النفط الليبي... عامل دافع أم معاكس نحو إنهاء الأزمة ؟


٠٤ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:٣٨ م بتوقيت جرينيتش


رؤية - محمود رشدي

تدخل ليبيا عامها الثامن منذ اندلاع ثورتها ضد رئيسها معمر القذافي، لتلتحق بركب الانتفاضات العربية التي اندلعت شرارتها في تونس، وحتى الآن لم تصل ليبيا لمحطتها الأخيرة في نزاعها الداخلي، نظراً لتداخل عدد من  المحددات الداخلية والخارجية جاء أبرزها متمثلاً في الصراع على النفط . وهناك سؤال يلوح في الأفق: هل يمثل النفط الليبي عامل دافع لإنهاء الأزمة أو محفز لاشتعالها؟.. لدى ليبيا مصدر قومي تستطيع من خلاله إعادة إعمار مناطقها المدمرة جراء الحرب المسلحة، بيد أن الفقراء الليبين يسارعون للاستيلاء عليه.

دخلت ليبيا على خط الانتفاضات العربية عقب ثورة فبراير عام 2012، وقضت بها على نظام معمر القذافي بمساندة قوات حلف شمال الأطلسي الذي تدخل وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي, وتحولت بعدها الساحة الليبية لمنطقة فراغ أمني امتلأت بالمليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية والعديد من الفرقاء الليبيين، والتي انقسمت ما بين حكومتين وبرلمانيين في الشرق والغرب الليبي.

وتدافعت المليشيات المسلحة للاستيلاء على منطقة الهلال النفطي الليبي، والتي تضم أكثر 60% من الاحتياطي النفطي، كما حاولت الحكومات المتنازعة إثبات الشرعية السياسية لنفسها لتكون لها اليد العليا في التحكم بريع عائدات النفط.

التكالب الأوروبي على النفط الليبي

منذ بداية الأزمة الليبية وتنافس الدول الغربية على توسيع نصيبها من كعكة النفط الليبي، وتعد كل من إيطاليا وفرنسا من أبرز الأطراف الدولية التي تتصارع على النفط الليبي، وتدعم إيطاليا حكومة الغرب الليبي في طرابلس، بينما تؤيد فرنسا حكومة الشرق في طبرق، وكلاهما يسعى للحفاظ على مصالح شركاتها النفطية العاملة في ليبيا.

حيث يتنافس على استخراج النفط الليبي عدد من أهم شركات النفط العالمية تأتي على رأسها شركة"إيني" الإيطالية ويصل انتاجها ما يفوق 300 ألف برميل نفط يومياً، بما يتضمن الغاظ الطبيعي والنفط الخام، ومشتقات بترولية أخرى من غاز البروبان والنافتا والبيوتان.  بينما تقوم شركة توتال الفرنسية بتشغيل وإنتاج حقل المبروك وحقل الجرف من خلال إحدى فروعها، وهي شركة "سي.بي.تي.إل"، ويصل متوسط إنتاج الحقلين معا، إلى 60 ألف برميل في اليوم، فيما تشارك الشركة في إنتاج بعض الحقول الأخرى مثل حقل الشرارة.

النزاعات الداخلية للسيطرة على الهلال النفطي.

يعود النزاع الداخلي الليبي بالأساس على منطقة الهلال النفطي، وعقب سقوط نظام القذافي سارعت الكتائب المسلحة للسيطرة عليه. وفي أكتوبر 2011، سيطرت مليشياتعرفت باسم " كتائب الثوار" على منطقة الهلال، إلا أن سيطرت عليها مليشيا جماعة الإخوان المسلمين هناك والتي عرفت باسم " كتائب الدروع".
وفي يناير 2013، سيطرت كتائب عرفت باسم "حرس المنشآت النفطية" بقيادة واحد يدعى إبراهيم الجضران، وفشلت الحكومة في عقد المفاوضات معه لتسليم منطقة الهلال والتي استولى عليها لما يقرب من الثلاث سنوات، حتى تدخل الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر في سبتمبر 2016، وسيطر على المنطقة وسلمها للمؤسسة الوطنية للنفط.
وفي يناير، سيطرت كتائب عرفت باسم "حرس المنشآت النفطية" بقيادة إبراهيم الجضران على منطقة الهلال النفطي، وخاضت معارك متعددة خلال ثلاث سنوات، حتى تدخّل الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، في سبتمبر 2016، وسيطر على منطقة الهلال النفطي وسلمها للمؤسسة الوطنية للنفط.


 
الصراع على النفط زاد من معاناة الاقتصاد الليبي،  وفي تقرير للبنك الدولي عن حالة الاقتصاد الليبي، والذي وصف بالاقتصاد المتردد وغير المستقر، مشيراً لعدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي بارتفاع معدل التضخم، والعجز المالي، نتيجة لانخفاض االإنتاج نمن النفط. 
وترك الصراع المسلح على النفط آثاره على الحياة المعيشية لليبيين، من غلاء وغياب للسيولة وهبوط القدرة الشرائية للدينار الليبي، الأمر الذي تعانيه شرائح واسعة من شعب يتجاوز تعداده 6 ملايين نسمة، بينهم مليون من الموظفين.

وفق تقرير البنك الدولي للعام 2018 فإن معدلات التضخم سجلت مستوى قياسيًا نسبته 28.4% عام 2017 بعد أن بلغ 25.9% عام 2016، وأدى ارتفاع معدل التضخم إلى مجموعة من الصعوبات التي أثرت بشكل كبير على المواطنيين، ما كان لها تبعات سلبية، منها تدني الخدمات العامة، وارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وتزايد معدلات الهجرة الداخلية للهروب من التناحر الداخلي، أضافة إلى انخفاض قيمة العملة الليبية في الأسواق العالمية.  
وعلى الرغم من انهيار الاقتصاد الليبي نظراً لإطالة أمد الصراع على النفط والجغرافيا الليبية، فلازال الإصلاح والاستدارة نحو تمكين الدولة الليبية مرة أخرى ممكناً، ولكنه ينقصه التوافق السياسي ما بين الأطراف الداخلية والتخلي عن الإملاءات الخارجية، ومن الممكن أن يلعب النفط عامل محفز ومعجلاً للنهوض مرة أخرى بالدولة، بتكثيف معظم عوائده نحو إعادة الإعمار وتشييد البنى التحتية مرة أخرى، لدى ليبيا مورد لا تمتلكه الدول الأخرى التي تعاني من الصراعات الداخلية وهو نقص التمويل، وعلى سبيل المثال الحالة السورية التي تحتاج لتمويل خارجي إعادة إعمارها مرة أخرى، وبالتالي مزيد من التبعية الخارجية.
 


اضف تعليق