الجاز.. موسيقى تعزف على أوتار الحب والحرية


٠٣ أبريل ٢٠١٧ - ٠٥:١٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية: شيرين صبحي

على أوتار الحب والحرية تعزف موسيقى الجاز "jazz" وهي موسيقي روحانية تمثل نداءات للانطلاق والاستقلالية، تميزها مسحة حزن وشجن شفيف.. تنبع من القلب لتصل إلى القلب مباشرة بلا حاجز بين العازف والمستمع لأنها لا تخرج من بين أصابعه بل ناتجة عن إحساسه بالحياة، كما وصفها أحد المؤرخين الموسيقيين.

سحر وجمال "الجاز" وسر التعلق به أمر مازال العالم يبحث عنه، فهي موسيقى الإنسان المعاصر التي تعبر عن آماله وأحلامه، وفي نفس الوقت موسيقى متطورة، كما يقول الموسيقار يحيي خليل أسطورة الجاز المصري، فرغم عمرها الذي يبلغ حوالي مائة عام إلا أنها حققت لنفسها شهرة في أقل من 50 عاما، وهو ما لم تحققه أي موسيقى فولكلورية أخرى في العالم.

"الجاز" موسيقى أفريقية الأصل انتقلت إلى الولايات المتحدة عن طريق العبيد الذين تم استجلابهم للعمل في المزارع في أوائل القرن التاسع عشر، وهناك كانوا يرددون أغانيهم أثناء العمل يعبرون فيها عن أحزانهم وآلامهم واشتياقهم للوطن ونداءاتهم بالحرية والمساواة، لذلك يوجد بها مساحة كبيرة من الحرية.

والجاز طريقة في العزف والتعبير أكثر من كونها موسيقى، ويمكن لأي نوع من الموسيقى أن يقدمها العازف بأسلوب الجاز، وهذا ما فعله خليل مع مجموعة من أغاني أم كلثوم هي "أمل حياتي ، القلب يعشق كل جميل ، ودارت الأيام" التي أخذها ومزجها معا في مجموعة أطلق عليها "ميدلي أم كلثوم" لاقت إقبالا لافتا وجعلت هناك تواصلا بين جمهور عريض لم يكن يسمع سيدة الغناء العربي من الجيل الجديد. كذلك قدم أعمالا مختلفة لعبد الحليم حافظ وفيروز.

هذه الموسيقى التي كان لها الطابع الأفريقي فقط أخذت شكلا عالميا، وظهرت أنواع كثيرة من الجاز تم مزجها مع موسيقى أخرى مثل الجاز الكلاسيكي، الجاز الأفريقي، الجاز اللاتيني، الجاز روك، وفي الفترة الأخيرة أراد يحيي خليل أن يترك بصمة مصرية على هذه الموسيقى فقدم "الجاز الشرقي" الذي يمزج بين الجاز الأصلي والموسيقى الشرقية والتي حققت نجاحا كبيرا في المهرجانات العالمية التي شارك بها.

يحتفل العالم اليوم 30 أبريل/ نيسان باليوم الدولي للجاز، وهو ما أقره لمؤتمر العام لليونسكو 2011 والذي قالت فيه السيدة إيرينا بوكوفا، المديرة العالم لليونسكو، إننا "نحتاج في هذه الأوقات التي يكتنفها التغير والغموض، وأكثر من أي وقت مضى، إلى روح موسيقى الجاز لجمع البشر معاً، ولا سيما الشابات والشبان منهم، وتعزيز الحرية والحوار، ومد جسور الاحترام والتفاهم، بغية الحث على قدر أكبر من التسامح والتعاون".

رباعي القاهرة

استطاع يحيي خليل الذي تمثل موسيقي الجاز حلم حياته وعشقه الأول، أن يمهد لاستيعاب المصريين لهذا الفن الذي كان منتشرا على المستوى العالمي، وقد تجاوب الموسيقيون سريعا حيث كانت هناك مجموعة غير تقليدية تريد شكلا جديدا، وعمل نقلة في الأغنية العربية، منهم بليغ حمدي وكمال الطويل، بينما تحفظ الناس العاديون في البداية بسبب وجود بعض المنحازين للمدرسة للتقليدية.

في عام 1961 كون خليل أول فرقة وأطلق عليها "رباعي القاهرة للجاز"، تضم عزت أبو عوف، ماكس سيبرز، وهو أمريكي أشهر إسلامه وسمى نفسه عثمان كريم، وإيلى نجار وهو لبناني فرنسي. وكانوا يعرضون موسيقاهم في المراكز الثقافية والجامعات، وأحيانا كانوا يستأجرون المسارح على نفقتهم الخاصة.

بعد ذلك قرر بداية مشروع غنائي فالتقى بعبد الرحيم منصور، ومجدي نجيب، وكان محمد منير هو الصوت الأنسب لهذه المرحلة من بين الأسماء التي كانت موجودة في ذلك الوقت وبالفعل حدثت طفرة هائلة في الأغنية المصرية بهذه المجموعة.

تزداد قاعدة جمهور "الجاز" يوما عن يوم، وهم أناس متعلقون بالحياة ومتطلعون إليها، يبحثون عن التأمل والوعي والحب والحرية، وهم يمثلون كل الأعمار والفئات، وحفلاتها دائما كاملة العدد، كما يبين يحيي خليل، الذي لا يعتقد بوجود فرق جاز بمصر ويعتبرها "محاولات" يجب تدعيمها وأن هذه المواهب عليها الاهتمام بنفسها بأن يكون لديها الإصرار والصبر والعشق لهذا الفن، فالأمر ليس مجرد مجموعة تقرر عمل فرقة، بل يحتاج عدم التسرع من أجل تكوين شخصية فنية تجعلهم يتواجدون بشكل جيد، فالتجارب الجيدة تنضج بالوقت والصبر.

مصنع الجاز

بدأ أول مهرجان لموسيقى الجاز في مصر عام 2007 تحت عنوان "مصنع الجاز" نظمته مؤسسة المورد الثقافي برعاية الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2009 تأسست الجمعية المصرية لموسيقى الجاز لنشر الوعي الموسيقي وتنظيم ورش العمل، وهي التي قامت بتنظيم "مهرجان القاهرة الدولي للجاز" والذي يقام في مارس من كل عام.

ما يميز الجاز هو حرية التعبير، فليس هناك أي نوع من الموسيقى به مساحة كبيرة من الارتجال والحرية والإبداع مثل الجاز، ولذلك هي متجددة دائما تتأثر بموسيقات أخرى وتؤثر فيها، كما يوضح عمرو صلاح  صاحب فرقة "افتكاسات" للجاز الشرقي.

يستخدم الجاز أي آلات موسيقية حتى الكمان والقانون وكل الآلات الشرقية، وقد تكونت فرق كثيرة في القاهرة والإسكندرية، وتنتشر هذه الموسيقى في الفنادق، ولها جمهور عريض حيث شهد مهرجان العام الماضي على مدى خمسة أيام حضور أكثر من 10 آلاف مستمع.

والجاز في مصر قديم فهو موجود منذ الثلاثينات، كما يوضح عمرو صلاح، وقد ظهر تأثيره على الموسيقى العربية ويلاحظ هذا في الأفلام القديمة، ويعتبر منير مراد وعلي إسماعيل أكثر من ظهر الجاز في أعمالهم.

ورغم حديث البعض بأن موسيقى الجاز ابتعدت عن أصولها الفطرية وأصبحت اليوم مدونة بالكامل لتفقد بذلك التواصل الروحي بين العازف وحالته المزاجية والجمهور، إلا أن عمرو صلاح يؤكد أنها موسيقى متجددة لم تفقد فطرتها، لكن تغير صوتها نتيجة لتأثيرات كثيرة في المشهد الموسيقي العالمي، فالجاز في عام 1920 حتما كان مختلفا عنه في الألفية الثالثة.

يوجد في مصر ثمان فرق جاز منهم "شرقيات" فتحي سلامة، "افتكاسات"، فرقة يحيي خليل، أحمد ربيع، فريق الدور الأول، مجموعة أكرم الشرقاوي، والذين يعزفون موسيقاهم في دار الأوبرا، ساقية الصاوي، المراكز الثقافية التابعة للسفارات، وغيرها من القنوات الثقافية.

محمد سيف اليزل مدير فرقة "بيراميدز جاز باند" التي قدمت عروضها في حفل الافتتاح، كون فرقته عام 1998 التي قدمت حفلاتها في مهرجان القلعة ودار الأوبرا ومكتبة الإسكندرية.

يحمل محمد الامتنان العميق ليحيي خليل الذي كون جمهور كبير للجاز مما شجع فرق عديدة أن تدخل هذا العالم الرحب حتى أصبح لها جمهورها هي الأخرى تطلبها بالاسم على صفحات "فيسبوك".

فرقة "بيراميدز جاز باند" واجهت العديد من الصعوبات التي تصاحب أي بداية، تتعلق بالأماكن التي ستعرض فيها والدعم المادي الغير متواجد حتى أن صاحبها كان ينفق عليها من ماله الخاص.

تقدم الفرقة الجاز التقليدي القديم "old jazz  " وهي الفرقة المصرية الوحيدة التي تستخدم آلة الكونترباص بعكس الفرق الأخرى التي تستخدم آلة الجيتار بيز. يقول محمد "صوتنا وموسيقانا تقليدية وأغلب أغنياتنا من فترة الأربعينات والخمسينات، ونقدم أنواع متعددة من الجاز من البلوز والسوينج وغيرها".

موسيقى الزنوج الحزينة

للجاز نبض مختلف عن الموسيقى الكلاسيكية من حيث الإيقاع، وهي بمثابة لكنة أو لهجة، كما يوضح د. أحمد أنور أستاذ الصولفيج والإيقاع والارتجال بكلية تربية موسيقية بالزمالك، وقد خرج من الجاز الكثير من أنواع الموسيقى الأخرى بدأت بـ"الراج تايم" ثم "البوجي ووجي" وكل واحدة كانت تحمل أسلوب الزنوج في العزف حتى جاء أسلوب "البلوز" وهي موسيقى موجودة حتى اليوم، ولا تخلو حفلات فرق الجاز في أوروبا من عمل فقرة بلوز وسط البرنامج.

انتشر الجاز وأصبح بمثابة الشجرة المتفرعة التي أخرجت أنواعا متعددة - يضيف د. أنور - وقد استمد وجوده من الموسيقى الريفية حيث كان يعمل الزنوج، ويمكن تعريف الجاز بأنه إحساس أو شعور بانفعالات قوية وحزينة تصاحب حياة الفرد وهو يعمل في الأرض "أغاني العمل work song" لشد عزم بعضهم البعض، وهي تذكرنا بأغاني البنائين لدينا عندما ينشدون "هيلا هيلا.. صل ع النبي".

وكان الزنوج ينشدون "البلوز" عند طقوسهم المختلفة من زواج أو موت، وكلمة "بلوز" مأخوذة من كلمة "بلو" التي تعني اللون الأزرق باللغة الانجليزية، وهذا اللون الغامق يعطي إحساس مؤقت بالانقباض يسبب الحزن والشجن ويحتوي على كآبة في بعض الأحيان، حيث كانوا يفرغون طاقتهم وشحنتهم في هذا الغناء.

ثم ظهرت تركيبة موسيقية مستقلة من الجاز لها شكل معين وملامح واضحة هي "سوينج" التي تعني المتأرجح وهو أسلوب تطور من ممارسة أولية تحمل العديد من الخواص الموسيقية إلى خلطة زنجية أوروبية، ويروي د. أنور أن البيض في أوروبا بدأوا يحبون هذا اللون من الغناء، برغم أن أوروبا كانت قد وصلت إلى قمة كيانها الموسيقي بوجود بيتهوفن وموتسارت وتشايكوفسكي وغيرهم، لكنهم كانوا يذهبون إلى هذه الحفلات ويلونون وجوههم بالأسود ليدخلون وسط الزنوج.

وبينما كان الأوربيون يستخدمون سلم موسيقي من سبع نغمات، استخدم الزنوج سلم من خمس نغمات فقط وسمي السلم الخماسي، ثم بدأت تدخل إلى الجاز آلات النفخ والبيانو الدرامز.. وكان للكنيسة دور كبير جدا في تطور الجاز حيث امتزجت الألحان الأفريقية بالألحان التي تعلموها في الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانيه مع صرخات عذاب العبودية.

وظل الجاز الذي يميزه الجمل اللحنية القصيرة، واللحن الغير متوقع، يتطور إلى اليوم وظهرت إبداعات كثيرة جدا وصمموا لها رقصة معينة بخطوات محددة، فكل إيقاع تقنن له الرقصة خاصة به، أما نحن فليس لدينا هذه الرقصات، كما يوضح د. أنور.

وكان أهم ما يميز "السوينج" هو الارتجالات، حيث يعبر كل عازف بموسيقى مختلفة عن المقطوعة الأساسية، وهو الأمر الذي يشبه الموال لدينا.. وفي عام 1923 دخل الجيتار إلى الجاز  وكان له تأثير كبير بعمل اللحن والإيقاع معا.

بلغ الجاز أوجه في الستينات، وكان وقتها فن راقي تتبناه الطبقة البرجوازية الأمريكية، ويعزف في الأوبرا، حتى ظهر عازف البيانو سيسل تايلور الذي نادى بعودة الجاز إلى أصوله القديمة، ثم انتشر في كل أنحاء العالم مع ظهور التلفزيون وانتشاره.

ومع تنامي الفكر الأيدلوجي زادت سطوة الجاز حيث كانت الأفكار الاشتراكية مع تلك الموسيقى النابعة من الإحساس بالظلم في زمن الرقيق؛ تقود مسيرة مناهضي الرأسمالية في أمريكا حتى أن العديد من عازفي الجاز كتبوا الأغاني عن ماركس وجيفارا وكاسترو، كذلك كانت أغاني الجاز التي هزت أمريكا عندما ناهض العديد من الشباب الحرب الفيتنامية، قد وضعها موسيقيين زنوج رفضوا الانخراط في الجيش الأمريكي.

ويمكن صياغة أي أغنية بأسلوب الجاز، كما يشير د. أنور، ولكن باختلاف إيقاعها سواء من آلة الدرامز أو الجيتار بيز، حيث تتغير لكنة الموسيقى من الشعبي إلي الجاز، وهي تتناسب مع أي ذوق حسب الهوى الشخصي.
 


الكلمات الدلالية موسيقى الجاز الزنوج

اضف تعليق