لبنان في 2018 .. هل صارت دولة فاشلةَ؟


١٠ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠١:٣٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - مي فارس

لم يكن ينقص لبنان إلا عملية "درع الشمال" التي أعلنتها إسرائيل في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) لتحديد أنفاق حفرها "حزب الله" على حدودها وتدميرها، ليتوّج بها سنته المشؤومة التي يكاد يتحول فيها إلى دولة فاشلة، مع إخفاقه في تأليف حكومة بعد سبعة أشهر من الانتخابات النيابية الأولى له منذ تسع سنوات، وتوالي المؤشرات السلبية التي تسجّلها مؤسسات اقتصادية ومالية عالمية، لها مكانتها المرموقة في هذا المجال والتي تنذر بانهيار وشيك وسط تفاقم الدين العام وتراجع النمو، وتسجيل ميزان المدفوعات هذه السنة عجزاً هو الأعلى منذ الاستقلال.

التحليل السائد في لبنان حتى الآن أن لا حرب وشيكة بين إسرائيل و"حزب الله"، وإن تكن إسرائيل تصعد  حملتها على الحزب من فترة، بدءا من اتهامه ببناء مصانع للأسحلة الدقيقة وامتلاكه ترسانة صاروخية متطورة، وصولاً أخيراً إلى تقارير عن تلقيه شحنات أسلحة من إيران مباشرة عبر مطار بيروت.  

ويستند المقربون من "حزب الله" على نظريتين لاستبعاد تصعيد بعد "درع الشمال، أولهما أن العملية الأخيرة  هي  حلقة في سلسلة لها ما قبلها وبالتأكيد لها ما يليها  حتماً في القريب، فإسرائيل فتحت مواجهة إعلامية وعسكرية مع الحزب بهدف حصره في مواقع مثير الاضطراب والقلق والذي يحضّر المسرح لحروب ومواجهات، وثانيهما أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يبحث دائماً عما يخرجه من أزماته ويعيد إليه الاعتبار، ويخدم تل أبيب أيضاً في لحظة تصعيد واشنطن ضغوطها وحملتها لتمرير "صفقة القرن" على نحو ينهي مظاهر الصراع العربي – الإسرائيلي او يجعله هامشياً، ويتيح للرئيس الأمريكي اتخاذ إجراءات الحصار والتضييق على الحزب وسواه من القوى الحليفة له.

 وإذا كانت الحرب مع إسرائيل مستبعدة على الأقل في ما تبقى من هذه السنة، فإن حرباً من نوع آخر ليست أقل وطأة من صواريخ إسرائيل، وتهديدات "حزب الله" تطل برأسها، إذ يكاد لا يمرُّ يوم  إلا وتستخدم فيه عبارة "الانهيار الاقتصادي" لوصف الواقع السيّئ الذي وصل إليه الاقتصاد في لبنان.  


مؤتمر "سيدر"

كان مفترضاً أن تكون 2018 سنة خير للبنان بعدما عقد مؤتمر دولي للبنان في مايو (أيار)  سمي  مؤتمر "سيدر" وجنى فيه مساعدات ووعود بقروض بلغت قيمتها  نحو 11 مليار و800 مليون دولار، على أن يبدأ تنفيذها بعد الانتخابات النيابية وتأليف حكومة جديد.

واعتبر المؤتمر رسالة دعم دولي قوية للبنان، ورغبة في المساهمة في استقراره السياسي والاقتصادي.

 وفعلاً، أعقبت المؤتمر انتخابات نيابية في مايو (أيار) كانت الأولى منذ تسع سنوات بناء على قانون انتخاب جديد، ولكن سنة الخير الموعود توقفت مذذاك؛ فقد غيرت الانتخابات شكل البرلمان اللبناني وأعطت فيه كلمة وازنة لـ"حزب الله" وحلفائه، وكبلت في المقابل يد الفريق الآخر الذي يكافح مذذاك لإعادة البلاد إلى السكة الصحيحة.

ومع التعثر الكبير في المسار السياسي، اتجهت أنظار الجميع من دون استثناء إلى الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان الذي يعيش في ظلّ أزمة مالية واقتصادية قد تتحوّل إلى أزمة مستفحلة، ونقلت  وكالة "بلومبرغ" الأمريكيّة في يوليو (تموز) الماضي عن صندوق النقد الدولي إنّ الاقتصاد اللبناني يتجه في مسار لا يُمكن تحمّله، مما يتطلّب تحركاً طارئاً لاستعادة ثقة المستثمرين، كما يجب التشدّد في المالية العامّة.

وأشار الصندوق إلى حجم القرارات المكلفة سياسياً، التي يجب على لبنان اتخاذها من أجل إنعاش الاقتصاد.

وتجاوز الدين العام للبلاد في أبريل (نيسان) الماضي، حاجز الـ77 مليار دولار بنسبة ارتفاع بنحو 5.5 مليارات دولار، بمقارنة سنوية، وهو مرشح للارتفاع العام المقبل، وفق توقعات وكالة فيتش للتصنيف الائتماني.

وتوقعت الوكالة في تقرير حديث أنه في حال بقي نمو العجز في الموازنة ثابتا، وفي ظل الزيادة المتوقعه في نسبة الفوائد أن ترتفع كلفة الدين العام لتصل إلى 8 مليارات دولار سنويا، ما يعني أن حجم الدين العام سيقترب من نحو 110 مليارات دولار في السنوات الخمس القادمة.

وقبل أيام، قال رئيس غرفة التجارة والصناعة الزراعة محمد شقير إن 2200 شركة أقفلت أبوابها هذه السنة.

المقلق في كل هذا أن أياً من نواقيس الخطر التي تدقها المؤسسات الدولية، لم يؤد الى اختراق في الازمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ الانتخابات النيابية .

فقد كلف الرئيس اللبناني ميشال عون زعيم  تيار المستقبل سعد الحريري تأليف حكومة بالتشاور مع الأحزاب الفائزة في الانتخابات، ولكن  مذذاك، أخفق اللاعبون الرئيسيون في الاتفاق على تشكيلة حكومية، وتوالت العثرات من "العقدة" المسيحية إلى "العقدة" الدرزية، وصولاً أخيراً إلى عقدة "الوزير السني" من خارج تكتل الحريري.


عقدة مفتعلة 

تكاد هذه "العقدة المفتعلة" تكون الأخطر، إذ  إنها تكشف إصرار "حزب الله" على وضع العصي في دواليب الحريري بهدف إضعافه داخل قاعدته السنية في لبنان.

ظاهرياً، تبدو العقدة محصورة بثمانية نواب من السنة "المستقلين" الذين فازوا على لوائح مقربة من  "حزب الله"،  ليكوّنوا لاحقاً ما يعرف باللقاء التشاوري، ويطالب هؤلاء بمقعد وزاري. ولكن في الباطن، يقف "حزب الله بقوة وراء هؤلاء ويحركهم. 

ويرفض الرئيس اللبناني أن يتحمّل من حصته "كلفة" تسمية الوزير السني "المستقل" ويرمي الكرة في ملعب الحريري، على رغم سقف الاعتراض الذي رفعه رئيس الوزراء بقوله إنه لن يقبل دفع الثمن مرتين، بعدما تكبّده المرة الأولى في قانون الانتخابات.

عند هذه العقدة، تراوح أزمة تأليف الحكومة مكانها، وسط إصرار واضح من "حزب الله" أعلن عنه الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، على أنه لن تكون ثمة حكومة من دون توزير النواب السنة "المستقلين".

ليس ثمة ما يوحي بأن الخلافات السياسية ومحاولات "حزب الله" الاستئثار بالقرار السياسي بعدما وضع يده على قرار الحرب والسلم في البلاد، ستنتهي قريباً، على رغم الأخطار الكبيرة المحدقة بلبنان.

حالياً، أكثر ما يقلق اللبنانيين هو الوضع الاقتصادي، ولكن هذا الوضع يزداد تفاقماً مع غياب الاستقرار السياسي الذي يتطلب تشكيل الحكومة الجديدة، التي تعول عليها المؤسسات المالية والاستثمارية لإطلاق الأموال المرصودة في مؤتمر "سيدر"، وإبعاد أزمة التمويل المالي عن لبنان، حسب البنك  الدولي الذي حذّر في تقرير أعلن عنه في  3 كانون الأول، من وقوع البلاد في أزمة تمويل، في حال استمرار عرقلة تشكيل الحكومة.

حتى الآن لا تزال المصارف اللبنانية قادرة على تمويل استحقاقات الحكومة المالية، ويتوقع أن تستطيع الاستمرار في هذا الوضع حتى 2012، بحسب التوقعات الاقتصادية، الأمر الذي يحمي لبنان من انهيار مالي ونقدي. لكن في الوقت عينه، فإن حصانة لبنان المؤقّتة من الانهيار المالي والنقدي، لن تحميه من ارتفاع الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 170 في المئة بحلول عام 2022، وذلك تحت وطأة عبء خدمة الدين المتزايد.

ويقول الخبير الاقتصادي غازي وزنة إن "مستوى الدين العام في لبنان يفترض منا التحرك سريعاً...أي تأخير سيعرضنا للانهيار المالي".

ويرى فريد بلحاج، نائب رئيس البنط الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنه "من المخجل اضاعة كل هذا الوقت"، مضيفاً أن الإصلاحات ستشكل منطقة عازلة ضد للأزمة. ولكن في غيابها  يمكن الأزمة أن تكون مؤذية جداً"، محذراً من "أننا إذا لم نطبق هذه الاصلاحات سريعاً، فإن لبنان الذي نعرفه سيختفي".


اضف تعليق