"تهويل النفوذ الإيراني".. بديل السياسة الأمريكية الفاشلة


١١ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:١٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود رشدي
 
بات يتردد على مسامعنا في الآونة الأخيرة الكثير من تصريحات الإدارة الأمريكية والتي ترى أن أخطر ما يهدد المنطقة هو النفوذ الإيراني، ومؤخرًا أعلن مايك بومبيو، أثناء جولته الأخيرة بالشرق الأوسط، أن السياسة الأمريكية ثابتة، وفي طريقها لتشكيل تحالف قوي لصد إيران، متغافلًا تمامًا الصعود الروسي في عدد من دول المنطقة، وعقد صفقات عسكرية ما بين دول إقليمية وروسيا من ضمنها دولة عضو في حلف الناتو (تركيا)، إضافة لأزمتها مع أوكرانيا والتي أفضت لضم شبه جزيرة القرم التابعة للأخيرة.
 
ثمة تغير طرأ على السياسة الأمريكية في الساحة الدولية بوجه عام، ومنطقة الشرق الأوسط بوجه خاص. ولأن السياسة الأمريكية ترتكز على خلق أخطار دولية تكسب بها داعمين على مستوى الداخل والخارج؛ فتمثل الخطر الحالي في التصدي للنفوذ الإيراني بالمنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تعد تصريحات الإدارة الأمريكية عن النفوذ الإيراني فشلًا في السياسة الحالية؟
 
والإجابة على هذا السؤال تكمن في تعظيم الولايات المتحدة من القوة الإيرانية وأخطارها على المنطقة، وفي المقابل تغض الطرف عن عدة أخطار متصاعدة، أخطار تفوق النفوذ الإيراني المتزايد، من بينها الدور الروسي المتعاظم بالمنطقة، والقضية الفلسطينية؛ التي تعد قنبلة موقوتة تنفجر بين الحين والآخر، كما أنها تعد العامل الأساسي لتكوين تنظيمات إرهابية تخلق روايات إرهابية تجذب بها الشباب العربي، مثل تنظيم داعش، الذي أصدر كتابًا بعنوان "إدارة التوحش... أخطر مراحل الأمة"، سرد فيه أهدافه -ولو كانت رمزية- منها مناصرة الشعب الفلسطيني.
 
الحرب الباردة.. مواجهة الاتحاد السوفيتي
 
مثلت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بداية لإعلان القطبية الثنائية في بنية النظام الدولي، وتقاسمت على إثرها الدول ما بين المعسكر الشرقي التابع للاتحاد السوفيتي وإعلان الاشتراكية، وما بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والنظام الرأسمالي، بجانب دول عدم الانحياز. وعرفت تلك المرحلة مفاهيم تميل أغلبها للجانب الصراعي من العلاقات الدولية مثل حروب الوكالة والردع النووي وميزان الرعب.
 
وارتكزت مرحلة الحرب الباردة على عدم المواجهة المباشرة ما بين القوتين العظمتين، لإدراك كل منهما أن الحرب المباشرة فيما بينهما سيكون فيها هلاك الأخرى تماما، وإزالة أثرها من على سطح الكرة الأرضية، ويرجع ذلك لامتلاكها القنابل النووية، بل والأكثر فتكًا منها فيما عرفت بالقنابل الهيدروجينية، والتي يصل تأثيرها أضعاف مضاعفة عن القنبلة النووية.
 
ما بعد الحرب الباردة.. ومفاهيم الإرهاب والتدخل الإنساني
 
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، تحول النظام العالمي أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، والتي حاولت خلالها القضاء على أي تهديدات مستقبلية، والشروع في تبني الدول للنظام الليبرالي ومبادئ الديمقراطية بكافة السبل السلمية وغير السلمية، للتأكد من تبعيتها لها، وفرضت عقوبات اقتصادية وأحيانًا أداتها العسكرية على الدول المارقة والتي اعتبرتها أمريكا مناهضة لمبادئ الديمقراطية مثل ليبيا في عهد القذافي (عقوبات اقتصادية)، والحرب على العراق 2003 (الأداة العسكرية).
 
وفي القرن الحادي والعشرين، أولت الولايات المتحدة اهتمامًا كبيرًا بالحرب على الإرهاب، ولاسيما بعد تفجيرات 11 سبتمبر بنيويورك، وتغيرت حدة السياسة الخارجية الأمريكية لتصبح أكثر ميلًا نحو الأداة الصلبة، وهو ما كان واضحًا في خطاب جورج بوش الابن "إن الدول التي ليست (مع) الولايات المتحدة فهي (ضدها)".
 
كما تغيرت أهداف حلف الناتو عقب الاتحاد السوفيتي، إلى الحرب على الإرهاب والتدخل لفض النزاعات الدولية، والتدخل الإنساني متجسدًا في تدخل الناتو في كوسوفو، وتوسع الحلف ليشمل أهداف خارج الدول الأوروبية مثل التدخل في أفغانستان والصومال، إضافة إلى أن أهم أسباب استمرار الحلف، هو الاستعداد خوفًا من تنامي القوة السوفيتية مرة أخرى.
 
ملامح النظام العالمي الجديد.. وفشل الولايات المتحدة في إدارة الصراعات
 
بدأت تتضح ملامح النظام العالمي الجديد إبان الأزمة المالية العالمية 2008 وأزمة الديون السيادية لعام 2009، وتجلت ارتداداتها على حجم الديون مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي والذي تخطى حاجز 100% في دول مثل اليونان وإيطاليا، وقاربت على إتمامه في دول مثل إسبانيا وفرنسا، الأمر الذي ألزم على الحكومات انتهاج إجراءات أكثر تقشفية. في حين لم تتأثر دول النمور الآسيوية بل وحققت معدلات نمو كبيرة، ما جعل البعض يطلق عليه "قرن الآسيويين".
 
وفي المقابل، عادت القوة الروسية مرة أخرى لمكانتها على الساحة الدولية عبر عدة أزمات، حاولت روسيا بها التصدي لنفوذ الناتو في شرق أوروبا، ومنها التدخل العسكري في جورجيا 2008، والأزمة الأوكرانية لعام 2014، وتخطته لتمارس إرثها السوفيتي عبر دخولها في الصراع السوري 2015. والآن يمكننا الحديث عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تشكل كل من الصين وروسيا أدورًا رئيسية به بجانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
 
لماذا يعد تعظيم النفوذ الإيراني فشلا للسياسة الأمريكية؟
 
وفقًا لما أوردناه بالسابق، فإن القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلف الناتو كانت موجهة بالأساس لتدمير أي قوى كبرى تنشأ مخالفة للنظام الرأسمالي وعلى رأسها الدول الاشتراكية، والدول المارقة والتي عارضت النظام القطبي الأمريكي. ومنذ الأزمات التي استعادت، عبرها، روسيا مكانتها الدولية؛ لم تتخذ الولايات المتحدة أية قرارات حاسمة سوى العقوبات الاقتصادية، وبرغم تأثر الاقتصاد الروسي بها عامي 2015 و 2016، إلا أن البنك الدولي يتوقع أن يستعيد الاقتصاد الروسي عافيته من تلك الأزمات ويحقق النمو مرة أخرى.
 
وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط والتي هي محور الحديث؛ والتي كانت مليئة بالصراعات والخلافات بين دولها الإقليمية والحروب الأهلية. فقد انتظر العالم أجمع الانتخابات الأمريكية عام 2016 بين الرئيس الحالي دونالد ترامب، ومرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، ليتعرف على القرارات الأمريكية بشأن الصراعات بالمنطقة، ولذا تخوفت روسيا من انتصار هيلاري كلينتون، والتي كانت تقوم على منافسة دورها بالمنطقة، ودعمت، عبر اختراقها السيبراني للانتخابات الأمريكية، المرشح ترامب، سواء كان لعدم إدراكه بالدور الروسي المتصاعد بالنظام العالمي، أو أن إيمانه بـ"الشعبوبية" جعله ينعزل عن ممارسة أدوار دولية كبرى، أو لعدم وعيه الكبير بديناميكية السياسة الخارجية الأمريكية، جعله يسئ اختيار قراراته فيما يتعلق بالدور الروسي.
 
ولذا أثارت قرارات ترامب الأخيرة المتعلقة بالانسحاب من المنطقة حفيظة الحلفاء الإقليميين من ضمنهم إسرائيل، بالإضافة إلى وزير خارجيته جيمس ماتيس، الذي أعلن استقالته فور إعلان الانسحاب، لإيمانه بضرورة الدور المنوط بالولايات المتحدة بالمنطقة تجاه قضايا عدة من ضمنها الدور الروسي المتصاعد، والنفوذ الإيراني، ودعم إسرائيل، بجانب حلفائها العرب.
 
ولذا تراجعت الإدارة الأمريكية حينًا عن قرارها، وأعلنت أن الانسحاب لم يحدد له جدول زمني، وأعلنت مرة أخرى أن انسحابها يشمل ضمانات تركية لحماية الأكراد، الأمر الذي أزعج تركيا، وأعلنت أنها ستدخل الشمال السوري للقضاء على الجماعات الإرهابية؛ تقصد بها الأكراد.
 
وفي الأسبوع الماضي، حاولت الإدارة الأمريكية إلمام ما أصابها من تخبط شديد تجاه سياستها بالمنطقة، ما جعل البعض يصفها بـ"الرعونة السياسية"، وبعثت وزير خارجيتها مايك بومبيو ليعلن أن الوجود الأمريكي ثابت بالمنطقة ومرهون بمحاصرة النفوذ الإيراني وقضايا الإرهاب، ولم يتوجه بكلمة وحدها للدور الروسي، والذي هو أولى بالمواجهة بالمنطقة حفاظًا على مصالحها وحلفائها، وليس النفوذ الإيراني والذي يواجه التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بحزم في اليمن.
 
وختامًا، فمن المرجح أن الإدارة الأمريكية تستعيض عن فشلها في الشرق الأوسط، فإبراز دور جديد لها بالمنطقة، لمواجهة إيران، ومن الممكن أن تنسحب من هذا الدور الجديد لها نهائيًا من المنطقة، أو أنها ارتأت لنفسها دورا ثانويا في مواجهة دولة متوسطة لا تلك سوى عدة مليشيات لها تثير بهم غضب الشعوب العربية. وبالمقابل تعي روسيا مجددا لدورها المتزايد، وتحكم قبضتها العسكرية يداها على سوريا، وتعرف جيداُ كيف توسع أو تقلل من الدور الإيراني بها.



اضف تعليق