جزيرة "سينتينل".. القبيلة المنعزلة التي قتلت الأمريكي "جون تشاو"


٠٢ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٨:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - مها عطاف

"الله محبة".. تلك الجملة التي قادت المبشر الأمريكي الشاب "جون تشاو" إلى جزيرة سينتينل المعزولة عن العالم، الواقعة في خليج البنغال في المحيط الهندي، ولم يعلم أن مصيره سيكون القتل بسهام مسمومة، وأن حلمه في دعوة سكان الجزيرة بالتسليم إلى معتقداته والإيمان بها، تلاشى منذ أن خطت قدميه ساحل الجزيرة الأسبوع الماضي





ومن المغامرة ما قتل

إنجيل مقاوم للماء وهدايا بلاستيكية كانت تلك أسلحة "تشاو" -البالغ من العمر 27 عامًا-، الوحيدة في رحلته لاختراق إحدى الجزر النائية بالهند، والمعزولة تمامًا عن العالم، اقترب تشاو إلى ساحل الجزيرة مع أحد الصيادين الذي رفض أن يتقدم خطوة أخرى، وتركه وحده خاصة أن هناك عددًا من حوادث القتل سجلت لصيادين حاولو الاقتراب من الجزيرة أكثر من اللازم، وأكمل تشاو باقي الطريق إلى الجزيرة سباحة.

"انتظروا المغامرة".. كانت آخر كلمات تشاو لأصدقائه عبر حسابه بموقع "إنستجرام"، حيث كانت خطته أن يتقدم بالهدايا إلى السكان ليعرب عن حسن نيته، ثم محاولة التواصل معهم لإيصال رسالته، لكن الانطباع الأول كان حادًّا، كما يصف تشاو في الرسائل القليلة التي دوَّنها قبل أيام من وفاته، فقد جرت معاملته بدرجة عالية من القسوة، وحاول أحدهم أن يطلق عليه سهمًا مسمومًا، ومع عدم إمكانية التواصل اللغوي، كانت وسيلته هي الخضوع وإظهار الاستسلام البدني بينما يقدم الهدايا. 


 
في اليومين التاليين، ذهب تشاو إلى الجزيرة وعاد منها أكثر من مرة، محاولًا اكتشاف مداخل جديدة للتواصل مع أهلها، الذين لم يغيروا من تعاملهم الجاف معه،  لذلك قرر أن يبيت ليلة كاملة في الجزيرة، وهو الأمر الذي أدى إلى مقتله.

يظن بعضهم أن الوفاة ناتجة عن الإصابة بسهم مسموم، وجثته لا تزال في الجزيرة، وبعض الصيادين شاهدوا أحد السكان يجرها على الساحل.



العزلة كما يجب أن تكون

جزيرة سينتينل هي إحدى جزر أندمان الهندية الواقعة على خليج البنغال، وتقع الجزيرة غربا من الجزء الجنوبي من جزر أندمان، تغطي الغابات معظم أجزاءها التي تعتبر صغيرة الحجم، كما أنها محاطة بالشعاب المرجانية، وتفتقر للمرافق الطبيعية، ويصل عدد سكانها إلى 150 شخصًا فقط، ملابسهم تشبه ملابس إنسان عصر الصيد، فهي لا تزيد عن بعض الجلود التي تستر العورة، ويعتقد علماء الإنثروبولوجيا أن أصول سكان هذه الجزيرة تنحدر من مهاجرين أفارقة جاءوا إلى بحر أندامان منذ آلاف السنين.

تعتبر تلك الجزيرة الأكثر انعزالًا في العالم، حيث أن سكانها ظلوا معزولين قرابة 70 ألف عام، وهم آخر القبائل الموجودة في نفس المكان منذ العصر الحجري، ورغم وجود أربعة قبائل قديمة ومعزولة في مجموعة جزر أندامان بالقرب من السواحل الهندية، فإن هذه الجزيرة الوحيدة التي لم تتعامل مع الغرباء ويرفض قاطنوها أي شكل من أشكال الاندماج في الحضارة والمدن الحديثة، لا يوجد الكثير من المعلومات عنها، حيث أنها لا ترغب مطلقًا بالاختلاط مع العالم الخارجي، ويواجه سكان الجزيرة الكثير من التهديدات لاسيما الأمراض المعدية التي تهدد سكانها، فضلا عن العنف من الغرباء، وتعتبرها الحكومة الهندية منطقة محظورة.



محاولات تواصل فاشلة

في أواخر القرن التاسع عشر، خطف موريس فيدال بورتمان، الضابط في القوات البحرية البريطانية، العديد من سكان الجزيرة، وأخذهم إلى منزله في جزيرة أكبر، حيث كان البريطانيون يديرون أحد السجون، لكنه شاهد الأشخاص البالغين المختطفين يمرضون ويموتون، لذلك قرر إعادة الأطفال إلى الجزيرة، وأنهى تجربته، واصفاً إياها بالفشل. وكتب بورتمان في كتابه الصادر عام 1899: "لا يمكن القول إلا أنَّنا لم نفعل شيئاً سوى المساهمة في زيادة حالة الذعر والعداء العامة الموجودة لديهم تجاه جميع القادمين إليهم".

كانت آخر محاولة للاتصال مع سكان الجزيرة في سبعينيات القرن العشرين، حين حاولت مجموعة من الباحثين الوصول إلى الجزيرة والتواصل مع سكانها، لكن رحلتهم انتهت قبل أن يصلوا إلى شاطئ الجزيرة، فقد استقبلتهم القبيلة في البداية بمزيج من الارتياب والفضول، وأخذوا ثمار جوز الهند، لكنهم أظهروا وجهًا عدوانيًّا بعد ذلك عندما حاول مستقلوا المركب الاقتراب أكثر من اللازم، حينها هوجموا بالرماح الطويلة.




شعب خائف محب للسلام

لا ننكر حالة الغموض التي تشوب سكان تلك الجزيرة، ففكرة وجود مجموعة معزولة وبشكل استثنائي من الأشخاص الخجولين المرتعدين من الغرباء بشكلٍ مؤلم، الذين يأكلون الجذور والسلاحف ويُخزِّنون كومةً من جماجم الخنازير البرية، فكرة مخيفة للغاية وغامضة.

لكن ربما كانت صدمة الخطف الأولى أشعرتهم بالخوف من الأمراض الخارجية، وضعف بنيتهم ومناعاتهم، ورغم الأعمال الإجرامية التي عرفت عنهم ، يرفض عالم الأنثروبولوجيا تان بانديت الذي تمكن من عقد أول لقاء مع القبيلة عام 1991، فكرة أنهم عدوانيون بطبيعتهم، وذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية، وأوضح بانديت: "إنهم شعب محب للسلام"، ويوافق فيفيك راي، كبير الإداريين السابقين لجزر أندمان ونيكوبار، وهو الإقليم الهندي الذي يضم القبيلة المنعزلة، بانديت الرأي، حيث أشار إلى أن "عداء تلك القبيلة مجرد علامة على عدم شعورهم بالأمان".




الكلمات الدلالية جون تشاو

اضف تعليق