ألمانيا.. حروب سيبرانية لم تنته بعد!


٠٦ يناير ٢٠١٩ - ١٠:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
"الحرب الإلكترونية" هي عمليات اختراق وقرصنة إلكترونية موجهة سياسيا من دولة ما بهدف التجسس على شبكة حواسيب هيئات رسمية أو شركات خاصة كبرى في دولة أخرى، أو تخريب وتعطيل تلك الشبكات وما يرتبط بها من أجهزة، وهي شكل من أشكال حرب المعلومات التي ينظر إليها أحيانا على أنها مماثلة للحرب التقليدية، وربما تكون سببا يدفع باتجاه مثل تلك الحرب، وفقا لمعلومات موسوعية.
 
أعلنت الحكومة الألمانية يوم 4 يناير 2019، أن مجموعة من السياسيين في البرلمان "البوندستاغ" وفي الحكومة، قد تعرضت لهزة كبيرة بعد الكشف عن بياناتهم الشخصية على الإنترنت بينهم المستشارة ميركل. ولم يتم تحديد الأشخاص المسؤولين عن هذه العملية غير المسبوقة من حيث حجمها. وفي أعقاب ذلك أغلقت تويتر أحد الحسابات التي ظهرت عليها التسريبات. وكشفت صحيفة بيلد الألمانية أن سلطات الأمن الأمنية طلبت من جهاز الاستخبارات الأمريكية "إن إس إيه" المساعدة في توضيح هذا الهجوم الإلكتروني.
 
تفاعل وردود أفعال

 
تفاعلت عملية سرقة البيانات في ألمانيا، حيث أعربت أحزاب معارضة عن استيائها من "تكتم" الجهات المختصة بالأمن المعلوماتي على الأمر رغم اكتشافه منذ أسابيع، لكن هذه الجهات نفت ذلك مدافعة عن نفسها.
 
أعرب، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب اليسار المعارض "ديتمار بارتش" عن استيائة قائلا: "بالنظر إلى حجم سرقة تلك البيانات فإن عدم إخبار السلطات لقادة الأحزاب ورؤساء الكتل البرلمانية بهذا الأمر غير مقبول تماما. هل هناك شيء تتم التغطية عليه؟". وتتواصل الانتقادات الى لوكالة الاتحادية لأمن تقنية المعلومات (BSI) ، وقالت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) إن وكالة أمن تقنية المعلومات كانت على علم بهذا الهجوم "السيبري" منذ أسابيع. بينما ذكر المكتب الاتحادي لمكافحة الجرائم في ألمانيا (بي كي إيه) -في رسالة لأعضاء البرلمان الألماني (البوندستاغ)- أنه لم يعرف بالأمر إلا في يوم الرابع من يناير 2019.
 
وقال رئيس الوكالة الاتحادية لأمن تقنية المعلومات (BSI)" أرنه شونبوم" لقناة "فونيكس" الإخبارية الألمانية يوم 4 يناير 2018 "لقد عرفنا في مرحلة مبكرة جدا في ديسمبر2018 وتكلمنا بالفعل وفقا لذلك مع أعضاء بالبرلمان متضررين من الهجوم. كما بدأنا تدابير مضادة؛ من بينها إرسال فرق خاصة لمساعدة الأشخاص المتضررين، ومن هنا كانت هناك بعض الإجراءات في وقت مبكر".
 
وفي مجال الخطوات المحتملة الممكن اتخاذها من قبل الحكومة الألمانية تحديدا مركز أمن تقنية المعلومات الفدرالي SBIأن تحقق اختراقا بنظام معكوس باتجاه المهاجم من خلال عدة محطات، وعليك أن تخترق سيرفرات في بلدان أخرى لا تعود لك، لتصل نظرياً إلى المحطة التي نُفّذ منها الهجوم، فترسل القوات الخاصة نحوها وتعتقل الهاكر المهاجمين. المشكلة أنّ المعلومات المسروقة لا تُرفع من النظام المخترق بل تُستنسخ، وعليك أن تخمّن من أين مرّ الهاكر، وفقا لخبير أمن المعلومات "زاندرو غيكن". يذكر أن التقارير كشفت عن وجود ما يقارب 60 هاكر في ألمانيا يستخدمون تقنيات متطورة ويعملون لصالح الدولة.
 
حذرت الرابطة الألمانية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من أن إعدادات الراوتر الخاطئة تتيح لقراصنة الكمبيوتر والإنترنت الفرصة لاختراق الشبكة المنزلية.
 
بعض عمليات القرصنة التي تعرضت لها ألمانيا سابقا

 
ـ قالت مجلة "فوكوس" الألمانية -الصادرة يوم 24 فبراير 2013 استنادا إلى مصادر في الاستخبارات الداخلية الألمانية- إن هيئة حماية الدستور سجلت خلال عام 2013 أكثر من 1000 هجمة شنها قراصنة صينيون على حواسب تابعة للسلطات الألمانية.
 
ـ أبلغت أجهزة حماية المعلومات والبيانات الشخصية وشركات خدمات الإنترنت في ألمانيا يوم 16 أبريل 2014 الملايين من مستخدمي البريد الإلكتروني في البلاد بتعرض بريدهم وكلمات السر الخاصة بهم لقرصنة من طرف مجهولين.
 
ـ ذكرت مجلة "دير شبيغل" الألمانية -عبر موقعها الإلكتروني يوم 18/ 6/ 2016- أن الكثير من هجمات قراصنة إلكترونيين باسم تنظيم "داعش"، يشنها في الحقيقة قراصنة روس.
 
الخلاصة
 

إن ما تتعرض له ألمانيا -في الوقت الحاضر- من هجمات اليكترونية، سيبرانية، هو جزء من استهداف الحكومة الألمانية، والتي تعيش واحدة من أضعف مراحلها. سبق أن تعرضت ألمانيا لعدد من الهجمات الإلكترونية، السيبرانية، خلال الأعوام السابقة، استهدفت البرلمان والدفاع والخارجية وإدارة أجهزة الأمن الألمانية ، وكانت أصابع الاتهام توجه لروسيا والصين. التحقيقات الأولية واستثناء حزب البديل من أجل ألمانيا " AFD, Alternative für Deutschland" يثير الكثير من الشكوك حوله.
 
الهدف هو زعزعة ثقة المواطن بالحكومة ومؤسساتها الأمنية، ونزع ثقة السياسيين أيضا في أجهزة الأمن، وقدرة الحكومة على حماية حتى أعضاء البرلمان والقادة البارزين في الحكومة. هذه يمكنها أن تبعث رسالة إلى الأحزاب السياسية وإلى الشارع الألماني، مفادها أن الحكومة الحالية، فشلت في تأمين المعلومات وحماية أمنها القومي. هذه الأهداف أو الأغراض يمكن أن تصب في صالح اليمين الشعبوي أكثر ما يكون، هناك طرف خارجي كما حصل في الأعوام السابقة ومنها خلال انتخابات ألمانيا العامة في سبتمبر 2018.
 
الشكوك أيضا تدور حول تعاطف غير معلن لمؤسسات الأمن والاستخبارات، أبرزها مكتب الوكالة الاتحادية لأمن تقنية المعلومات  (BSI)، بأنها كانت على اطلاع بالقرصنة أو التسريب منذ أيام، لكنها لم تعلن عن ذلك. بعض أعضاء البرلمان ذكروا للصحافة الألمانية أنهم تلقوا الخبر عبر وسائل الإعلام الألمانية، دون أي تحذير من أجهزة الأمن الألمانية؟! وهذا ما أثار غضب أعضاء البرلمان خاصة من حزب الخضر المعارض. العامل الزمني بتتبع "الهاكر" أو التسريب، جاء متأخرًا، وهذا ما يرجح "حدس" بعض أعضاء البرلمان، بأن التأخير في تعقب "الهاكر" يعطي فرصة لمنفذي العملية، بإخفاء أو حذف بعض التطبيقات الفنية، وبالتالي يصعب تعقبهم، وهذا يقع ضمن فرضية "تعاطف" أجهزة الامن الألمانية مع اليمين الشعبوي. هذا ما يحدث في ألمانيا، وفي بعض دول العالم من "الوزن الثقيل" والتي تستنجد بوكالة NASA لحمايتها، فماذا عن دول المنطقة؟ ربما لا تدري ما تتعرض لها امن معلوماتها من هجمات سيبرانية.
 
الحروب اليوم لم تعد تقليدية في زمن العالم الرقمي، وعالم السايبر، أصبح بديلا عن الحرب الباردة والتقليدية، وهذا ما يثير أهمية إيجاد وحدات رقمية في داخل أجهزة الاستخبارات، من أجل الوقاية من الهجمات الإلكترونية، التي أصبحت شبه يومية في عالمنا هذا.



اضف تعليق