جدل وخلافات حول تفسير الأسباب .. حكومة "روحاني" أمام عاصفة انهيار العملة


١٦ أبريل ٢٠١٨ - ١٠:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

سجلت العملة الإيرانية تراجعا أمام الدولار في أقل من عام، مستقرة عند حافة الخمسة آلاف تومان، إذ ارتفع الدولار 400 تومان ليصل إلى 4985 في يوم 13 فبراير/ شباط 2018، والذي تزامن مع إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني لولاية ثانية.

وذكرت الوكالة الإيرانية الرسمية من جهتها، أن سبب التراجع يعود إلى نقص المعروض ورفع سعر العملة في مكاتب الصرافة، فيما يرى الخبراء والمختصون أن الأسباب الاقتصادية والسياسة لهذا الانخفاض هي:-

• الاحتجاجات التي شهدتها إيران في أواخر كانون الأول/ ديسمبر2017، بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة، التي بدأت بعناوين اقتصادية اجتماعية، ورفعت شعارات مناهضة للمؤسسة الحاكمة، وللتظاهرات محفزاتها السياسية الداخلية المرتبطة بالصراع الإصلاحي-الأصولي، فإن خروجها عن السيطرة وتحولها لمساحة للاعتراض على النظام حولها إلى مواجهة بين المحتجين والسلطات، مما أدى إلى انعدام الأمن وانخفاض الثقة بالسوق الإيرانية.

• تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي خلق مخاوف لدى الشارع الإيراني، مما أثر على صياغة المشهد الاقتصادي الإيراني، ودخول الإيرانيين مرحلة التشكيك، إذ تمثل أول مظاهر القلق العامة في الطلب المتزايد على الدولار وسحب الودائع خوفا من انهيار العملة، الأمر الذي أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية لم تستطع الإيفاء بطلبات المودعين.


ويرى خبراء ومختصون أن هذه الأزمة مرتبطة حصراً بتداعيات العقوبات الاقتصادية التي ما زالت قائمة على إيران وبعدم تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إيران.

وأدى حصر مسببات ما حدث بالعقوبات الاقتصادية وحدها إلى إظهار صورة غير كاملة عن أزمة إيران المركبة، وعن المشهدين الاقتصادي والسياسي الإيرانيين، بحيث تعجز الاستنتاجات التحليلية عن الوصول إلى نتائج واضحة للانهيار.

ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، فلابد أن يكون للأزمة تداعيات تتجاوز مجرد أسعار الصرف وانهيارها، وتتخطى السياسات المالية الإيرانية التي أسهمت في ظهور الأزمة.

والجزء الظاهر من الأزمة اقتصادي بامتياز، حيث تعكس أزمة انهيار سعر الصرف تردياً واضحاً في حالة الاقتصاد الإيراني؛ لأن الانهيار المتتالي لسعر الصرف ينعكس بشكل كبير على أسعار الأصول العقارية ومستويات معيشة الإيرانيين، خصوصا المتقاعدين وذوي الدخل الثابت.

ووصفت صحيفة "آرمان" ما يحدث في السوق الإيرانية بأنه محاولة "انقلابية" ضد الحكومة عبر العملة، و"إذا لم يكن تأثير العملة في حياة الناس مباشرا ، فإن الأثر النفسي بالإمكان أن يكون صعبا على المجتمع، لأن تذبذبات سوق العملة والذهب تتسبب في تدهور الهدوء النفسي للمواطنين".

ووجهت الصحيفة الاتهام إلى المهزومين في عالم السياسة وجماعات اقتصادية تعمل في الخفاء بمواجهة الحكومة عن طريق الاقتصاد (سوق العملة والذهب) حتى تتحول إلى سلاح سياسي ضد الحكومة.

وأكد خبراء الاقتصاد والسياسة، أن زيادة الطلب على شراء الدولار رغم ارتفاع قيمته يرجع إلى عدم الثقة بالنظام الإيراني، بسبب سياسته التوسعية والعدائية بالمنطقة، والتي أدت إلى تعرض بلادهم لعقوبات دولية، إضافة إلى هروب رؤوس الأموال الأجنبية من إيران، وارتفاع مؤشر التضخم الذي أسهم في غلاء أسعار السلع الأساسية والبضائع بشكل كبير.

وانتقد المحلل الاقتصادي الإيراني فريدون خاوند ، قرار تحديد سعر الصرف الأجنبي ببلاده، معتبرًا أن البنك المركزي لن يستطيع السيطرة كثيرًا على سعر العملة الخضراء، لافتا إلى أن هناك عدة عوامل تتحكم في سوق العملات الأجنبية في إيران ومن بينها التضخم، والتجارة الخارجية، خاصة في ظل تقلبات أسواق النفط العالمية.

وفي السياق ذاته شددت الحكومة الإيرانية من قبضتها لوقف نزيف عملتها المحلية مقابل الدولار، والتي هبطت إلى مستويات قياسية، إذ وضع البنك المركزي الإيراني، حدا أقصى لحيازة الإيرانيين للنقد الأجنبي خارج البنوك عند 10 آلاف يورو.

وأعلنت وكالة تسنيم للأنباء، أن البنك المركزي أعطى موعدا للمستهلكين حتى آخر شهر أبريل الحالي لبيع أي كمية فائضة أو إيداعها في البنوك.

ونشر الموقع الرسمي للبنك المركزي الإيراني أسعارا للصرف جديدة ورسمية للجنيه الاسترليني عند 59330 ريالا، واليورو عند 51709 ريالات.

ووصف النائب الأول للرئيس الإيراني اسحاق جهانجیري الأزمة بأنها محاولات عدوانية ضد إيران من المناوئين خاصة أمريكا بعد الاتفاق النووي، مؤكدا أن ترمب يحاول ضعضعة الأوضاع الاقتصادية بغية الحيلولة دون الاستثمار في إيران.

وأشار جهانجیري إلى الاتفاقات الإيرانية مع الدول الأخرى لاستقطاب الاستثمارات الأجنبة للبلاد والتي تبلغ أكثر من 30 مليار دولار بصبغة التمويل ‘فاینانس’ن وأضاف، إن حجما واسعا من الاستثمارات الأجنبية یتحرك الآن نحو البلاد، وفي مثل هذه الظروف فإن مثل هذه التغييرات في سعر العملة الصعبة یبدو أمرًا غير طبيعي تماما، وأن هنالك عوامل غیر اقتصادية، وغیر مبررة وغیر متوقعة، مؤثرة في هذا المجال، وفي مثل هذه الظروف لا یمكننا أن نسمح بحدوث اضطراب في أجواء البلاد الاقتصادیة.

وأكد جهانجيري أن السعر الذي تم تحديده في الاجتماع لسعر الدولار وهو 4200 تومان، سيكون هو المعتمد في المعاملات، ولا تعترف الحكومة بأي سعر آخر وستحاسب من يتعامل بسعر أعلى منه حيث إن الجهات الأمنية والقضائية مكلفة بالتصدي لذلك.

وكانت إيران قد وحدت بين سعر الصرف الرسمي لعملتها وسعرها في السوق المفتوحة قبل أيام ، وأعلنت أن سعر الدولار سيكون 42 ألف ريال في جميع الأسواق ولكل أنشطة الأعمال.

أما توقعات المراقبين للسوق الإيرانية أن يشهد اقتصاد طهران انهيارا وتحديدا في القطاع المصرفي، خلال الفترة المقبلة، معتبرين أن أزمة العملات الأجنبية ترجح تعرض النظام الإيراني لسيناريو أزمة فنزويلا الحادة، التي تعاني أزمة اقتصادية متفاقمة، أو إعلان إفلاس مؤسسات مالية رسمية بالبلاد…

تسببت سياسة الحكومة الإيرانية بفرض العقوبات الاقتصادية والوصول إلى هذا انخفاض سعر العملة الايرانية الحاد، وبالأخص عملية حجب إيران عن المشاركة في عملية التبادل المصرفي الدولية (سويفت)، الأمر الذي جعل مبادلاتها الدولية صعبة للغاية، وكانت بالتالي أهم عقوبة مالية يمكن توجيهها إلى إيران. ويعاني كل من زار طهران في السنوات الأخيرة صعوبة استخدام بطاقات الدفع الإلكترونية في الفنادق والمحال الإيرانية لشراء السلع والبضائع، مما يضطر السائح إلى حمل أوراق نقدية بكميات كبيرة في سفره وترحاله بإيران.

ومع وضوح تأثيرات العقوبات الاقتصادية، إلا أن انهيار أسعار الصرف لا يمكن تبريره حصراً بأن هذه العقوبات تؤتي فعلها فحسب، بل يجب وضع سياسات الرئيس الإيراني حسن روحاني أيضاً أمام مسؤولياتها.

واسهمت السياسات ذات المنحى النيوليبرالي لحكومة حسن روحاني في الوصول إلى هذه النتيجة أيضاً، والتصادم بين سياسات الانحياز للمستضعفين كشعار سياسي وسياسات الانحياز ضدهم كممارسة اقتصادية.
لذلك يستقطب الرئيس الإيراني الاهتمام الآن بتعرضه لضغوط شديدة جراء مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية الراهنة، ومن البديهي أن تحاول أجنحة الحكم في إيران جعله يدفع ثمن الأزمة الاقتصادية مما تبقى له من رصيد سياسي بغرض الحيلولة دون امتداد الأزمة إلى كامل النظام.

ونظراً إلى سوابق إيران التاريخية، فمن المرجح أن يعاد الاصطفاف مرة أخرى داخل النظام على قاعدة تثبيت تركيبة أخرى تستطيع حل الأزمة الاقتصادية عبر نفوذها مع أطراف فاعلة في المعادلة الاقتصادية الإيرانية، وهو ما يتطلب وقتاً وهدوء نسبياً غير متوافر بسبب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضغوطاته.

وستستمر الاخفاقات الاقتصادية تؤتي فعلها في الداخل الإيراني لفترة منظورة، مما يضغط حكماً على صانع القرار الإيراني في الملفات السياسية والإقليمية. ومع ذلك لا تبدو الضغوط الاقتصادية والإقليمية مؤدية تلقائياً إلى تسليم إيراني بالملفات الإقليمية، إذ إن بنك إيران المركزي ما انفك محتكماً على حوالي سبعين مليار دولار احتياطيات تعصمه من الانهيار في المدى القصير، ولا تزال في جعبة إيران ما لا يستهان به من الأوراق. الكرة ما زالت في الملعب والنتيجة النهائية لم تعلن بعد.

والأزمة انعكست على الشارع الإيراني، إذ إن الانخفاض الحاد بقيمة التومان استدعى تدخل قوى الأمن وشن حملات مداهمة في سوق الصرافة وسط طهران، واعتقال عشرات المتهمين بالتلاعب بسوق النقد.

ولجأت الحكومة الإيرانية إلى زيادة سعر الضرائب على المسافرين خارج الجمهورية, فبعد أن كانت ضريبة السفر 70 تومانا تدفع عند الخروج من إيران لأول مرة أصبحت 220 تومان, والمسافر للمرة الثانية يدفع 320 تومان, والثالثة وصعوداً 440 تومانا، ووصل التومان الإيراني لـ490 في سوق العملات المتداول و420 في البنوك.

ويرى مراقبون أن الأمل الوحيد للاقتصاد الإيراني في تجاوز هذه الأزمة هو في استمرار الاستقرار النسبي لأسعار النفط، إلا أن احتمال استمرار الاضطرابات الاجتماعية وتكثيف العقوبات يمكن أن يلغي بسهولة الفوائد الاقتصادية لأسعار النفط المستقرة.

المصدر: مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية



اضف تعليق