التخطيط الاستراتيجي.. التطور والضرورة (1)


٠٢ يناير ٢٠١٩ - ٠١:١١ م بتوقيت جرينيتش

 
كتب – هيثم البشلاوي
 
لم يكن التخطيط وليد الصدفة، إنما هو نتاج حتمية صراع وتجارب الإنسان على مر تاريخه. ترجع جذور التخطيط كمعنى لا لفظ إلى الإغريق، وبالتحديد في عهد أفلاطون الذي أشار بشكل غير مباشر لمفهوم وعملية التخطيط من خلال وضع تصور لمدينته الفاضلة.
 
وعلى أرض مصر كانت أول خطة استراتيجية في تاريخ البشرية يتم صياغاتها وتنفيذها على يد نبي الله يوسف، طبقا لما جاء في العقد القديم. بدأ يوسف ـ عليه السلام ـ تخطيط اقتصاد مصر، وهو في الثلاثين من عمره، حينما استدعاه الفرعون، وجعله وزيرا للاقتصاد والمالية، وأعطاه صلاحيات مطلقة في إدارة اقتصاد البلاد لمواجهه المجاعة. تمكن سيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ من وضع أول خطة استراتيجية في تاريخ البشرية من خلال توزيع دقيق قائم علي الحصر الشامل للسكان الأحياء خلال الـ14عاما محل الخطة الموضوعة بأسلوب لا يختلف كثيرًا عما يدرس حاليًا في نظرية الاحتمالات، كما خصص لكل فرد حصة سنوية ونصيب يومي من المؤن. كل ذلك يدل على أن العالم القديم عرف التخطيط لمواجهه الأزمات، وتمكن من تطبيق نظام الطوارئ والتخطيط لعلاج تلك الأزمات.
 
وفي الإسلام. كان أول مثل للتخطيط في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حيث استبقى ريع الأراضي الزراعية التي حصل عليها المسلمون من فتوحاتهم كمورد ثابت للدولة بجانب الزكاة والخراج. كما خصص أرض الحمى فاستحدث بذلك أول قطاع عام للدولة، ومن اجتهاداته (رضي الله عنه) في التخطيط الاقتصادي خطته لحفر قناة لتسهيل نقل الغلال من مصر إلى الحجاز، والتي تربط بين نهر النيل والبحر الأحمر. تاريخ التخطيط كان يعتمد على القدرات الخاصة للمخطط نفسه، وليس على وجود نظرية ونمط لعملية التخطيط نفسها.
 
خلال الحرب العالمية الأولى التي كانت بين ألمانيا من جهة، وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى اتخذ كل من الطرفين التخطيط أسلوبا لإدارة دفة الحرب، وتعبئة الموارد الاقتصادية لتجهيز الجيوش وإمدادها. واعتمدت الدول المتصارعة على التخطيط كوسيلة مؤقتة لتنظيم عملية تحول الدولة من ظروف السلم إلى الحرب. وما أن انتهت الحرب العالمية الأولى، حتى عصفت بالكتلة الرأسمالية أزمة الكساد الكبير (1929-1932) فانخفضت مستويات الإنتاج والاستهلاك والدخل، وارتفعت مستويات الأسعار، وتكدست السلع في المخازن والمستودعات، مما أدى إلى تسريح العمال وانتشار البطالة والفقر. وأدت هذه الأزمة إلى زعزعة الثقة في مدى جدوى نظام الاقتصاد الحر، الذي اعتمد على فكرة التوازن التلقائي، وتبين أن تلك اليد الخلفية التي تحدث عنها (آدم سميث) في كتابة ثروة الأمم غير كافية لضمان الاستقرار والنمو.
 
حلت الحرب العالمية الثانية لتحول اقتصاديات الدول من اقتصاديات السلم إلى اقتصاديات الحرب مرة أخرى. وهنا دعت الحاجة إلى قيام الدول بانتهاج أسلوب التخطيط تماما كما حدث في الحرب الأولى. وما أن حطت الحرب أوزارها حتى سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم مساعداتها لدول أوروبا الغربية لإعادة تعمير ما دمرته الحرب. وكان لزاما على الدول أن تنتهج أسلوبا تخطيطيا لتقدير احتياجات إعادة التعمير (فرنسا وبريطانيا عام 1946).
 
انتهت الحرب العالمية الثانية، وقسمت العالم إلى ثلاث مجموعات: دول العالم الأول، وهي الدول الصناعية الرأسمالية (الاقتصاد الحر) ودول العلم الثاني، وهي الدول الصناعية الاشتراكية (التخطيط المركزي)، ودول العالم الثالث، وهي الدول الفقيرة المختلفة، وكان التقسيم غير معتمد على القدرات الاقتصادية أو درجة النمو، بل على قدرة كل مجموعة لطرح صياغة حول مستقبلها وفي عشرينات من القرن الماضي ظهر ما يُعرف بالتخطيط القومي National planning بشكله العلمي، حيث لفتت الحربان العالميتان الأنظار لأهمية التخطيط سواء للانتصار في الحرب، أو النهضة بعد الهزيمة (نموذج ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية).
 
ختاما .. لم يكن  تناول ما سبق على سبيل سرد تاريخي بقدر ما هو محاولة لإثبات أن التخطيط ابن الازمة و الصراع ، وأن معدلات النمو الاقتصادي والعدالة ليست سوى دوافع  مستدامة للتخطيط وليست مجرد  أهدافا مرحلية  .
 



اضف تعليق