هل ينجح ترامب بممارسة ضغوطاته على الناتو؟


١٢ يوليه ٢٠١٨ - ١٠:٢٥ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
أظهرت قمة الناتو في بروكسل يوم 11 يوليو 2018، تباينا وخلافات كبيرة مابين دول أوروبا والولايات المتحدة، جائت في تعليقات ترامب على تويتر، تركزت على الانفاق العسكري للحلفاء، والذي يطالبها ترامب دوما بزيادة انفاقها ومساهماتها داخل الحلف الاطلسي. فلم يتردد ترامب بالقول، بأن قمة الاطلسي مع الحلفاء تكون اصعب من قمة هلسنكي يوم 16 يوليو 2018 التي تجمعه مع الرئيس الروسي، بوتن، وهذا ما اثار استغراب حلفاء اميركا الأوروبيين.
 
الخلافات مابين ترامب والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، هي التي سيطرة على مشهد الخلافات، وظهرت ميركل غير مبالية الى استقبال ترامب في قاعة اجتماع قمة الناتو. وكان الرئيس شن هجوما حادا على ألمانيا في وقت سابق امتهما اياها بانها "رهينة" روسيا في امدادات الطاقة. وكان الرئيس الأمريكي  ندد عدة مرات بمشروع انبوب الغاز" نورستريم" الذي سيربط مباشرة روسيا بألمانيا وطالب بالتخلي عنه.
 
أوروبا ادركت جيدا ان مصلحتها، لم تعد بالتحالف مع الولايات المتحدة، وهذا مايدفعها الى تحالفات جديدة مع روسيا والصين، والبحث عن مصالحها منفردة مع دول منطقة الشرق الاوسط.فدول أوروبا مازالت تتحدث عن القيم والشراكة والصداقة بين اطراف التحالف وعبر ضفتي الاطلسي، وترامب لم يعد  يفهم غير لغة الانفاق العسكري. فمازالت واشنطن تطالب دول أوروبا الى زيادة انفاقها العسكري ليصل الى 2% ثم الى 4% عام 2024، وهو ما لاتقدر عليه دول أوروبا، وهذا يعني ان غير مستبعد ان يتخلى ترامب عن الناتو وعن حماية دول اوروبا من أي تهديدات من روسيا، في مجال الاسلحة التقليدية او النووية.
 
لكن رغم ذلك، موسكو، لم تخفي و انعدام الثقة بشأن الخيارات التي اتخذها حلف الناتو في الأشهر الأخيرة. بالنسبة للخبير العسكري الروسي الكسندر غولتز، موسكو "تعتبر موسكو تهديدا التغيير القادم المرتبط بالمبادرة الأمريكي ة "4x30" حيث ستتعهد دول حلف الأطلسي بأن تكون قادرة بحلول عام 2030 على أن تنشر في غضون 30 يوما، 30 كتيبة آلية و30 سرب طائرات و30 سفينة مقاتلة لتتمكن من مواجهة عملية عسكرية لروسيا التي تعتبر مهاجما محتملا.
 
هذه التصريحات والتعليقات، تعكس، حجم الخلافات الكبيرة مابين واشنطن وأوروبا، فلم يعد ترامب يعتمد يعول كثيرا على حلفائه الاوربيون. لهجة تخلي واشنطن عن الناتو، ربما مازالت مبطنة في تصريحات وقرارات ترامب، فهو لم يعد يبالي بأطراف الحلفاء الاوروبيين. ترامب مازال يصر على اعتماده قاعدة الربح والخسارة في مجالات الامن والدفاع، وهذا مايحصل حتى في دور اميركا ومساهماتها داخل الناتو. رغم ان الولايات المتحدة تنفق مايعادل 70% من نفقات الناتو، لكن هذا لايبرر الى اعتماد ترامب ميزان الربح والخسارة في مجالات الامن والدفاع. فقد تخلى ترامب عن المناورات العسكرية المستقبلية مع النرويج وسبق ان تخلى عن المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، لحسابات اقتصادية.فما يريده ترامب من هذه الاجراءات، هو تخفيف الاعباء عن المواطن الأمريكي ، وتقليص الانفاق العسكري، من اجل الفوز برئاسة البيت الابيض من جديد في أي انتخابات قادمة.
 
 وردا على تكهنات تفكيك حلف الناتو، تقول دراسة تحليلية الى مركز الأهرام  بعنوان "مستقبل حلف الناتو بين الأزمة الأوروبية وسياسات ترامب" بان هناك تحديات هائلة لأمن أوروبا، خاصة حال قيام ترامب بسحب جزء من القوات الأمريكية التي تتمركز في الدول الأوروبية بما يجعلها في حالة من الانكشاف الاستراتيجي أمام النفوذ الروسي المتنامي، لاسيما دول البلطيق الثلاث "استونيا، ولاتفيا، وليتوانيا". ورغم ذلك لا يتوقع "تفكك" أو "انهيار" حلف الناتو، وذلك لعدة أسباب، سواء تلك التي ترتبط بآلية عمل الحلف ذاته، أو بالنظر إلى الواقع الإقليمي والدولي الراهن.
 
إن مغادرة ترامب بروكسل، بعد حضوره القمة اليوم الاول وتوجهه الى بريطانيا، يعكس عدم الاهتمام بهذه القمة ، ويبعث برسالة الى دول أوروبا، بإن اطراف الحلف، من الاوربيين، ان يتخذوا قرارهم بتصصعيد الانفاق العسكري،او خسارة "الحماية الأمريكية".

 
السؤال الذي يدور في أذهان الحلفاء الأوربيين، ماذا سيجري في قمة هلسنكي القادمة ؟
 
هل يتفق ترامب مع بوتن على الحلفاء الأوروبيين ؟ ولماذا جائت قمة هلسنكي قريبة من قمة الناتو في بروكسل ؟ ولماذا جائت بعد قمة الناتو في  بروكسل وليس قبلها كما يفترض ؟
 
هذه الاسئلة جميعها تدور في اذهان قادة أوروبا، وهي تدرك جيدا، بان ترامب سوف يتخلى عن حلفائه الاوربيون، في حال توصله مع بوتن على أي اتفاقات او توافقات. مايريده ترامب هو تقليص انفاق اميركا حول التسلح وحول الترسانة النووية، ويبدو ان هذا الملف هو الاهم الذي سيكون في قمة هلسنكي. قضايا الشرق الاوسط ومايجري على الارض في سوريا والعراق وليبيا واليمن ودول اخرى، هي قضايا ثانوية لاتمثل اهمية الى ترامب، يمكن عقد الصفقات حولها، وبدون شك سوف تكون صفقات سرية لايتم الاعلان عنها.
 
يبقى الملف الإيراني النووي، هو الاهم في قضايا الامن الاقليمي، ومن المحتمل جدا ان يستخدمه ترامب بالضغط على الحلفاء الاوروبيين، وسحب البساط من الاتفاق الاوروبي الايراني الاخير خلال شهر يوليو 2018. المشهد  ممكن ان يتلخص، بمساعي ترامب بايجاد اتفاقات وتوافقات مع روسيا، وتجنب أي مواجهات او تهديدات وهذا سيعمل امام اضعاف دول اوروبا وتحديدا دول الاتحاد الاوروبي، والتخلص من اعباء توفير الحماية والتسلح عند الحدود الشرقية لاوروبا خاصة دول البلطيق.
 
قمة بروكسل ممكن اعتبارها قمة بروتوكولية، لاظهار هذا الحلف، بانه  مازال قائما، ولا توجد خلافات داخل الدول الاعضاء، وانها قادرة على تعزيز الردع والدفاع، ضد تهديدات موسكو، لكن مايجري على الارض، هو غير ذلك تماما. رغم مايحث داخل حلف الناتو من خلافات، فأنه ليس من المستبعد ان تصريحات وتعليقات ترامب هي من اجل ايجاد ضغوطات على حلفائه اكثر من التخلي عن هذا الحلف، فمهما وصل اليه الحلف من تصدعات يبقى قائما في مواجهة تهديدات موسكو المحتملة.
 
وهذا يعني انه ينبغي على دول أوروبا ودول المنطقة، خاصة حليفات واشنطن، النهوض بقدراتها الدفاعية، اكثر من الاعتماد على الحماية الأمريكية.



اضف تعليق