العفو الدولية: إيران تدمّر مقابر جماعية لسجناء سياسيين أُعدِموا عام 1988


٠١ مايو ٢٠١٨ - ١١:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

كشفت منظمة العفو الدولية عن أدلة جديدة، تشتمل على صور بالأقمار الصناعية وأخرى فوتوغرافية وتسجيلات مصورة، تظهر محاولات النظام الإيراني طمس معالم مقبرة جماعية مرتبطة بمذبحة وقعت عام 1988.

وتتعلق الأدلة التي كشفت عنها "أمنستي"، بتعمد تدمير مواقع مقابر جماعية مرتبطة باختفاء آلاف السجناء لأسباب سياسية، وإعدامهم خارج نطاق القانون.

وقال تقرير أمنستي إن السلطات الإيرانية تحاول التستر الجنائي على المذبحة من خلال تجريف المكان، وبناء المباني والطرق وإلقاء القمامة أو بناء مدافن جديدة على أنقاض المقابر الجماعية.

واعتبرت المنظمة هذه التكتيكات بمثابة تدمير للأدلة الرئيسية التي يمكن استخدامها لإثبات الحقيقة بشأن حجم الجرائم التي ارتكبتها السلطات الإيرانية، وعرقلة حصول عائلات الضحايا على التعويضات.

وقد تعرضت هذه المواقع لمراقبة مستمرة من الأجهزة الأمنية، مما يوحي بأن الهيئات القضائية والاستخباراتية تشارك في عمليات صنع القرار المتعلقة بتدنيسها وتدميرها.

وقال شادي صدر، المدير التنفيذي لمنظمة "العدالة من أجل إيران"، "إن هذه مواقع جرائم، ويجب حمايتها إلى أن يتم إجراء تحقيقات جنائية صحيحة ومستقلة لتحديد رفات للضحايا".

وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، تحاول السلطات الإيرانية باستمرار إخفاء أي دليل على وجود ضحايا في هذه المجزرة، التي ترقى إلى جريمة الاختفاء القسري، وهي جريمة بموجب القانون الدولي.

وقد مُنعت العائلات من التجمع في مكان المقابر لإحياء ذكرى رحيل أبنائهم، أو تزيين مواقع المقابر الجماعية بالزهور، وهو جزء مهم من طقوس الدفن في إيران. كما أن بعضهم واجه المحاكمة والسجن بسبب السعي وراء الحقيقة.

وتقدر منظمة "العدالة من أجل إيران" أن يكون هناك أكثر من 120 موقعا في أماكن متفرقة من إيران تحتوي على بقايا ضحايا مذبحة عام 1988.

ويحدد التقرير 7 مواقع لمقابر جماعية مشتبه بها أو مؤكدة تعرضت للتدمير بين عامي 2003 و2017 على أيدي السلطات الإيرانية.

مطلع الرواية

القصة الدموية انطلقت إرهاصاتها الأولى مطلع 1988م واستمرت قرابة خمسة أشهر لاحقة تم خلالها إعدام الآلاف من السجناء السياسيين في جميع أنحاء إيران. وأدّت الإعدامات العشوائية إلى اندلاع أعمال عنف سجّلها التاريخ الإيراني، وحرصت حينها السلطات على أن تتم عمليات الإعدام بتكتم وسرية تامة، وأن تنكر ذلك الحدث، ولكن لاتساع نطاق العملية وبشاعتها تمكّن الناجون ممن بقوا على قيد الحياة أن يدلوا بكلمتهم حول هذه الواقعة، التي على الرغم من وجود تبرير للسلطات الحاكمة لها بانتماء السجناء لحركة "مجاهدي خلق" اليسارية التي قامت بالهجوم على حدود إيران الغربية، إلا أن هذه التفسيرات غير مقبولة؛ لكون عمليات الهجوم قد وقعت بعد بدء عمليات الإعدام، بينما لا يوجد تفسير قد يظهر بشكل مقبول لإعدام السجناء السياسيين التابعين للأحزاب اليسارية الأخرى التي تعارض انتهاكات منظمة "مجاهدي خلق".

فتوى "الخميني"

وقبل تنفيذ عمليات الإعدام بفترة قصيرة أصدر "الخميني" المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية فتوى سرية لإعطاء الشرعية على عمليات الاعدام في رسالة جاء فيها أن أعضاء "مجاهدي خلق" يحاربون الله، واليساريون مرتدون عن الإسلام.

وقال في نص فتواه: "إن أعضاء منظمة مجاهدي خلق لا يعتقدون بالإسلام وإنما يتظاهرون به، وبالتالي نظراً لشنّ منظمتهم الحرب العسكرية على الحدود الشمالية والغربية والجنوبية لإيران، ولتعاونهم مع صدام في الحرب، والتجسس ضد إيران، ولصلتهم مع القوى الغربية للمطالبة بالاستقلال. فإن جميع أعضاء منظمة مجاهدي خلق الذين ما زالوا يدعمون خلق ومواقفها فهم مشمولون باعتبارهم مقاتلين أعداء، ونحتاج إلى تنفيذ أحكام الإعدام بشأنهم".

أبيدوهم بسرعة

وكان نظام الملالي يحرص بشدة على القضاء عليهم بأي طريقة كانت حتى إن المرشد الأعلى "الخميني" أجاب عن استفسار قدّمه عبدالكريم موسوي أردبيلي رئيس السلطة القضائية آنذاك عقب إصدار هذه الفتوى عن بعض مما ورد في الحكم، وذلك عبر "أحمد" نجل "الخميني"، وهو هل هذا الحكم يشمل الذين كانوا في السجون وسبق أن تمّت محاكمتهم وحكم عليهم بالإعدام دون أن تتغير مواقفهم، ولم يتم تنفيذ الحكم عليهم بعد؟ أم يشمل حتى الذين لم يحاكموا بعد أو حكم عليهم بالسجن لمدد قصيرة؟ وكان ردّ "الخميني" مروّعاً: "باسمه تعالى، في جميع الحالات المذكورة أعلاه وبصرف النظر عن الملف فأي شخص كان يصر على تعاطفه مع المنافقين (مجاهدي خلق) يُحكم عليه بالإعدام.. ‌أبيدوا أعداء الإسلام بسرعة، وبخصوص مثل هذه القضايا عليكم أن تعتمدوا أسلوب تنفييذ الحكم في أسرع وقت. التوقيع: روح الله الموسوي الخميني".

فرق الموت

وفور صدور الفتوى الدموية بدأت التجهيزات في طهران بإشراف لجنة مكونة من 16 عضواً يمثلون مختلف سلطات الحكومة، كان من ضمنهم "الخميني" بنفسه والرئيس آنذاك علي خامنئي (المرشد حالياً) وآخرين، وتحركت اللجنة ذهاباً وإياباً بين سجني إيفين وجوهر دشت بالطائرة المروحية، وقد كانت هنالك لجان مماثلة للأقاليم الأخرى في غير العاصمة، ولكن لم يُعرف عنها إلا القليل.

ولوضع صبغة قانونية هشة أجريت مقابلات مع السجناء للإجابة عن قائمة من الأسئلة ليعرفوا هل هم محاربون أم مرتدون، وتكون النتيجة باقتناع وارتياح تلك اللجان. والكثير من السجناء لم يكونوا يدركون الغرض الحقيقي من هذه الأسئلة حين أجابوا عنها، ولاحقاً حذّر السجناء بعضهم بعضاً على الطريقة التي يمكن أن نطلق عليها "قالت لي الطيور"، وذلك بعد أن تسربت لهم معلومات لا تُعرف هل هي حقيقة أم شائعات.

عزل السجون

وأفادت بعض التقارير أن الخطوات التمهيدية للمجزرة تم التخطيط لها قبل عدة أشهر من بدء تنفيذ عمليات الإعدام، فأحد التقارير يقول: إن المسؤولين عن السجون قد قاموا بخطوة الاستجواب في نهاية 1987م وفي بداية 1988م تمّت إعادة الاستجواب، وتفريق جميع السجناء السياسيين حسب انتماءاتهم الحزبية ومدة عقوبتهم.

وبدأ التنفيذ الفعلي لعمليات الإعدام في الساعات الأولى من 19/ 7/ 1988م مع عزل السجناء عن العالم الخارجي، فقد أغلقت أبواب السجون وألغيت الزيارات والاتصالات الهاتفية وتلقي الرسائل والطرود البريدية وحتى الأدوية الحيوية إلى غير ذلك من الأمور.

وفي المقابل تم أيضاً منع أقارب السجناء من التجمهر في الخارج عند بوابات السجون، وأغلقت زنزانات السجون، وتم إفراغها من أجهزة الراديو والتلفاز، وأغلقت الأماكن التي لها علاقة بالسجناء كصالات المحاضرات وورش العمل وعيادات العلاج؛ ليقتصر وجود السجناء على زنازينهم فقط، وطلب من الحراس وموظفي السجن عدم التحدث مع السجناء.

الاستجوابات السريعة

كانت حينها فرق الموت المشكّلة من أشرس عناصر النظام إجراماً وأكثرها ولاء، وكانت تزاول عملها في تلك الأيام السوداء؛ لتنفيذ المخطط الذي كانوا ينتظرون تنفيذه منذ عدة أشهر؛ لارتكاب المجزرة التي كان "الخميني" شخصياً يصدر أوامره التحريرية ويشرف عليها يومياً.

في السجن بدأت الاستجوابات السريعة، وكان السجناء من "مجاهدي خلق" الذين تم تقديمهم أولاً، وضمّت حتى من أظهروا التوبة وتخليهم عن مصادقة من كانوا معهم في المجموعة.

استهلّت اللجنة محضر الجلسات معهم بوعد زائف بالأمان وإخبارهم بأنها ليست المحاكمة، بل إنها عملية لفصل المسلمين عن غير المسلمين وإصدار عفو عام.

في البداية سُئل السجناء من "مجاهدي خلق" عن نوعية انتماءاتهم العضوية للمنظمة، فإذا أجابوهم بأنهم محاربون فإن الأسئلة تتوقف عند هذا السؤال. وإذا أجابوا بغير ذلك فإن اللجنة تواصل عليهم طرح بعض الأسئلة غير المنطقية، وبالتأكيد أخفق جميع السجناء في الإجابة الإيجابية عن كل هذه الأسئلة، فأخذوا إلى غرفة أخرى، وطُلب منهم أن يكتبوا وصاياهم الأخيرة، ويسلموا ممتلكاتهم الخاصة كالخواتم والساعات والنظارات، ليُأخذوا بعدها معصوبي الأعين ويُقتادوا إلى المشنقة التي أُعدموا عليها على ست دفعات.

 فرق الإعدام

ونظراً لأن الشنق لا يعني الموت بكسر الرقبة، وإنما الخنق فبعض العمليات تستغرق ربع ساعة للموت، مما أدى بعد عدة أيام إلى إجهاد الجلادين، وطلبهم تشكيل فرق منظمة لإطلاق النار، ولكن الطلب واجهه الرفض من الحكومة بزعم أن الشريعة لا تشرّع هذا العمل بشأنهم، وينبغي إعدامهم شنقاً، إلا أنه يتضح جلياً أن السبب الرئيسي لإعدام السجناء شنقاً كان لأن الشنق هو الأهدأ والأكثر حفاظاً على سرية العملية من إطلاق النار. في البداية كانت السرية فعالة، إلا أن أحد الناجين كشف عن العملية في الوقت الذي كانت تجري فيه قُبيل الاحتفالات بذكرى انتصار الثورة.

اقتياد النساء

لم تُعطَ النساء من مجاهدي خلق أي مميزات، بل تم التعامل معهن مثل الرجال، وتقريباً أرسلن جميعهن للشنق على أساس أنهن أعداء الله، أما من صنفوهن مرتدات غير محاربات فالعقوبة كانت أخف من الرجال باعتبارهن غير مسؤولات بشكل كامل عن أعمالهن، فتُرك تصنيف العقوبة على تقدير اللجنة، مع ممارسة الجلد بالسوط عليهن طوال فترة بقائهن في السجن، حتى إن بعض السجينات لفظت أنفاسها الأخيرة جراء ذلك الجلد.

منع العزاء

ووفقاً للمحامية الإيرانية لحقوق الإنسان شرين عبادي، قيل لعائلات السجناء المعدومين: عليكم ألا تطالبوا بتسلم الجثة، وألا تقيموا الحداد بأي طريقة على روح فقيدكم، فإذا التزمتم بهذا لمدة سنة فسوف نكشف لكم عن مكان قبر فقيدكم.

وبرروا ذلك بأن أسماء سجنائهم عليها ملاحظات؛ لتعلقهم بأعضاء من "مجاهدي خلق" شنّوا هجوماً في مرساد، لذا فإن السلطات تحتاج إلى الجثث؛ لأن الملاحظات هي تورط مؤيدين لمنظمة "مجاهدي خلق" في داخل السجن بالمساعدة في ذلك الهجوم.

وأضافت شرين عبادي: لو تركنا جانباً أن حصول هذا بعيد عن الاحتمال، فليس هناك تفسير لعدم تلقي السجناء محاكمات؛ لمساعدتهم العدو، وهم في داخل السجن كما تزعم الحكومة.

ثلاث رسائل

الكارثة الدموية التي كشفها بعض الهاربين أدّت لردة فعل عنيفة داخل إيران، وكانت إحداها استقالة حسين علي المنتظري وليّ العهد ونائب المرشد الأعلى، والذي حين سمع عن الإعدامات أصدر ثلاث رسائل عامة، أرسل اثنين منها إلى "الخميني"، وواحدة إلى اللجنة الخاصة، استنكر وشجب فيها الإعدامات، وحمّل اللجنة الخاصة مسؤولية انتهاك حرمة الإسلام بإعدامهم التائبين والمذنبين القاصرين أيضاً.

صمت المنظمات

على الجانب الدولي، لم تظهر الأصوات الغربية بشكل واضح، في ظل الصمت المطبق داخل إيران. وقال "شاهروز" من منظمة "كوزار" الحقوقية: من المحيّر أن منظمة العفو الدولية لم تكتب تقارير كاملة عن هذه الجريمة الواسعة النطاق، في حين وصفت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الإعدامات بالمتعمدة والمنظمة خارج نطاق القضاء، وأدانتها باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، واتهمت وزير الداخلية الإيراني آنذاك مصطفى محمدي بالتورط المباشر في عمليات القتل.



اضف تعليق