الذكاء الاصطناعي.. المحدد المستقبلي للعلاقات الدولية وبنية المجتمع العالمي


٠٦ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:٣٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود رشدي 

يتحول العالم بوتيرة متسارعة نحو إدخال مفهوم الذكاء الاصطناعي في المجتمع العالمي لينتقل بصدده إلى نوع آخر فيما يعرف بمجتمع "ما بعد المعلومات"؛ حيث تصبح الآلة هي المحرك الأساسي للمجتمع الجديد، وبالتالي دخل شكل مفهوم الذكاء الاصطناعي كأحد مفردات العلاقات الدولية؛ ذلك الحقل الذي تتنافس فيهه الكيانات الدولية ليكون لها السبق وريادة النظام العالمي، وكما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "إن من سيقود الذكاء الاصطناعي سيحكم العالم".

في الآونة الأخيرة، بدأ يتصاعد مفهوم الذكاء الاصطناعي ومدخلاته في العلاقات الدولية، وأصبح جزء من الصراع القائم بين الدول الكبرى، فها هو الآن نرى تنافس الشركات الصينية - الأمريكية على ريادة مجال التكنولوجيا المتقدمة، فمن ناحية تسعى الصين لتغير من تبعيتها للغرب في مجال التكنولوجيا المتقدمة، لتكون مركزا للتكنولوجيا والصناعات المتطورة بحلول عام 2025، لتحل محل التقليدية في الصناعة، وطورت من عدد من المجالات التي تعتمد بها على التكنولوجية ذات الجودة العالية، مثل الطب النووي، وصناعة الفضاء، والمجالات العسكرية، ووسائل التواصل الاجتماعي لتعتمد كلياً على نفسها في كافة المجالات التي تخل بها التكنولوجيا كصناعة وسيطة.

من جانبها، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على ريادتها لهذا المجال عبر شركتها، والحد من النفوذ الصيني في السوق الأمريكي ولاسيما الشركات التكنولوجيا، فعلى سبيل المثال، منعت وزارة التجارة الأمريكية كلا من شركتي هواوي وZTE من استيراد شرائح إلكترونية من شركة أمريكية تسمى "كوالكم"، كما اتهمت واشنطن هواوي بالتجسس بزعم تعاونها مع المخابرات الصينية. ومن جانبها، رفضت الشركة الأمريكية "AT&T"، والتي تعد من أكبر مشغلي خدمة الهواتف المحمولة في الولايات المتحدة، التعاون مع الشركة الصينية في بيع الهواتف المدعومة بنظام أندرويد. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل دعت الولايات المتحدة دول صديقة لها بمنع التعاون مع الشركات الصينية، ولا سيما شركة هواوي.

ماهية الذكاء الاصطناعي؟

يعد الذكاء الاصطناعي أحد فروع العلوم الحاسوبية، واستخدام التكنولوجيا والروبوتات الإلكترونية في مختلف مجالات الحياة، بما فيها المجال البشري ومنافسته ليحقق معدلات قياسية تفوق المعدلات الإنسانية. فعلى سبيل المثال، السيارات ذاتية القيادة، والتي لم يعد للفرد البشري أي مهام بها سوء مراقبتها في الوصول لوجهتها بصورة فائقة، من حيث استخدام الأقمار الصناعية، وتفادي الحدوث. ففي المجتمع الخامس الجديد ( مجتمع الصيد، يليه مجتمع الزراعة ومجتمع الصناعة، والمجتمع المعلوماتي) تنافس الآلة مهام البشر لتصبح لها السيادة في تنفيذها.

ساعد التطور التكنولوجي في تنفيذ المهام الصعبة والتي تحتاج لدقة متناهية يصعب القيام البشري بها، فلو شاهدت فيديو يعرض كيفية عمل مصنع السيارات في مرسيدس، ستذهل عينك من الدقة المتناهية والصعوبة في التنفيذ بجانب السرعة في الأداء في إخراج سيارة متكاملة بدون تدخل العامل البشري إلا في حدود ضيقة.

دلالات التنافس الدولي بمجال الذكاء الاصطناعي

بإدخال الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية، أو يمكن أن نطلق عليه " العلاقات الدولية الرقمية"، عبر تأمين نفسها من خلال الاختراقات السيبرانية سوء جماعات الهاكرز أو الوحدات السيبرانية التابعة لدول في المحيط الدولي.

الاختراق السيبراني الروسي للانتخابات الأمريكية

تعود أزمة الاختراق الروسي للانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي تنافس فيها كل من دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي، ووصيفته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وتم توثيق هذا الاختراق عبر تقارير استخباراتية صدرت عن وكالة الاستخبارات الأمريكية بضلوع روسيا في شن هجوم إلكتروني باختراق المواقع الرسمية للحزب الديمقراطي والجمهوري وتسريب معلومات عبر موقع ويكليكس أضرت بمكانة هيلاري كلينوت على حساب ترامب، وذلك العداء الخفي ما بين بوتين وكلينتون، ولكن موسكو رأت أن من مصلحتها أن ينتزع الحزب الجمهوري البيت الأبيض.

 الصراع الرقمي بين بكين وواشنطن

يبرز التنافس الأساسي في مجال الذكاء الاصطناعي عبر المنافسة بين الشركات الصينية والأمريكية، من خلال التنافس في كافة المجالات ذات القدرات التكنولوجيا العالية والهاي تك، فعلى سبيل المثال، نتج شركة أمريكية سيارات ذاتية القيادة" تسلا"، أعلنت شركة صينية تحمل اسم Le Eco عن اتخاذ خطوة أبعد من ذلك، وأعلنت عن نموذج سيارة كهربائية جديدة بمزايا حديثة يمكن التحكم بها من خلال الأوامر الصوتية.

وبدأ العداء الصريح والمعلن بين الدولتين في 2009، عندما حجبت الصين أغلب المواقع الأمريكية مثل فيس بوك وجوجل ويوتيوب وغيرها، بسبب رفضها الخضوع لبعض القواعد التى يضعها النظام الصيني. وفي 2018 تدخلت الحكومة الأمريكية في منع الاستحواذ على شركة" كوالكوم" الأمريكية، المتخصصة في نظم الاتصالات، عبر شركة سنغافورية تدعى "برودكوم".

 الاحتجاجات الافتراضية والثورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي

منذ انتفاضات ما عرفت بالربيع العربي في المنطقة العربية والتي اندلعت شرارتها بتونس عام 2010، أصبح لدور وسائل التواصل الاجتماعي دوراً هاماً في اختلاق بديل للاعتراضات السياسية بعيداً عن القبضة الأمنية، وأصبحت الساحة الافتراضية ومواقع السوشيال ميديا الشهيرة مثل فيسبوك وتويتر، تمثل متنفس أساسي للاحتجاجات الشعبية في الدول، لاقت على إثرها صعوبة في التتبع الأمني أو المحاصرة السياسية لأعضائها، إذ اتسمت بغياب قيادة بارزة لها.

وخلقت الاحتاجات الافتراضية تحدياً أمام السلطات الأمنية والأنظمة السياسية في السيطرة والتحكم، ومن تونس انطلقت شرارة الثورة إلى مصر وباقي الدول العربية. كما مثلت احتجاجات السترات الصفراء في باريس تحدياً أمام السلطات الفرنسية في إحكام السيطرة عليها، وبرغم خضوع الحكومة الفرنسية لمتطلبات الاحتجاجات إلا أنها ما زالت مستمرة في فرنسا، بل انتقلت لعدد من الدول الأوروبية مثل بلجيكا وبلغاريا. وأصبحت الساحات الافتراضية والشبكات الإلكترونية عامل ضغط تماثل قوة النقابات المهنية والعمالية والأحزاب السياسية، ومن المتوقع أن تحل تلك الساحات محل الأحزاب السياسية في المستقبل القريب من حيث التعبئة والحشد السياسي وتبني أفكار معينة تتنافس بها على اعتلاء السلطة السياسية.

مستقبل العلاقات الدولية أو العلاقات الدولية الرقمية

بامتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي، تستطيع الدول التحكم في العالم من خلال مجموعة من الروبوتات الذكية وبعض البرامج الحاسوبية، ولذا تتسارع الدول الكبرى في اقتناء التقنيات الحديثة بما يؤهلها لكسب مكانة تقدمية في هذا المجال، وتتسارع الدول في تسجيل عدد أكبر من براءات الاختراع. وبرزت في الفترة الحالية عدد من المفاهيم التي تحدد المدخل الجديد مثل المواطنة الرقمية Digital Citizenship والعملات الافتراضية مثل البيتكوين Bitcoin، والأمن الإلكتروني cyber security.

يبدو أن هذا الحقل الجديد بدأت ملامح تشكله بخطوات تنافسية بين الدول الكبرى، والميل أكثر للصراع عن التعاون، لإدراكها بأن الاستحواذ التقني بهذا المجال تعني سيادة العالم. ولأن مجال العلاقات الدولية يشوبه الكثير من التفاعلات الصراعية في أية مجال منذ بدء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، من حيث الاختراق الفضائي، وإنتاج الأسلحة النووية، ومحاولة كل دولة بالانفراد في أية مجال جديد يطرأ على الساحة الدولية.

ولكن يطرأ على مجال العلاقات الدولية الرقمية عامل آخر جديد يتمثل في قدرة الجماعات الإرهابية أو المتطرفة في اقتناء مثل تلك التقنيات والتي تستطيع بها مساومة الدول أ, تهدي الأمن العالمي.

ولم يقتصر التسابق في مجال الذكاء الاصطناعي على الدول الكبرى بل سارعت الدول المتوسطة وغيرها من الدول في اقتناء البرمجيات الحاسوبية عالية التكنولوجيا، فعلى سبيل المثال الإمارات العربية المتحدة دخلت على خط المنافسة الدولية، ففي أكتوبر 2017، أطلقت الحكومة استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي (AI)، وتمثل هذه المبادرة المرحلة المستقبلية للحكومة الرقمية، وترغب من خلالها تحويل جميع الخدمات لتقديمها عبر البرامج الحاسوبية، وترغب الإمارات أن تصبح جميع خدماتها إلكترونية بحلول 2030.

على الجانب الآخر، من المقلق بما يخص الذكاء الاصطناعي هو استغلالها من جانب الجماعات الإرهابية في تصميم برامج حاسوبية تخترق القواعد البيانية الخاصة بالشركات الحكومية أو الشركات الهامة والبنى التحتية، أو تصميم مقاتلات بدون طيار، وهو ما ثبت تنفيذه عبر جماعات إرهابية من خلال استخدام الدرونز. إضافة إلى إحلال الروبوتات الذكية محل القوى البشرية بما يهدد مستقبل العمالة البشرية والتنبؤ بمزيد من معدلات البطالة، بما لها من تبعات سلبية على المجتمع وانتشار معدلات الجريمة والفقر.



اضف تعليق