زيارة رئيس تشاد لإسرائيل.. تطبيع للعلاقات والاقتصاد "كلمة السر"


٠١ ديسمبر ٢٠١٨ - ١٢:٠٧ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالدايم

في أول زيارة من نوعها لرئيس تشادي، وبعد 40 عاما من قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؛ وصل إلى إسرائيل الرئيس التشادي إدريس ديبي، ورحب به بنيامين نتنياهو الذي قال عن الزيارة إنها "تاريخية تشق طريقا سياسيا" وفي المؤتمر الصحفي المشترك بينه وبين ديبي قال نتنياهو: إن إسرائيل تستأنف من جديد تعاونا كان معلقا، في إشارة لانقطاع العلاقات الدبلوماسية منذ العام 1972 بين إسرائيل وتشاد، كما أكد نتنياهو أن إسرائيل تعود إلى أفريقيا.

وصل إدريس ديبي، يوم الإثنين الماضي، في أول زيارة علنية لمسؤول تشادي كبير إلى إسرائيل، وكان في استقباله بمطار بن جوريون الوزير تساحي هنجبي، وذلك إيذانا بتجديد العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين البلدين، حيث بدأت العلاقات بين تشاد وإسرائيل في ستينيات القرن الماضي، وانقطعت بعدها عام 1972، وتأتي زيارة ديبي الآن لتؤكد النشاط السياسي والدبلوماسي الخارجي الذي تنتهجه حكومة نتنياهو منذ فترة، وخلال العام 2018 تحديدا.

في المؤتمر الصحفي بين نتنياهو وديبي تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن أهمية عودة العلاقات مع واحدة من أكبر الدول الإسلامية في أفريقيا، مشيرا إلى أن المباحثات تطرقت إلى التغييرات التي طرأت على التعامل العربي مع إسرائيل، ويقصد هنا زيارته الأخيرة لسلطنة عمان، والتحضيرات لزيارة لدولة عربية أخرى هي البحرين وفقا لتقارير صحفية.


تسونامي سياسي إسرائيلي

من جانبه؛ تحدث وزير الاقتصاد الإسرائيلي إيلي كوهين عن زيارة الرئيس التشادي مبرزا أهميتها بالنسبة لإسرائيل، باعتبارها استمرارا لسياسة تقوية العلاقات عبر البحار، مشيرا إلى اتفاق التجارة مع أوروبا، وزيارة نتنياهو إلى عمان، والزيارة المرتقبة إلى البحرين، حيث أعلن أنه تلقى الدعوة للمشاركة بمؤتمر اقتصادي بالبحرين مقتبل العام المقبل، حتى أنه وصف هذا النشاط بأنه "تسونامي سياسي".

القضية الفلسطينية ليست الأساس

بعيدا عن التصريحات الروتينية المتبادلة في المؤتمر الصحفي بين ديبي ونتنياهو حول القضية الفلسطينية؛ فإن الهدف الرئيس لزيارة رئيس التشاد، كما نقلت وسائل الإعلام، هو التعاون مع إسرائيل في المجال الاقتصادي، فقد بحث نتنياهو مع ديبي زيادة التعاون بين البلدين في مجالات الزراعة ومكافحة "الإرهاب" وحماية الحدود والتكنولوجيا والطاقة الشمسية والمياه والصحة.

ووفقا لوسائل الإعلام الإسرائيلية؛ فإن القضايا الأمنية هي محور الحديث بين ديبي ونتنياهو، فرئيس تشاد يرغب في الاستفادة بخبرات إسرائيل في مجال الأمن تحديدا، حيث إن إسرائيل تنشط في تشاد، ودول أخرى بأفريقيا، في تدريب قوات الأمن والشرطة، ورغم انقطاع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في السبعينيات من القرن الماضي؛ فإن تقارير صحفية أشارت إلى استمرار خبراء إسرائيليين في تدريب قوات بالجيش التشادي وقوات أمن، خلال الثمانينيات، أثناء الحرب الأهلية في تشاد، حيث جرى إبرام صفقات أسلحة زودتها إسرائيل لتشاد.

زيارة ديبي إلى إسرائيل تحمل دلالات ذات أهمية، فتشاد دولة أفريقية ذات أغلبية مسلمة، ووجودها في وسط القارة الأفريقية يجعلها بمثابة حلقة الوصل بين الدول الإسلامية في شمال أفريقيا ودول جنوب وغرب أفريقيا، ومن هنا فإن عودة العلاقات بينها وبين إسرائيل يصب في مصلحة الأخيرة، حيث تتحرك حكومة نتنياهو بخطوات سريعة لتوسيع دائرة علاقاتها الدبلوماسية شرقا وغربا، بهدف ترسيخ وجودها، وتحقيق أهداف السلام الاقتصادي الذي تنتهجه إسرائيل.



السلام الاقتصادي وتجارة السلاح الإسرائيلي

يحمل السلام الاقتصادي مضمونين: السلام، والاقتصاد، فإسرائيل تسعى لبناء علاقات دبلوماسية وطيدة بدول كثيرة، بهدف كسر حالة العزلة السياسية التي تعانيها بسبب سياسات الاحتلال والعنصرية تجاه الفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة أو حتى فلسطيني الداخل الذين يواجهون قانون "القومية"، ومع إصرار حكومة نتنياهو على توسيع الاستيطان وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل وحصار غزة، واجهت تل أبيب العزلة التي انتهجتها دول كثيرة بمزيد من التوسع في العلاقات الدبلوماسية، وحقق نتنياهو نجاحا كبيرا في هذا المسار.

على الجانب الدبلوماسي؛ يبدو أن إسرائيل تحقق قفزات كبيرة للأمام، مع تدشين العلاقات الدبلوماسية، أو تجديدها، ونشاط نتنياهو شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، فرئيس الوزراء قام بجولة بأمريكا الجنوبية نهاية العام 2017، وهذا العام قام نتنياهو بزيارة الهند، حيث استُقبِل استقبال الملوك، وذلك بعد استقباله لرئيس وزراء الهند الذي زار إسرائيل للمرة الأولى، واستقبل نتنياهو كذلك في سبتمبر الماضي رئيس الفلبين، ومؤخرا طار إلى سلطنة عمان في زيارة مفاجئة، مع حديث عن ترتيب زيارتين للبحرين والسودان، ثم زيارة رئيس تشاد لتل أبيب، وإعلان إسرائيل عن ترتيب زيارة مماثلة إلى البلد الأفريقي، وفي القريب ربما تنضم نيجريا ومالي للدول التي تنفتح دبلوماسيا واقتصاديا مع تل أبيب، وفي الوقت نفسه استقبلت إسرائيل رئيس التشيك "المتحمس" لنقل سفارة بلاده إلى القدس.

زيارة نتنياهو لدول في أمريكا الجنوبية أسفرت عن توقيع اتفاقيات لتصدير معدات عسكرية وتقنيات اتصال، وزيارته للهند أسفرت عن توقيع عقود بيع صواريخ متقدمة وتقنيات أخرى، إضافة لاتفاقيات في مجالات الزراعة والسياحة، ورئيس الفلبين رودريجودوتيرتي جاء لإسرائيل طلبا لمزيد من الأسلحة الإسرائيلية يواجه بها معارضيه وتجار المخدرات، ولم يختلف إدريس ديبي عن رئيس الفلبين، فالرئيس التشادي جاء للحصول على مزيد من الأسلحة الإسرائيلية والخبرات العسكرية لمواجهة "متمردين" في شمال بلاده.

كلمة السر في هذا النشاط الدبلوماسي هي الاقتصاد، وتحديدا المجالات الأمنية وتجارة السلاح، فإسرائيل التي تتحول يوما بعد يوم إلى قوة عسكرية مصدرة للسلاح تسعى لتوسيع دائرة مبيعاتها من المعدات العسكرية، خصوصا تقنيات السايبر والاتصالات، وتصدير خبراتها في المجالات الأمنية وتدريب قوات الشرطة، مما يضعها بين الدول الكبرى المصدرة للسلاح والخبرات العسكرية، وهذا يمنحها أريحية اقتصادية كبيرة تؤهلها للتوسع بشكل أكبر في علاقاتها الدبلوماسية.



تحركات لقتل العزلة والقضية

إذن فتجارة السلاح أصبحت باب إسرائيل للتخلص من عزلتها، وبسط نفوذها، وتدشين خطتها الكبيرة للسلام الاقتصادي، مع دول عربية وآسيوية وأفريقية ولاتينية، مما يعزز صعود مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى يذيب جبال الثلج التي تراكمت فوق إسرائيل مع استمرار قتلها للقضية الفلسطينية بالاستيطان والقتل والعنصرية.




اضف تعليق