نحس وحرائق ولعنات.. في روح العمل الفني وعدوى المشاعر


٠٨ يناير ٢٠١٩ - ١٠:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

إن ما تحويه اللوحات الفنية المصنوعة بدقة وإتقان، من جمال يخطف الألباب ويقترب من الحقيقة، ويتجاوز حدود الخيال يجعل من اللوحة عملًا فنيًا متكاملًا لا يحتاج سوى نفث الروح فيه لتدب فيها الحياة.

ومن تجليات الجمال الفني الذي يلامس المتلقي والمتذوق، روح الرسام وطاقته التي ثبت أنها تنتقل من خلال العمل الفني الذي يصنعه إلى المتلقي سواء كان هذا العمل صنع في ظروف قاسية أو أخرى جيدة عايشها الفنان .

بإمكان المتذوق للعمل الفني أن يستشعر نبض اللوحة بسوداويتها أو بفجرها الوردي بأحاسيسها الإيجابية والسلبية على السواء، بعواطفها وطاقتها بمعانيها التي تعكس الحزن والإحباط والأسى والخوف والبكاء تارة والفرح والأمل تارة أخرى.

وانطلاقًا من قدرة العمل الفني على نقل الأحاسيس، فمن الممكن في هذه الحالة قبول فكرة أن تحوي مثل هذه اللوحات "لعنات"، نعم لعنات قد تلاحق ماليكيها وتؤدي إلى هلاكهم!

يطلعنا التراث الفني والثقافي على قصص لا تعد ولا تحصى تحكي عن لعنات الفراعنة والمومياوات، وكذلك نقل لنا التراث قصصًا عن أغراض "ملعونة" تعود لأناس قتلوا بشكل مأساوي أو تعرضوا للتعذيب، فقرروا أن يصبوا لعناتهم على الأحياء من أولئك الذين يفكرون في الاقتراب من أماكنهم أو  أغراضهم. 

وقد سمعنا الكثير حول الأماكن الملعونة التي لا يخرج زوارها أحياء، بيد أن الحكايات التي نقلت لنا لعنات اللوحات الفنية كانت قليلة ونادرة اقتصرت على لوحتين شهيرتين كـ"الطفل الباكي" -على تنوعها- والتي اشتهرت بتسببها في إشعال الحرائق والنار في مكان تواجدها أو تلك التي تحدثت عن لوحة "الرجل المعذب" الشهيرة والتي رسمت بالدم. 

فهل يمكن أن تكون اللوحات مسكونة حقًا؟ 

الهروب من اللوحة



بدأت لوحة بيل ستونهام التي رسمها عام 1972 رحلتها مع الغموض والرعب بعد أن أحدثت كمًّا رهيبًا من الوفيات المريبة بين كل من كان لهم علاقة بهذه اللوحة من قريب أو من بعيد. 

وعلى الرغم من أن معظم لوحات بيل تميزت بالغموض إلا أن لوحة (الأيدي تقاومه) كانت أكثرها ريبة، وتصور اللوحة الفنان نفسه وهو صغير يقف إلى جانب دمية ذات ملامح مريبة، ومن خلفه نافذة تظهر فيها أيادٍ تمتد من الظلام تحاول استمالة الطفل إلى الجانب المظلم. 

حققت اللوحة نجاحًا منقطع النظير، وعرضت في معرض فني بكاليفورنيا، بيد أن أول من ذهب ضحيتها كان صاحب المعرض، الذي مات في ظروف غامضة، لحق به أحد النقاد الذين كتبوا نقدًا عنها، كما توفي أحد الممثلين المغمورين بعد شرائه للوحة، وكلهم ماتوا في أقل من عام.

في عام 2000 ظهرت اللوحة مجددًا على موقع (إي باي) المختص بالبيع والشراء، حيث كانت معروضة للبيع وقد كتب البائع في إعلانه هذه الرسالة المرعبة:- 

خلف مصنع للجعة وجدتُ هذه اللوحة، واستغربتُ كيف لم يقدر أحد قيمة هذا العمل الفني، وتساءلتُ: لماذا ألقيت في الطريق؟ وبعد فترة توقفت عن التساؤل بعدما أحضرت اللوحة معي إلى البيت، وفوجئت بابنتي ذات الأربع أعوام تخبرني بأن الطفل والدمية في اللوحة يتحركان في الليل وهناك مطاردة تجري بين الفتى الذي يحاول الهروب من اللوحة والدمية التي تحاول إرجاعه بالقوة.

في البداية لم أصدق ابنتي لكني بعد إلحاح ثبت كاميرا  أمام اللوحة ليلًا، وبعد عدة أيام فوجئت بصور ظهر فيها الفتى الصغير وهو يتحرك محاولًا الخروج من اللوحة، وكانت الدمية تحاول منعة وبدت غاضبة، بعد رؤيتي لهذه الصور خفت كثيرًا  وقررت التخلص منها وبيعها. 

وأضاف، "قبل أن تزايدوا على اللوحة يجب أن أحذركم بأن أصحاب القلوب الضعيفة لا يجب أن يشتروا هذه اللوحة، ومن يعرف رجل دين مشهور يمكنه أن يساعدنا في تطهير منزلنا فأرجو أن يتصل بنا". 

سوداوية مونك


استطاعت سوداوية الرسام النرويجي "إدوارد مونك" أن تدخله إلى عالم الرعب والغموض من أوسع أبوابه عبر لوحتين شهيرتين له " الصرخة" و"الأم الميتة".

عاش مونك طوال حياته وحيدًا حزينًا كئيبًا، وتناول في لوحاته مواضيع المرض والموت والبؤس والضياع، وخلد مونك ذكرى والدته التي ماتت بالسل أمام عينيه وهو طفل في الخامسة من عمره في لوحة شديدة الكآبة سماها "الأم الميتة".

وكانت اللوحة منبعًا للحزن والكآبة لكل من يراها، حيث تبعث في النفس الأسى فهناك سيدة ميتة ممدة على سرير وحولها الأسرة وقد بدت مشاعر الهلع والفزع عليهم.

ويقال إن العديد ممن امتلكوا اللوحة أقسموا بأن عين الفتاة في الصورة تتحرك وتطاردهم بنظراتها، هذا خلافًا عن شعور الكآبة الذي ينبعث من اللوحة، وذهب البعض إلى أن الفتاة في الصورة تحاول الهرب ليلًا من هذه اللوحة الكئيبة.

وفي "الصرخة" أحد أشهر لوحات مونك على الإطلاق والتي استمدت منها سلسلة أفلام رعب شهيرة استطاع مونك أن ينقل معاناته وهلاوسه عبر هذه اللوحة "المنحوسة" إذ يشعر كل من يراها بكم هائل من البؤس والألم والكآبة.

مقطوع الرأس



في عام 1990 رسمت لورا بي لوحة مستلهمة من إحدى الصور الفوتوغرافية التي وصلتها عبر البريد، وصورت هذه اللوحة منظرًا لعربة قديمة يقف إلى جانبها رجل مقطوع الرأس يلف جسده ضباب كثيف.

احتفظت لورا باللوحة في مكان عملها، بيد أن زملاءها كانوا يشعرون بالقلق والاكتئاب والذعر الدائم بمجرد النظر إلى اللوحة، وزعموا أنها تتحرك من تلقاء نفسها مهما حاولوا ثتبيتها في الحائط، وبسبب تكرر شكواهم منها نقلت الرسامة اللوحة إلى منزلها، لكن عائلتها ايضًا اشتكت من اللوحة وزعم بعضهم أنها تصدر أصواتًا غريبة في الليل، وزعم والد لورا أنه رأى الرجل المقطوع الرأس في الحقيقة يقف عند شرفة المنزل.

والأغرب من كل هذا كان بعد زيارة إحدى صديقات لورا لها، وسخريتها من اللوحة وسرعان ما ماتت هذه الأخيرة بعد أن سقطت ساعة كبيرة على رأسها بعد دخولها إلى منزلها عقب الزيارة مباشرة.

صعقت الرسامة من خبر مقتل صديقتها، وقررت التخلص من اللوحة فباعتها لأحد الفنادق في تكساس، ولم يمض الكثير من الوقت حتى اشتكى نزلاء الفندق للإدارة حيث شعر الكثير منهم بالاكتئاب والغثيان والرغبة في الانتحار بمجرد النظر إلى اللوحة، وقد حاولت إحدى النزلاء الانتحار لكن تم إنقاذها في اللحظات الأخيرة.

اللوحة المنحوسة



في عام 1864 رسم الفنان أدوين لاندسر  لوحة تحت عنوان "العبد بالتفكير والرب بالتدبير" صور فيها النهاية المأساوية المتخيلة لرحلة السير جون  فرانكلين الاستكشافية، التي انتهت إلى مصير غامض بعد اختفاء القبطان هو ورجاله وسفينته لعشرات السنين ولم يتم العثور عليهم ، وفي اللوحة يظهر القبطان وبحارته وقد تحولوا  إلى طعام للدببة القطبية، اللوحة تقول لنا باختصار أنه مهما بلغ الإنسان من حضارة وقوة فأن الإرادة الإلهية وقوى الطبيعة قادرة على تهزمه.

لازم النحس اللوحة في كل مكان عرضت فيه على مدار سنوات، حيث قيل أنها عرضت في جامعة لندن وكان أي طالب يجلس تحتها يصاب بالجنون وأي طالب يجلس بالقرب منها يرسب في الامتحان، وقامت الجامعة بتغطية الصورة بالعلم البريطاني تجنبًا لنحسها الذي يطارد الطلاب، ويقال أيضًا أن اللوحة تسببت في عدد كبير من حالات الانتحار بين الطلبة.

الرجل المكلوم


لا تختلف قصة لوحة "الرجل المعذب" كثيرًا عن سابقاتها، فقد رافقت اللوحة لعنات وأحداث غريبة تعرض لها مالكها "شون" وعائلته.

واللوحة تصور رجلًا غريبًا فاغرًا فاه كأنه يتأوه ويصرخ من شدة الألم، وكانت اللوحة موحشة وتبعث على الكآبة.

يقال: إن هذه اللوحة رسمت بدم رسامها، حيث كان يغمس فرشاته في دمه مع الألوان ويمررها على القماش ليصنع خطوطًا تقطر أسى.

رافق وجود اللوحة في منزل أصوات غريبة وآهات وصرخات مكتومة مسموعة وأحلام وكوابيس وخيالات لرجل مكتئب يتجول في أنحاء المنزل.

وقام صاحب المنزل بتعريض اللوحة لكاميرا ليراقب ماذا سيحدث ونشر مقطع فيديو على اليوتيوب كتب فيه: "نقلت اللوحة مرة أخرى إلى غرفة النوم العليا. ضبطت كاميرا الفيديو لأعلى وسجلت لثماني ساعات على مدى ثلاث ليال متتالية، بعد أن أمضيت عدة ساعات أبحث في اللقطات هذا ما وجدته: كان هناك العديد من الأصوات الأخرى المسجلة، ولكن يبدو أنها جاءت من الخارج، كانت مختلفة، بعد وقت قصير من تحريك اللوحة رأيت ضبابًا غريبًا على قمة الدرج أحاط بي وشعرت بالذعر والقلق".

الطفل الملعون


لوحة الطفل الباكي هي إحدى اللوحات الواسعة الانتشار والذائعة الصيت فيما يختص باللعنات.

رسم اللوحة فنان إيطالي يدعى "برونو أماديو" فبينما برونو يتجول في الطرقات لمح طفلًا باكيًا يجلس على قارعة الطريق، كان الطفل يتيمًا وجائعًا فاصطحبه برونو معه إلى مرسمه ليقوم برسمه.

حققت اللوحة التي رسمها برونو للطفل نجاحًا منقطع النظير، حيث بيعت بشكل كثيف وتلاها سلسلة كبيرة من لوحات لأولاد وبنات صغار يبكون على نفس شاكلة اللوحة الأصلية.

يقال: إن هذه اللوحة وكل شبيهاتها سواء لفتيات أو فتيان تصاحبها "لعنة" تتجسد باشتعال الحرائق والنيران في المنازل والبيوت التي يقتني أصحابها هذه اللوحة.

وتعود اللعنة إلى قصة الطفل اليتيم الباكي الذي كان ابنًا لإحدى العائلات العريقة المرموقة والغنية، ولكنه كان طفًلا ملعونًا، كلما لمست يداه شيئا شبّت فيه النيران، وكان الطفل سببًا في اشتعال حريق كبير في منزله تسبب في احتراق كل أفراد عائلته وموتهم.

في عام 1985 نشرت صحيفة "ذا صن" البريطانية بأن هناك رجل إطفاء يدعي أن نسخًا غير محترقة من لوحة "الطفل الباكي" كانت توجد في عدد كبير من البيوت المحترقة، وأكمل بأنه ليس هناك رجل إطفاء يسمح بدخول هذه اللوحة إلى منزله، وفي الشهور اللاحقة قامت الصحيفة بنشر سلسلة من التحقيقات حول أناس كان يمتلكون اللوحة وتعرضوا لاحتراق منازلهم.

عدوى المشاعر


إن العمل الفني الناجح هو ذلك القادر على أن تلتبس مكنوناته وتذوب في ثناياه بكليتك، فتتفاعل معه ويلامس من قلبك وعقلك الكثير، وليست هذه اللوحات على اختلافها وتعدد الحكايات المرعبة حولها سوى أعمال فنية أبدع صانعوها في إيصال المعنى لدرجة فاقت التصور.

ولا يسعنا سوى القول إنه ليس هناك شيء أكثرغرابة من تلك النفس البشرية المبدعة القادرة على بث الحزن والخوف والألم والفرح والبهجة والأمل على السواء في نفوس غيرها.

ولا يمكننا أن ننسى أن "المشاعر" والانفعالات عدوى سريعة الانتقال لنتساءل: ترى أي إلهام ينزل على الرسامين؟ وأي قوى خفية تحركهم لرسم لوحاتهم وخط مكنوناتهم لتصلنا بهذه القوة؟!




اضف تعليق