هل تشهد أوروبا اليوم "مشروع التفتيت"؟


٠٦ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٩:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - جاسم محمد

تراجعت الحكومة الفرنسية يوم أمس 5 ديسمبر 2018، عن زيادة الضرائب على الوقود، التي كانت مقررة العام المقبل، بعد احتجاجات استمرت على مدار أسابيع. وبعد إعلان سابق عن تعليق الزيادة بصورة مؤقتة، قال رئيس الوزراء إدوارد فيليب، إنها ألغيت من مشروع موازنة العام المقبل. وأقرّت الجمعية الوطنية بأغلبية 358 صوتًا مقابل 194 الإجراءات التي أعلن عنها رئيس الوزراء.
الرئيس الأمريكي ترامب سخر -في تغريدة على تويتر- من التسوية بين ماكرون والمتظاهرين، مذكرا بموقفه من اتفاقية المناخ. والرئاسة الفرنسية تمتنع عن التعليق. وكان ترامب قد تدخل بشكل غير مباشر في وقت سابق في الجدل السياسي الفرنسي، بنقله تغريدة ناشط طلابي أمريكي محافظ، كتب على تويتر أن هتافات "نريد ترامب. كانت تتردد في شوارع باريس.
 
تمدد التيارات الشعبوية

شهد اليمين واليمين المتطرف تمددًا كبيرًا خلال العامين السابقين، وأكدت عمليات انتخابية مهمة -جرت عام 2017- هذا الاتجاه في فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا، حيث يسرع نجاح الأحزاب الشعبوية المشككة في البناء الأوروبي والمعادية للهجرة إعادة تشكيل المشهد السياسي في القارة. وتوضح تلك الأحزاب المتطرفة أنها متحالفة في "أوروبا الأمم والحريات"، وهي المجموعة السياسية التي تأسست عام 2015 داخل البرلمان الأوروبي، وتؤكد أنها تعمل على التعاون في أوروبا خارج أطر الاتحاد الأوروبي.
 
ولم تتردد لوبان -زعيمة حزب التجمع الوطني في فرنسا- في الكشف عن هدفها، في أعقاب تظاهرات "السترات الصفراء بالقول: "في فرنسا، هدفنا هو هزيمة ماكرون" والعمل مع حلفائنا، الجماعات القومية الأخرى، على تكوين أغلبية تنأى عن الاتحاد الأوروبي المتهالك، وتتحرك صوب تعاون بين الدول مع الاحترام المتبادل لتنوعها وهويتها". وتهدف لوبان والتيارات الشعبوية الأخرى إجبار بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، على إعادة السلطات إلى الدول الأعضاء وهو ما يقول أنصار الاتحاد الأوروبي إنه يؤذن بانتهاء الوحدة السياسية والنقدية لأوروبا. ويقول الصحفي بيير هاسكي -صحفي ورئيس منظمة "مراسلون بلا حدود" في مقاله- هل يحتل اليمين المتطرف البرلمان الأوروبي سنة 2019... موقع "وفال أوبسر فاتور": يبدو أن الانتخابات المزمع عقدها خلال مايو من سنة 2019، بعيدة كل البعد عن مشاغل الناخبين.
 
مشروع تفتيت أوروبا
 
وينشط بشكل جاد "ستيف بانون"، مدير حملة ترامب الانتخابية، ومستشار سابق للبيت الأبيض، والصديق الحميم لترامب من داخل بروكسل من أجل التأثير على الانتخابات البرلمانية الأوروبية القادمة. وأشارت مصادر إعلامية غربية -(موقع أوبسر فاتور) في 6 أغسطس 2018- إلى أن ستيف بانون يأمل بالتعاون مع "الحركة" التي يركزها في بروكسل، في توحيد صفوف الحركات المتطرفة، على الرغم من الاختلافات التي تعاني منها. ويمتلك بانون شبكة مهمة من العلاقات مع التجمع الوطني في فرنسا، وعلى وجه الخصوص مع ماريون ماريشال (لوبان)، ومع فيكتور أوربان في المجر عن طريق الرابطة الإيطالية، أو الأحزاب المتطرفة في السويد وألمانيا. الإعلامي والكاتب محمد قواص من بريطانيا في تعليق له في برنامج "قابل للنقاش" قناة دبي الاولى، أكد أن هناك توافقا روسيا أمريكيا ضد أوروبا، وابتعاد أوروبا من حليفتها واشنطن، وتقاربها من موسكو .
 
الخلاصة
 
إن تصريحات ترامب، وسياساته تجاه أوروبا، خاصة في الأمن والدفاع وحتى التجارة والحمائية الجمركية، تؤكد نهجا جديدا للولايات المتحدة مع دول أوروبا، يتلخص بتخلي واشنطن عن التزاماتها في حماية أوروبا، وتحولها لخصم.
 
بعد الحرب العالمية الثانية، تعهدت أمريكا بتوفير الأمن والحماية لأوروبا، على أن تتفرغ للبناء والنمو الاقتصادي، لكن ما يحدث اليوم، هو إعلان واشنطن أنها لم تعد مسؤولة عن أمن أوروبا، بل ذهبت أبعد، بأنها تعمل على إضعاف أوروبا وخاصة دول الاتحاد الأوروبي. ترامب دعم خروج بريطانيا، وسبق أن هاجم ألمانيا منتقدا سياساتها في الدفاع والتجارة والهجرة واليوم يضع ترامب أصابعه بأعين ماكرون منتقدا سياساته.
 
ماذا يحدث الآن في أوروبا: بريطانيا تعاني من أزمة ومرشحة للفوضى، ألمانيا تمر في أضعف حالاتها، يحكمها ائتلاف يقف على حافة الهاوية، وفرنسا أم الديمقراطية تواجه "حرائق".
 
هل ما يجري الآن في أوروبا، نتيجة تداعيات سياسية، أم هناك أطراف تعمل على استنساخ "الربيع العربي" في أوروبا بنسخة تتلاءم مع أوروبا؟
 
"التفتيت"، ما تعانيه أوروبا، اليوم، بعد إعلان دول أوروبا أهمية النهوض بنفسها، والاعتماد على إمكانياتها بحماية أمنها القومي وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة، وربما تشكيل جيش أوروبي موحد.
 
ترامب يضرب أوروبا في العمق "المحور الفرنسي الألماني" وبريطانيا القوة العظمى في أوروبا. ماذا بقي لأوروبا ؟ الأخطر أن هناك توافقا روسيا أمريكيا لإضعاف أوروبا، ويكمل هذا المثلث بتركيا، التي تمثل قاعدة هذا المثلث، أردوغان لم يخف تهديداته بفتح أبواب الهجرة والمقاتلين الأجانب على أوروبا.
 
روسيا هي الأخرى، دخلت على أوروبا من بوابة النمسا، كونها الدولة الأوروبية، التي لا تقع تحت حماية الناتو، ما يجري الآن هو عودة أوروبا إلى التمترس القومي، إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.
 
الأسابيع القادمة، من المحتمل أن تشهد باريس تصاعد بأعمال عنف، لا تتوقف عند إلغاء ضريبة المحروقات، البنزين، لتذهب أبعد، حتى الإطاحة بماكرون.
 
وجود ستيف بانون، مستشار ترامب السابق في بروكسل، مؤشر إنذار إلى أوروبا، والتي ستظهر نتائجه في انتخابات البرلمان الأوروبي، خلال شهر مارس 2019، والذي من المتوقع أن يشهد اليمين المتطرف صعودا أكثر. هذه المرة التهديد "تغيير" يأتي من قلب أوروبا، بشكل "ناعم" ومشرعن. ولا يمكن استبعاد "بانون" عن ما يجري في باريس أبدا، من خلال عمله المشترك مع "لوبان". أوروبا اليوم أكثر من أن تكون على صفيح ساخن... هي تشهد "التفتيت" وهذا يعني أن أوروبا ستبقى ضعيفة أمام واشنطن وأمام موسكو وستخضع سياساتها الدولية والإقليمية إلى التوافقات الأمريكية الروسية. وأن الخلافات بين واشنطن وأوروبا سوف تشهد تصعيدا أكثر.
 
عدم التعويل على الموقف الأوروبي، كونه ييقى ضعيفا في القضايا الدولية والإقليمية، وفي ذات الوقت، إن السياسة الأمريكية، في عهد ترامب ستبقى، هكذا لا يمكن الرهان عليها أبدا، فهو يضرب أقرب حليفاته، أوروبا، ولم يتردد في الإعلان عن ذلك .
 



اضف تعليق