"الموت لسوريا"! "اتركوا سوريا"! .. تظاهرات في إيران تطالب بتغييرات داخلية وخارجية


٢٦ يونيو ٢٠١٨ - ٠٩:١٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

امتزجت تظاهرات التجار في أسواق طهران، التي امتدت إلى أسواق أخرى في مدن مثل شيراز وكرمانشاه، بالشعارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما جعل هذه التظاهرات تحمل أهدافا عدة، حاول المتظاهرون إيصالها، وإن كان معظمهم من التجار المتضررين من سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار العملات الأجنبية.

فقد تظاهر المئات من أصحاب المحال التجارية منذ أمس، تنديدًا بالسياسات الاقتصادية التي أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع، في الوقت الذي تواجه البلاد العقوبات الأمريكية الجديدة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

كما أغلقت آلاف المحال التجارية في سوق طهران الكبير (جراند بازار) بالعاصمة الإيرانية أبوابها تلبية لدعوة إضراب أطلقها التجار احتجاجا على تدهور قيمة العملة الوطنية "الريال"، بشكل قياسي. فقد وصل سعر الدولار الواحد في السوق السوداء إلى ما يقرب 90 ألف ريال. وهو ما أغضب التجار بسبب عدم ثبات الأسعار وارتفاعها وعجزهم عن شراء بضائع جديدة.

وفي أوائل أبريل/ نيسان الماضي، فرضت حكومة روحاني سعرا موحدا للعملة قدره 42 ألف ريال للدولار الأمريكي في محاولة لوقف انخفاض الريال. ومع ذلك، كان يتم تداول الدولار مقابل نحو 85 ألف ريال في سوق الصرف غير الرسمية.

إرهاصات

جاءت تظاهرات التجار في إيران بعد أن تعذر على التجار الحصول على العملة الصعبة، فقد منعت الحكومة الحصول على الدولار الرسمي (42 ألف ريال) إلا بعد إجراءات معقدة. كما حظرت استيراد 1400 صنفا؛ تلافيًا لاستنزاف النقد الأجنبي.

فقد ازدادت صعوبة الحصول على الدولار بعد أن سمحت الحكومة لمحلات الصرافة بالعودة للعمل ولكن تحت قيود صعبة، مما وضع تحت رحمة السماسرة وتجار السوق السوداء.

لا شك أن الأزمة الاقتصادية العميقة والخطيرة دفعت وتدفع الإيرانيين إلى التغيير لإنقاذ الأوضاع. ولم يعد خافيًا على الشعب الإيراني أن النظام ينزلق بسرعة قياسية نحو النهاية مثل النظام السوفياتي بسبب الأزمة الاقتصادية، وإهداره لأموال الشعب على العمليات الخارجية بذريعة التصدي للولايات المتحدة الأمريكية.

كما لعبت القيود التي فرضتها العقوبات الأمريكية على إيران دورًا في صعوبة نقل الأموال من الخارج إلى البنك المركزي الإيراني، فقد فقدت العملة الإيرانية نصف قيمتها خلال عام واحد، و40%، خلال 6 أشهر بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الإدارة الأمريكية.

وقبل أيام، أثناء جلسة حضرها وزير الخارجية الإيراني، لغرفة التجارة والصناعة في إيران، سلط الاجتماع الضوء على المخاوف من حدوث انحسار اقتصادي يتفاقم جراء تهديدات واشنطن بفرض عقوبات أشد صرامة ضد إيران بحلول أغسطس/ آب المقبل. وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع وارتفاع مستوى التضخم والغلاء والبطالة.

استهداف روحاني
يشير المراقبون إلى أن هناك من المحافظين مَن يستغل هذه التظاهرات للإطاحة بحكومة روحاني الإصلاحية المعتدلة، فقد حذّر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من أن رحيل "روحاني" لا يعني نجاح المحافظين وأن الخطر يُهدد إيران كأمة وليس نظام الجمهورية الإسلامية فحسب.

وهذا التصريح من وزير خارجية الحكومة الإصلاحية يكشف عن تربص بروحاني داخل النظام المحافظ. فقد كشف موقع "آمد نيوز" الإيراني المعارض، عن توترات في العلاقة بين الرئيس روحاني وقيادة الحرس الثوري؛ فكشف أن قادة الحرس الثوري الإيراني وجّهوا رسالة إلى المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، عبروا فيها عن قلقهم الشديد من حكومة حسن روحاني، بسبب رفضه تخصيص نصف الميزانية العسكرية للبرامج الدفاعية للبلاد. كما أن المؤسسات العسكرية رفضت مساعدة الحكومة في معالجة مسألة الدولار في الأسواق. كما أوقفت إتمام بعض المشروعات النفطية إلا بعد الحصول على مستحقاتها من الحكومة.

ويخطط خصوم روحاني داخل النظام الحاكم لاستغلال الأزمة الاقتصادية في شن حملة لإجبار روحاني على الاستقالة وعقد انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

ومن بين مروجي هذه الفكرة حسين موسويان، أحد النشطاء المؤيدين للجمهورية الإسلامية داخل الولايات المتحدة والمساعد السابق للرئيس الراحل هاشمي رافسنجاني. ويرفض موسويان الدخول في أي محادثات مع الولايات المتحدة ويدعو إلى ضرورة أن تستعد إيران للنضال، إما عبر تشكيل حكومة جديدة أو حتى توديع روحاني.

لقد بدأ الكلام يتردد في الأوساط السياسية، عن رغبة الحرس الثوري في الانتقال من موقع صانع القرار إلى إدارة النظام بشكل مباشر عن طريق، تواجد شخصية في الرئاسة مقربة من الحرس الثوري، مثل قائد فيلق القدس، سليماني، وأمين عام مجلس الأمن القومي، شمخاني، أو أحد من داخل الحرس القديم للنظام. وهذا يكشف عن حالة تشنج وصراع داخل أجنحة النظام الحاكم، بما ساعد على تفاقم الأزمة الاقتصادية.

تغيير الفريق الاقتصادي

قبل أسابيع كشفت وسائل إعلام إيرانية، أن الرئيس روحاني يعتزم إقالة الفريق الاقتصادي في حكومته، في مقترح لحل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بلاده، وخوفًا من اندلاع اضطرابات واحتجاجات ضد النظام. وهو مطلب في الشارع، يعرقله تدخل المرشد الأعلى وسياسته في شئون اقتصاد البلاد.

وفي إطار هذا التدخل، قام المرشد الأعلى، علي خامنئي، قبل أيام بتعيين ما أطلق عليه "مجلس الاقتصاد المقاوم" وأوكل إليه مهمة إعادة تنظيم الاقتصاد الإيراني على أساس "الاكتفاء الذاتي". وبوصفها خطوة أولى في هذا الاتجاه، من المقرر أن يطرح البنك المركزي الإيراني نظاماً من 3 مستويات لتعادل العملة من أجل الريال الإيراني الذي تراجع لأدني مستوياته على الإطلاق في السوق الحرة. ومن أجل تعزيز النظام المقترح، نشر المجلس بالفعل قائمة تضم 1.400 عنصر من "الواردات غير الضرورية" التي لن يجري توفير عملة أجنبية من أجلها. وهو ما أثار غضب وقلق الشارع الإيراني، وساهم في ارتفاع أسعار الدولار.

وفي إطار رمي الكرة في ملعب روحاني، طالب اليوم نواب في البرلمان من الرئيس روحاني بتغيير الفريق الاقتصادي للحكومة الإيرانية

وقال المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، بهروز نعمتي، "إن النواب وقعوا على بيان يطالب رئيس الجمهورية بإجراء تعديل وزاري. وإن الفريق الاقتصادي للحكومة فشل في حل مشاكل البلاد، ومن المؤسف فإن أداء الفريق الاقتصادي للحكومة كان ضعيفا في اتخاذ الإجراءات الوقائية. وعلى الحكومة أن تجري تغييرًا في فريقها الاقتصادي".

كما هدد نواب في البرلمان باستجواب الرئيس حسن روحاني في حال استمرت العملة بالهبوط، وطالبوا الحكومة باتخاذ إجراءات فورية.



تغيير النظام

شملت تظاهرات طهران، على شعارات تطالب بالموت للديكتاتور (خامنئي)، حيث بات لدى الشارع الإيراني حالة من الاعتقاد بأن أي تغيير في النظام الحاكم مرهونًا بتغيير شخص خامنئي أولًا؛ لأنه شخص المرشد يتحكم في إدارة كل شيء في البلاد، ويتجاوز حتى صلاحياته من خلال معسكره من الموالين ومراكز الضغط التي يمتلكها.

ويشير المحلل السياسي الإيراني، جواد كوروشي، في صحيفة إيران امروز، إلى أن خامنئي عندما رفض التوقيع على اتفاقية محاربة الجريمة المنظمة (باليرمو)، بحجة مؤامرة الأعداء؛ فهو لم ينظر إلى معاناة الشعب الإيراني والمصالح الاقتصادية لهذا الشعب؛ بل ركز على تقديم أفكاره وتصوراته ونظرته المعادية للغرب.

وكذلك، الرسالة التي وجهها الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، إلى المرشد الأعلى، كشفت عن ضرورة وقوع تغيير في النظام الإيراني الحاكم باسم ولاية الفقيه، وأن الإصرار على هذه التركيبة يساعد القوى الغربية على دفع المعارضة إلى ضرورة تغيير النظام في إيران. ففي رسالته طالب نجاد من المرشد الأعلى بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، وإجراء تعديلات جدية تنتج تحديدًا لصلاحية الولي الفقيه.

تكشف هذه المطالب أن الإيرانيين تعبوا من السلطة المطلقة للمرشد منذ ثلاثة عقود، والتي حولته إلى شبه ديكتاتور رغم الانتخابات الرئاسية التي تنتج ما يشبه رئيسا للوزراء ينفذ أكثر مما يصيغ ويقرر.


متظاهرون يرددون شعار "الموت للديكتاتور"! (خامنئي) خلال تظاهرات أمس في أسواق طهران




تغيير السياسة الخارجية

لم تخل التظاهرات في أسواق وشوارع طهران من مطالبة النظام بالكف عن سوريا والخروج منها، وكذلك إيقاف التدخل الإيراني في شئون لبنان وغزة واليمن.

فقد تكررت شعارات مثل "اتركوا سوريا واهتموا بشأننا"، "الموت لسوريا"، "الموت لغزة"، "روحي فداء إيران". هذه الشعارات تكشف أن الشعب الإيراني بات يشعر باستنزاف أمواله على تدخلات إيران في الخارج، وأن معاناته سببها نهب خيراته لصالح نفوذ النظام الحاكم في الخارج عبر النفاقات الضخمة التي يقوم بها الحرس الثوري، الذي هو نفسه يسيطر على الاقتصاد الإيراني ومتورط في عمليات الفساد.



تظاهرات تردد شعار "اتركوا سوريا وفكروا في شأننا"!، وتعبر عن إدراك الشارع الإيراني، أن التمدد الخارجي الصلب للنظام يساهم في استنزاف ثروات إيران لصالح دعم الحرس الثوري الذي يمثل يد وقوة نظام "ولاية الفقيه".




المتظاهرون يرددون شعار: "الموت لسوريا"!، بسبب نزيف أموال إيران والنقد الأجنبي على تمدد إيران في المنطقة.




خطوات للاحتواء

كشفت وسائل إعلام إيرانية، منها وكالة "تسنيم" الإيرانية، أن قيمة العملة الأمريكية بدأت تنخفض منذ صباح اليوم في السوق الإيرانية الحرة.

وأشارت إلى أن سعر الدولار والعملات الذهبية قد انخفض بعدما صرح محافظ البنك المركزي، ولي الله سيف، في وقت سابق بأن إيران ستقيم "سوقا ثانوية" لتداول العملة الأجنبية "بأسعار متفق عليها" بهدف مساعدة القطاع الخاص على استيراد السلع غير الأساسية. وسیتم تخصیص 20 بالمئة من عوائد الصادرات غیر النفطیة للقطاع الخاص، لتغطیة السلع غیر الأساسیة على أساس سعر توافقی. وأکد أن السوق الثانوی المزمع سیحد من نشوء أسعار صرف مجهولة، من قبل السماسرة.

كما يعمل البنك المركزي على إنشاء منظومة لتسجیل جمیع السلع المستوردة وتغطیتها بسعر الصرف الرسمی (الدولار = 42 ألف ریال)، وبتفعلیها سیمنع الموردین من رفع أسعار تلك السلع.

كما أكد النائب الأول لرئیس الجمهوریة إسحاق جهانجیری، على ضرورة التحکم وإدارة مصادر العملة الصعبة؛ مبیناً أن الحکومة وضعت برامج خاصة فی هذا السیاق. وأن الحکومة ستعمل على توفیر المبالغ اللازمة من العملة الصعبة لتلبیة الحاجات الأساسیة والسلع الرئیسیة، وذلك رغم کافة القیود المحتلة التی تواجه سوق العملة الصعبة فی البلاد.

كما طمأن وزیر الصناعة، محمد شریعتمداری، الشارع الإيراني بقوله: "نحن نطمئن الشعب بأن مصادر العلمة الصعبة في البلاد لا تواجه أي قیود". وكشف شريعتمداري "أن عائدات النفط خصصت إلى الحاجات الأساسیة؛ وأن هذه المبالغ تصدر من البنك المرکزي مباشرة دون أن یسمح لأي جهة أخرى التدخل فیها".

عدم الثقة في العملة الوطنية

يكشف تصريح المتحدث باسم الحكومة، محمد باقر نوبخت، أن المواطن الإيراني لا يثق في القوة الشرائية للعملة الوطنية، وقد تفاقم هذا الشعور بعد عودة العقوبات الأمريكية على إيران. وقد توتر الشارع الاقتصادي في إيران جراء حالة الغلاء وارتفاع نسبة التضخم في ظل الشعور بمخاطر الحصار اقتصاديًا وأمنيًا. وهو ما دفع المواطنين إلى تحويل أموالهم إلى العملة الصعبة والذهب في إيران.

فقد صرح نوبخت، حسب وكالة إرنا الرسمية، بأن المشکلة الراهنة تتمثل في زیادة الرغبة التوجه نحو تبدیل العملة الوطنیة (الریال) إلى العملة الصعبة، مؤکداً أن موارد العملة الصعبة في البلاد تتجاوز النفقات.

وبين أن البلاد لا تعاني مشکلة من ناحیة توازن الموارد والنفقات، فعوائد النفط تبلغ نحو 52 ملیار دولار، کما أن الصادرات غیر النفطیة تبلغ نحو 45 ملیار دولار. وأوضح أن المنتجات البتروکیمیاویة والصلب تشکل 80 بالمائة من هذه الصادرات.

وأضاف، أن إیرادات البلاد من العملة الأجنبیة تبلغ حوالي 95 ملیار دولار من مبیعات النفط وصادرات السلع غیر النفطیة، في حین أن النفقات والتي تشکل الواردات معظمها لا تتجاوز 50 ملیار دولار.

وتابع: أنه لو أضفنا واردات الخدمات البالغة 20 ملیار دولار إلى النفقات فإن الحد الأقصى للنفقات لن یتجاوز 75 ملیار دولار. وصرح نوبخت المشکلة في هذا المجال والتي تفاقمت خلال الأشهر الأخیرة هي الرغبة والتوجه نحو تبدیل الریال الإیراني بالعملات الأجنبیة.

ورغم ما أعلنته الحكومة الإيرانية أمس واليوم الثلاثاء، إلا أن حركة الاعتصام والاحتجاج ما زالت تعم أسواق طهران، وامتدت إلى أسواق جديدة منها أسواق كرمانشاه.



اضف تعليق