هل الضربة الثلاثية العسكرية ضد سوريا كافية لتقليص الفجوة بين ضفتي الأطلسي؟


١٦ أبريل ٢٠١٨ - ٠٧:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

استهدفت الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مواقع متعلقة بالبرنامج الكيماوي للنظام السوري وثلاثة مراكز أبحاث، رداً على الهجوم الكيماوي الذي شنته قوات النظام على مدينة دوما بالغوطة الشرقية مطلع شهر أبريل الجاري، وسط مخاوف من أن يكون غاز السارين السام قد استخدم في الهجوم. وقال الجنرال ماكينزي: "سيتسبب هذا بإعادة البرنامج سنوات إلى الوراء، لقد هاجمنا قلب برنامج الأسلحة الكيماوية السوري". الضربات استهدفت “المركز الرئيسي للأبحاث الكيماوية” و”موقعي إنتاج” لـ”البرنامج الكيماوي غير القانوني” التابع للنظام السوري.
 
الموقف الأوروبي من الضربة العسكرية ضد سوريا
 
قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون اليوم 16 ابريل 2018، إنه أقنع نظيره الأمريكي دونالد ترامب ببقاء القوات الأمريكية في سوريا. وكان ترامب قد أعلن، في وقت سابق من الشهر الجاري ابريل 2018، عزمه سحب القوات الأمريكية التي يبلغ قوامها نحو ألفي جندي من سوريا. لكن البيت الأبيض قال -في بيان في وقت لاحق- إن المهمة الأمريكية لم تتغير، وإن ترامب لا يزال يرغب في سحب قواته من سوريا في أقرب وقت ممكن.
 
نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للباحث في معهد هدسون، بنيامين حداد، يقول فيه: إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد ضرب سوريا، سواء مع أمريكا أو دونها. ويشير الكاتب في مقاله، إلى ما قاله ماكرون الصيف الماضي: “عندما تضع خطوطا حمراء ولا تكون قادرا على فرضها، فإنك قد قررت أنك ضعيف”.
 
اما وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون،  فيقول: إنه لا توجد مقترحات بشأن مزيد من الهجمات في الوقت الراهن، لكن ذلك سيتم دراسته، في حال وقوع أية هجمات كيميائية أخرى في سوريا. وقال جونسون، في تصريحات لبي بي سي، إن الهجمات على سوريا استهدفت إرسال رسالة مفادها أن "الكيل قد طفح"، وأضاف أن "الغرض الرئيسي منها هو قول لا لاستخدام الأسلحة الكيمائية الوحشية".
 
لكن زعيم حزب العمال المعارض في بريطانيا، جيريمي كوربن  يعارض ذلك بالقول: إن "المطلوب بالطبع هو نزع السلاح الكيماوي للأسد، ولكنه يرى أنه لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا عبر استخدام نفوذ الغرب في إرساء حل سياسي ينهي الحرب في سوريا ويسمح ببدء مرحلة إعادة البناء للسماح بعودة اللاجئين إلى بلادهم وديارهم وإتاحة الفرصة للمواطنين باختيار مستقبلهم عبر عملية سياسية شفافة".
 
وبعد توجيه الضربة الصاروخية  فجر يوم 14 أبريل 2018 رأت المستشارة الألمانية، أن الضربة على سوريا “كانت ضرورية للحفاظ على فعالية الحظر الدولي لاستخدام الأسلحة الكيماوية”. وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: إن بلاده ستنضم إلى فرنسا من أجل بذل جهود دولية جديدة لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار في سوريا. وأضاف: "سنعمل معا من أجل الخروج بصيغة دولية يمكنها أن تعطي زخما جديدا للعملية السياسية".
 
ودعت الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، لمحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، مطالبة جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة العربية بالتفكير في مستقبل سوريا، وأكدت على ضرورة الحل السياسي للأزمة السورية برعاية أممية.
 
وأفاد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك في أعقاب الضربة، أن الاتحاد الأوروبي يقف إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في الضربة الجوية. وجاء في تغريدة لتوسك نشرها بالعربية على حسابه “سيقف الاتحاد الأوروبي إلى جانب حلفائه مع العدالة”.
 
ومن جهته، طالب جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية الحكومة السورية بالكف عن استخدام الأسلحة الكيماوية وذلك في بيان صدر  يوم 14 أبريل 2018. وقال يونكر: “هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام السوري الأسلحة الكيماوية ضد مدنيين لكن ينبغي أن تكون الأخيرة”.
 
دول الاتحاد الأوروبي اعتمدت خططا جديدة لتأمين الأمن القومي إلى أوروبا، لمواجهة الأزمة السورية وربما تدفق اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا من مناطق شمال أفريقيا والبلقان بالإضافة إلى سوريا والعراق وليبيا. التقارير أضافت بأن قراءة الاستخبارات الاوربية إلى تداعيات الأزمة السورية على أوروبا ممكن أن تضرب بها إلى العشر سنوات القادمة.
 
مهما كانت طبيعة الأزمة السورية، فإنه من الصعب أن يتمخض موقف أوروبي موحد. فرغم موافقة فرنسا وتأييد المفوصية الأوروبية وألمانيا للضربات الجوية ضد سوريا، فتبقى أوروبا منقسمة على نفسها. الخلافات بين ضفتي الأطلسي، تبقى ترمي بظلالها على المشهد السياسي في المنطقة.
 
الخلافات الأوروبية تحديدا ألمانيا مع ترامب، كبيرة جدا، في الوقت الذي يصعد فيه لهجته بأستخدام القوة في سوريا، فإن دول الاتحاد الأوروبي تحديدا، لا تريد الخيار العسكري، وهي تسعى جاهدة لإيجاد حل سياسي في سوريا. الجغرافية، وموقع سوريا وقربها من أوروبا، يدفع الأخيرة أن تنظر إلى أمنها بمنظار يختلف تماما عن ترامب.
 
الضربة الجوية التي نفذتها أميركا وبريطانيا وفرنسا، تضع ألمانيا على وجه الخصوص في موضع حرج، ألمانيا تلك الدولة الفاعلة داخل الاتحاد الأوروبي، لا تريد تأزم العلاقات مع موسكو. العوامل الجيوسياسية بين ألمانيا وروسيا تفرض نفسها، إلى جانب العامل التاريخي والديموغرافي بين البلدين.
 
فما زالت ألمانيا تشعر بالذنب تجاه الغزو الألماني لروسيا، المشاعر المختلطة التي عاشتها المستشارة الألمانية ميركل في ظل ألمانيا الشرقية، هي الأخرى تحتسب في اتخاذ قراراتها.
 
الضربات العسكرية، ممكن اعتبارها، ورقة ضغط على النظام السوري وعلى روسيا وإيران، لإيجاد حل سياسي، كونها جاءت محدودة، يذكر أن مثل هذه الضربات الجوية، لا يمكن أن تغير الأنظمة أو الأوضاع في بلد، دون وجود عمليات على الأرض ومعارضة سياسية فاعلة.
 
الأزمة السورية استنفذت كل الخيارات السياسية والعسكرية، ربما لأنها جائت بنصف الحلول، حتى الموقف الأوروبي ذاته جاء بنفس السياق.
 
تبقى دول أوروبا خاصة دول الاتحاد الأوروبي، وحتى فرنسا، رافضة لمواقف ترامب، كون الموضوع لا يتعلق بأتخاذ القرارات، بقدر ما تنظر أوروبا لترامب، بأنه يمثل تهديدا، إلى وحدة هذا الاتحاد.



اضف تعليق