كافة أنحاء البلاد، اعتراضا على السياسة الاقتصادية لحكومة إيمانويل ماكرون، وسط توقعات بأن تتسع رقعة اللون الأصفر لتشمل 1500 نقطة موزعة في كافة أنحاء البلاد.

هذه التحركات دعت إليها حركة شعبية تطلق على نفسها اسم "السترات الصفراء"، بهدف إغلاق الطرق والمطارات والمحطّات وعدد من المواقع الأخرى سواء داخل المدن أو القرى، احتجاجا على إجراءات حكومية تسببت في تراجع القدرة الشرائية للفرنسيين، وعلى رأسها ارتفاع أسعار الوقود.
 
بداية الحركة

ولدت حركة "السترات الصفراء" في نهاية أكتوبر الماضي على خلفية ارتفاع الرسوم على المحروقات، ففي غضون عام واحد ارتفعت الضرائب على الوقود بنسبة 23% على الديزيل و 14 % على البنزين، غير أن حكومة إدوار فيليب أعلنت عن رفع الرسوم من جديد في مطلع 2019، وكأنها أرادت صب الزيت على النار في خطوة مجحفة بحق الأسر محدودة الدخل بحسب الكثيرين.

جاء اسم "السترات الصفراء" نسبة إلى "سترات السلامة" التي سيرتديها المعتصمون على الطرقات لكي تلاحظهم العربات المتجولة بسهولة، وتعود بداية الإعلان عن الحركة إلى شهر مايو الماضي، عندما انتشرت عريضة احتجاجية على الإنترنت من خلال عدة صفحات على فيسبوك وموقع الكتروني خاص بالتعريف بالحركة التي يقول المشاركون فيها إن الفرنسيين خاضعون منذ تولي الرئيس إيمانويل ماكرون السلطة في 14 مايو 2017 لسياسة ضريبية أنهكت الطبقات الأقل دخلا منهم وحتى المتوسطة.

في البداية اكتفت الحكومة الفرنسية بالصمت قبل أن تطلق حملة لإقناع المواطنين بأن الرسوم على الوقود تم رفعها للضرورة البيئية، وفي محاولة لنزع فتيل الغضب الشعبي أعلن رئيس الوزراء عن تدابير إضافية للتخفيف من حدة ارتفاع المحروقات وأسعار الطاقة عموما، بما في ذلك مساعدات مالية للطبقات الأقل دخلا قيمتها 500 مليون يورو، لكن إدوار فيليب شدد على أن حكومته لن تتراجع عن سياساتها الضريبية بأي حال من الأحوال.
 
فيما أبدى ماكرون تفهمه لغضب المحتجون قائلا في مقابلة مع قناة "تي إف 1": إنه يدرك حجم الاحتياجات الاجتماعية وإن الفرنسيين لديهم الحق في التظاهر والتعبير عن غضبهم، وذلك دون أي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي بصورة أكثر واقعية.

لكن الحركة حظيت بدعم أحزاب من اليمن مثل الجمهوريين، واليمني المتطرف مثل حزب التجمع الوطني، ومن أقصى اليسار الراديكالي مثل "حزب فرنسا الأبية"، هذا على الرغم من رفض هذه الأحزاب الإعلان عن المشاركة في مسيرات اليوم، كما أن الحركة تعد حركة افتراضية وشعبية بامتياز، فهي تعمل بدون زعيم محدد أو أي توجه حزبي.

اختبار عسير  

في وقت سابق من اليوم أعلنت مديرية الشرطة الوطنية عبر صفحتها على "تويتر"، أن عدد عناصر الشرطة المخصصين لتأمين تظاهرات اليوم سيبلغ 3000 عنصر على الأقل، فيما أفاد وزير الدخلية كريستوف كاستانير، في تصريحات صحفية، بأنه تم رصد نحو 1083 تجمع لحركة "السترات الصفراء" في أنحاء فرنسا منذ صباح اليوم، وسط مشاركة نحو 50 ألف متظاهر.

وبحسب وكالة فرانس برس، في ساعات الصباح الباكر قام نحو 200  من متظاهري "سترة صفراء" بإغلاق الطريق السريع أيه 16 في غراند سينت شمال فرنسا، مما تسبب في شل حركة المرور بشكل مؤقت واندلاع مواجهات مع الشرطة، وتكرر المشهد في عدة مدن وقرى وسط أنباء عن وقوع إصابات بين المتظاهرين، فيما أعلنت وفاة متظاهرة في منطقة سافوا إثر اصطدامها بسيارة أصيب سائقها بالهلع عندما حاولت التظاهرات غلق الطريق الرئيس بالمنطقة.

وتعتبر تظاهرات اليوم بمثابة اختبار عسير لقدرة ماكرون على إدراة الأزمات الاجتماعية، تقول صحيفة لوباريزيان في افتتاحيتها: سواء كان عددهم اليوم بالآلاف او بالملايين، وسواء نجحوا في شل فرنسا اليوم أم لا، فإن أصحاب السترات الصفراء نجحوا في تذكير قادتنا بأن إصلاح بلد كبير مثل فرنسا - نعني فرض ضرائب بيئية للحد من الاحتباس الحراري- لا بد أن يتم بطريقة سلسلة تراعي وضع حوالي 90% من أصحاب السيارات الذين يمتلكون سيارات بمحركات تستخدم الديزل أو البنزين، ولا تكفي التحفيزات الحكومية لحثهم على تغيير سياراتهم بسيارات نظيفة.

حركة قوية وهوة كبرى 

فيما لفتت "لوفيجارو" إلى التأييد الواسع الذي تحظى به "السترات الصفراء" وقدرته بنحو 74% من الفرنسيين، محذرة من خطورة الحركة على مستقبل الحكومة وماكرون نفسه، بالقول الأمر قد يتجاوز التذمر من ارتفاع الضرائب، ولا أحد يعرف إلى ما سيفضي غضب اليوم فكل شيء ممكن.. فـ"البريكست" في بريطانيا كان لا يمكن تصوره، ولا أحد أيضا كان يتصور انتخاب ترامب.

الواقع أن تظاهرات السترات الصفراء، تعكس هوة كبرى بين سكان وسط المدن ميسوري الحال المحظوظين بشبكة نقل متميزة الذين يمكن أن يفكروا في قضايا البيئة، وبين الطبقات الشعبية في الضواحي والمدن الصغرى والقرى، هذه الطبقات التي تعاني من الغلاء وارتفاع الضرائب وجاء رفع ضرائب الوقود ليزيد الطيب بلة، إذ يستخدم غالبية أبناء الضواحي سياراتهم يوميا للوصول إلى عملهم داخل المدن الكبرى.



اضف تعليق