البشير في سوريا.. محاولة احتواء الأزمة ورأب "الشرخ" العربي


١٧ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٧:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

ساعات قليلة، لخصت زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى سوريا، والتي وصفت بـ "السرية"، ربما لكونها شهدت "اجتماعًا مغلقًا" بين البشير ونظيره السوري بشار الأسد، وتفاصيل كثيرة لم تر النور، خلت حتى من مؤتمر صحفي يجمع القيادتين السورية والسودانية، اللهم إلا مشاهد التقطتها عدسات المصورين ممن سُمح لهم بالتغطية الإعلامية للزيارة.

البشير في سوريا

قبلة حياة عربية جديدة، استقبلها النظام السوري، بحفاوة كبيرة، من خلال زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير، إلى العاصمة السورية دمشق، أمس الأحد، وجاء الاستقبال في أعلى مستوياته، ممثلًا في أحد أقطاب الصراع السوري -لُب أزمات منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة ضمن محطات "الربيع العربي"- الذي يقترب من إتمام عامه الثامن على التوالي، وهو الرئيس بشار الأسد.

زيارة البشير، حظيت بتغطية إعلامية عربية، غلب عليها "الترقب والمتابعة" الصامتة -باستثناء إعلام البلدين- بالتزامن مع ردود أفعال سياسية وشعبية محدودة حتى كتابة هذه السطور.

وبينما يعد التقارب السوداني السوري الأخير، هو الأول من نوعه على مستوى العلاقات العربية مع دمشق، في سنوات ما بعد "الثورة السورية"، فقد أكد البشير حرص الخرطوم على ما أسماه "استقرار سوريا وأمنها ووحدة أراضيها بقيادتها الشرعية"، "وعودتها إلى حضن الأمة العربية".

وكالة الأنباء السودانية "سونا"، من جانبها كشفت أن البشير، خلال الزيارة التي استمرت يوما واحدا، عقد اجتماعا مغلقا مع الرئيس السوري وعقدا "مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين".

وأكد الرئيسان أن "الظروف والأزمات التي تمر بها العديد من الدول العربية تتطلب إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية مما يقود لتحسين العلاقات العربية لخدمة مصلحة الشعب العربي".

ووفقًا للوكالة السودانية، قال البشير والأسد: إن "التطورات في المنطقة خاصة في الدول العربية تؤكد ضرورة استثمار كل الطاقات والجهود خدمة للقضايا العربية وتصديا للمخططات التي تتعارض مع مصالح دول المنطقة وشعوبها".

وعلى الجانب المقابل، نقلت "وكالة الأنباء السورية (سانا)"، عن الأسد قوله: إن "زيارة البشير ستشكل دفعة قوية لعودة العلاقات بين البلدين كما كانت قبل الحرب على سوريا".

فيما أوضح "البشير"، أن "سوريا هي دولة مواجهة وإضعافها هو إضعاف للقضايا العربية، وما حدث فيها خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن هذا الواقع، وبالرغم من الحرب بقيت متمسكة بثوابت الأمة العربية".

واختتم البشير تصريحاته، وفقًا للوكالة السورية، معربًا عن أمله في أن "تستعيد سوريا عافيتها ودورها في المنطقة في أسرع وقت ممكن وأن يتمكن شعبها من تقرير مستقبل بلده بنفسه بعيدا عن أي تدخلات خارجية".

يذكر أن دول عربية كثيرة تجنبت الأسد منذ أن بدأ الصراع في 2011 بعد انتشار الاحتجاجات في سوريا مطالبة بإسقاطه.

وعلقت جامعة الدول العربية أنشطة سوريا في مؤسساتها في نوفمبر 2011 ردا على تعامل الحكومة السورية العنيف مع الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية.

ورغم أن دولا عربية كثيرة أغلقت سفاراتها أو خفضت علاقاتها مع دمشق، ثمة دعوات كثيرة في العالم العربي في الأشهر الأخيرة لتطبيع العلاقات مع سوريا وإعادتها إلى مقعدها في جامعة الدول العربية.

ردود أفعال متباينة

أصداء زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا، وإن قلت، على المستوى الرسمي، حتى الآن، إلا أن المتداول منها جمع ما بين التأييد والإشادة، أملًا في عودة "اللحمة العربية"، وعلى النقيض، فقد رآها البعض "شرعنة" لنظام أساء التعامل مع المعارضين، فأزهق الأرواح، ودمر البنية التحتية، وشتت شعبه، في واحدة من دول محور "المقاومة والممانعة" ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي، فيما اكتفى البعض الآخر بالإشارة إلى الزيارة، دونما تعليق، وربما انتظارًا للموقف السياسي الرسمي.

البداية مع النائب اللبناني السابق "فارس سعيد" -والذي انتقد عبر حسابه على موقع "تويتر" وصف الرئيس السوداني عمر البشير سوريا بدولة مواجهة فكتب- "يصف عمر البشير سوريا أنها دولة "مواجهة" وهو نفسه يسمح للطيران الإسرائيلي بالمجال الجوي السوداني ونقلته طائرة روسية غير معادية لإسرائيل".

وإذ سأل سعيد:"من واجه بشار الاسد؟". أجاب قائلاً "واجه معارضيه في لبنان وفي سوريا فقط، لم يواجه يوماً إسرائيل هزم في لبنان إلى غير رجعة سيهزم في سوريا مهما طال الزمن".








من جانبه، رأى "هشام البقلي"، الباحث في الشؤون العربية، أن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا تعد دليلا على تغير الاستراتيجية العربية تجاه الملف السوري، بضرورة الانتقال السياسي، والدليل على ذلك، أنه خلال الفترة الماضية أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضرورة الانتقال السياسي في سوريا.

وأضاف البقلي -وفقًا  لصحيفة "الوطن" المصرية- أن هذا التغير العربي تجاه الملف السوري جاء بعد سيطرة الرئيس بشار الأسد والقوات المحالفة له على أغلب الأراضي السورية، فيما عدا "إدلب"، فأصبح هناك حاجة شديدة لإنهاء النزاع المقام على الأراضي السورية.

وأكد الباحث في الشؤون العربية، أن هذا التوجه يدل على صحة الرؤية المصرية التي تبنتها مصر بعد ثورة 30 يونيو، بضرورة الانتقال السلمي للسلطة في سوريا، سواء باستمرار الأسد أو بتنازله عن السلطة.







الخاتمة

على الرغم من حالة الغليان والغضب، التي يعيشها الشارع العربي، على وقع المآسي التي يحياها الشعب السوري، الواقع بين مطرقة النظام وعصاه الغليظ، وبين مصالح تتخطفه يمينًا ويسارًا، نحو وجهة لا يعلم إلا الله مآلها ومداها، تظل زيارة الرئيس السوداني، نقطة هامة، في محطات الأزمة السورية، سواءً على مستوى مستقبل النظام السوري نفسه، وحتى في جانب العلاقات العربية "المنقطعة" تقريبًا مع دمشق منذ أحداث 2011.


اضف تعليق