ستراتفور: من سيحسم رهان الانتخابات التركية؟


١٣ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

يقترب الناخبون الأتراك من انتخاب أقوى زعيم في تاريخ بلدهم الحديث. وسوف يتوجهون إلى صناديق الاقتراع يوم 24 يونيو/حزيران، أي قبل عام ونصف العام تقريبا من الموعد المقرر، لانتخاب رئيس لأول مرة منذ اجتياز مجموعة من التعديلات الدستورية العام الماضي لتوسيع سلطات الرئاسة، وفي الوقت نفسه، سيدلون بأصواتهم لاختيار أعضاء برلمان جديد موسع.

وبالنسبة إلى الرئيس الحالي "رجب طيب أردوغان"، الذي قام، إلى جانب حزب العدالة والتنمية الحاكم، بهندسة المراجعات الدستورية، فإن مخاطر التصويت القادم ستكون عالية.

وإذا فاز، فسوف يحصل على سلطة غير مقيدة فعليا، في نظام الرئاسة التنفيذية الجديد، والذي قد يحكم من خلاله طوال العقد القادم.

ومن ناحية أخرى، إذا أدت المشاكل الاقتصادية التركية، والمجال المتنوع لمرشحي المعارضة في السباق، إلى تحويل ما يكفي من الناخبين بعيدا عن "أردوغان"، فقد ينتهي الأمر بأحد معارضيه في مقعد الرئاسة، متمتعا بالسلطة التي كان يستعد هو لامتلاكها، وفي كلتا الحالتين، سوف تواجه البلاد نفس المشاكل والضرورات.

وتعتبر تركيا قوة عسكرية واقتصادية كبيرة في موقع استراتيجي، ولا يملك رئيس البلاد السلطة على المسار الجيوسياسي في تركيا فحسب، بل في الشرق الأوسط أيضا، حيث تعمل تركيا على زيادة نفوذها في الأعوام الأخيرة.

وبعد الانتخابات الوطنية القادمة في 24 يونيو/حزيران، سيكون للزعيم التركي أيضا سلطة غير مسبوقة بتمتعه بالصلاحيات التي تم التصويت عليه العام الماضي في استفتاء دستوري.

ويعد الرئيس الحالي "رجب طيب أردوغان" وحزبه "العدالة والتنمية"، في وضع جيد للفوز بالتصويت، لكن بعد مرور 15 عاما منذ توليهم السلطة لأول مرة، قد تكون شعبيتهم قد ضعفت في تركيا، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا أمام المعارضة لتحقيق مكاسب في البرلمان، إن لم يكن الاستيلاء على الرئاسة نفسها.

أصداء الأزمة المالية

وكان حزب العدالة والتنمية، ذو الجذور الإسلامية، قد اجتاح الانتخابات البرلمانية لأول مرة عام 2002، ما أدى إلى إزاحة العديد من الأحزاب التاريخية.

وكان الحزب مدينا بفوزه الكبير لعاملين: فمن ناحية، أدت أعوام من الأزمة الاقتصادية إلى تقويض شرعية الائتلاف الحاكم في البلاد في نظر العديد من الناخبين.

ومن ناحية أخرى، يتطلب القانون الانتخابي التركي من الأحزاب الحصول على 10% على الأقل من الأصوات ليتم تضمينهم في البرلمان، وتخسر الأحزاب التي لا ترقى إلى هذا الحد الأدنى الأصوات التي تتلقاها، وتوزع على الأحزاب الفائزة بالتناسب.

ولقد مكن قانون الـ 10% حزب العدالة والتنمية من الحصول على أغلبية مريحة في البرلمان عام 2002، وفي كل انتخابات برلمانية لاحقة، دون أن يكون له أي تفويض شعبي كبير.

وبعد انتخابات 2002، برع حزب العدالة والتنمية و"أردوغان" في الاستفادة من مصائب الآخرين وأخطائهم السياسية، وخلق تحالفات سياسية بدافع الضرورة، ثم تخلص منها لاحقا.

وفي عام 2014، على سبيل المثال، كسر حزب العدالة والتنمية تحالفه مع جماعة "كولن" الإسلامية، وهي شراكة أثبتت أنها حاسمة لنجاحاته في أوائل عام 2000، وألقى باللوم عليها فيما بعد في محاولة الانقلاب عام 2016.

ثم تحول الحزب الحاكم إلى حزب الحركة القومية للمساعدة في دفع حزمة الإصلاح الدستوري عام 2017، ونتيجة لهذا التحالف، يلقى حزب العدالة والتنمية الآن المزيد من الدعم أكثر من أي وقت مضى.

لكن ليس الجميع يؤيدون "حزب العدالة والتنمية". فعلى سبيل المثال، توترت الأجواء إلى حد كبير بين الأكراد، الذين يشكلون نحو 20% من سكان تركيا، مع الحزب الحاكم، مع اكتساب الحركة الانفصالية الكردية في المنطقة المزيد من القوة.

ولقد كان حزب العدالة والتنمية يعتمد تاريخيا على الفوز بنسبة 4 إلى 5% من الأصوات من الأكراد لدفعه إلى الحافة نحو النصر، لكن ربما يخسر الحزب بعض هذا الدعم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الناخبين في جميع أنحاء البلاد ذات الديموغرافيات المختلفة يشعرون بخيبة أمل من التدهور الاقتصادي الأخير لتركيا.

وقد انخفضت قيمة الليرة التركية لتصل إلى مستويات قياسية مقابل الدولار واليورو، والتضخم مرتفع، وقد جعلت جهود الرئيس للتأثير على السياسة النقدية المستثمرين الدوليين حذرين.

وعلى الرغم من أنهم صوتوا لحزب العدالة والتنمية لأول مرة في السلطة لإخراج البلاد من الاضطرابات الاقتصادية، لكن الناخبين الأتراك قد لا يكونون مستعدين لمنح الحزب الحاكم فرصة أخرى لإصلاح الاقتصاد.

معارضة موحدة

والأكثر من ذلك هو أن المعارضة المنقسمة عادة في تركيا قد تجمعت قبل الانتخابات القادمة، وقد تمنع حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى السلطة مرة أخرى عبر انتصار ضيق.

وقد اجتمع ثلاثة من أحزاب المعارضة الرئيسية في تركيا، وهم حزب الشعب الجمهوري، وحزب "الخير"، وحزب "السعادة" الإسلامي، في تحالف قائم على أكثر من مجرد مسعى مشترك للإطاحة بـ"أردوغان".

وتختلف أيديولوجيات هذه الأحزاب عن بعضها البعض، بما يتيح لها فرصة تحقيق ذلك الهدف.

ويقدم حزب الخير، الذي أسسه المنشقون عن حزب الحركة القومية، بديلا صالحا للناخبين القوميين المستائين من ارتباط حزب الحركة القومية بحزب "أردوغان".

وفي هذه الأثناء، سيحصل الحزب السياسي الأقدم في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري، على الدعم من قاعدته التقليدية من الناخبين الحضريين والليبراليين في المناطق الحضرية، وهم معارضون طبيعيون للرئيس.

وأخيرا، حزب "السعادة"، على الرغم من صغره، فهو يمثل نفس الفكر الإسلامي الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، وهو ما يعطي الناخبين المتدينين الذين يعارضون "أردوغان" بديلا جذابا.

وإلى جانب قواعد الناخبين المختلفة، ستلجأ الأحزاب الثلاثة إلى الأصوات الكردية أيضا، على أمل حرمان "أردوغان" من الأغلبية البسيطة التي يحتاجها للفوز بالانتخابات من الجولة الأولى.

وتعد الرئاسة هي الجائزة الرئيسية في السباق، لكنها ليست الوحيدة على المحك في انتخابات 24 يونيو/حزيران، فالبرلمان مهم أيضا.

وإذا حصل "أردوغان" على الرئاسة التنفيذية، فسوف تكون الهيئة التشريعية هي المراقب الوحيد المتواضع على سلطته، رغم أنها ستفتقر إلى السلطة لتجاوز القرارات الرئاسية.

ولن يحصل أي من الأحزاب الثلاثة في ائتلاف المعارضة على الأغلبية، لكنهم معا قد يتحدون ضد حزب العدالة والتنمية في البرلمان.

ومع وجود ما يكفي من الأصوات، يمكن للمعارضة حتى محاولة تجميع أغلبية الثلثين المطلوبة لإلغاء التعديلات الدستورية لعام 2017، وهي نتيجة غير مرجحة.

فوائد الوجود في السلطة

وإذا حققت المعارضة هدفها في السباق الرئاسي، فسوف يعود الأتراك إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في جولة ثانية من التصويت في الثامن من يوليو/تموز.

ولا يعد تصويت الإعادة هو السيناريو المثالي لـ"أردوغان"، لكنه لن يضمن فوزا للمعارضة.

وقد بنى المرشحون الثلاثة الرئيسيون في المعارضة، وهم "ميرال أكشنار" عن حزب الخير، و"تمل قرة ملا أوغلو" عن حزب السعادة، و"محرم إنجه" عن حزب الشعب الجمهوري، برامجهم حول الوعود بإعادة تأهيل الاقتصاد، والتراجع عن الرئاسة التنفيذية المتسلطة من وجهة نظرهم، واستعادة الحقوق التي تراجعت خلال السلطة الحالية.

ومع ذلك، فهناك عامل آخر يثقل كاهل "أردوغان"، وهو الشعور بعدم اليقين وانعدام الأمن في تركيا، ولقد وضع "أردوغان" نفسه منذ فترة طويلة كرمز شعبوي مؤهل بشكل فريد لحل مشاكل تركيا العديدة، وسوف يستغل مخاوف الناخبين لصالحه في استطلاعات الرأي.

وسوف يستخدم أيضا الأدوات الأخرى في جعبته وجعبة حزبه لتحسين فرصه في الفوز، فقد قضى حزب العدالة والتنمية أعواما في السلطة يرسخ نفسه في وسائل الإعلام والقضاء والجيش في البلاد.

وعلاوة على ذلك، أعطى الانقلاب "أردوغان" وحزبه ذريعة لتطهير البلاد من خصومهم السياسيين وفرض حالة الطوارئ.

ويمكن لحزب العدالة والتنمية حتى أن يقلب الخسارة لصالحه من خلال إعادة نسج هزيمته في الدور الأول في روايته القومية؛ حيث يمكن لـ"أردوغان"، على سبيل المثال، أن يلقي باللوم في نتيجة التصويت على قوى أجنبية مثل الاتحاد الأوروبي، لمنع الرئيس من القيام بحملات للحصول على دعم أكثر من 3 ملايين ناخب تركي يعيشون هناك.

ولقد ألقى باللوم على التجار الأجانب كمصدر حقيقي للمشاكل الاقتصادية للبلاد، وسوف تضر مثل هذه الادعاءات بعلاقة تركيا مع بقية العالم، بغض النظر عن نتيجة الانتخابات.

وإذا نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق نصر فسوف يوتر ذلك علاقة البلاد مع الاتحاد الأوروبي، وبمرور الوقت، فإن وجود توتر أعمق مع الاتحاد الأوروبي سيدفع تركيا إلى أحضان حلفاء مثل روسيا، بينما يزيد من الفجوة بينها وبين حلفاء مثل الولايات المتحدة.

وسوف يجد المنتصر في التصويت نفسه غارقا في التعامل مع هذه العلاقات ومع الضرورات الملحة الأخرى في تركيا بمجرد الانتهاء من التصويت.

وستواجه الإدارة القادمة الحاجة إلى تأمين حدودها الجنوبية والحفاظ على علاقاتها مع الحلفاء الاقتصاديين والأمنيين، مثل أوروبا والولايات المتحدة وروسيا.

وسوف تكون هذه القضايا، إلى جانب الركود الاقتصادي لتركيا، تحديا كبيرا للرئيس المقبل، سواء كان "أردوغان" أو أحد خصومه.

وعلى الرغم من أن التصويت القادم يمثل نقطة تحول للديمقراطية التركية، فلن تغير الانتخابات العلاقات المضطربة مع حلفائها أو جهودها لتأكيد نفوذها الإقليمي.


اضف تعليق