التطرف في فرنسا .. تحديات جمة لفرضِ الأمن


١٢ يناير ٢٠١٩ - ٠٩:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

كتب ـ جاسم محمد

تمثل أوروبا الحاضنة والملاذ الآمن للجماعات المتطرفة والتي نجحت في تأسيس شبكة علاقات من جنسيات مختلفة، تداخلت فيها المصاهرات السياسية بالعلاقات الشخصية، وجمعتها الخطط والأهداف، وامتدت نشاطاتها في أوروبا عبر مؤسسات ومراكز كثيرة وحصلت على الدعم من الدول الداعمة للجماعات المتطرفة، والتنظيم الدولي للإخوان. ما تهدف له هذه الجماعات هي أسلمة المجتمعات الأوروبية.

شهدت الساحة الفرنسية ثلاثة أطراف فاعلة على صعيد تنظيم الإسلام غير الرسمي منذ الستينيات وحتى الوقت الراهن، أولها دول المنبع الرئيسية للجاليات المهاجرة وهي تركيا والجزائر والمغرب في ضوء أن 80% من مسلمي فرنسا البالغ عددهم حوالي 5 ملايين نسمة ذوو أصول مغاربية، فضلًا عما يقرب من نصف مليون تركي تتولى الحكومة التركية إدارة شئونهم.

كانت بداية الهجرة العربية الإسلامية إلى فرنسا منذ بداية القرن العشرين منحصرة في بضعة آلاف من الجزائريين، ولكن الهجرة المكثفة بدأت في عقدي الخمسينيات والستينيات عقب استقلال دول المغرب العربي فيما أطلق عليها الهجرة الاقتصادية. وكان الإسلام يمثل آنذاك بالنسبة لفرنسا ظاهرة ثقافية يجب احتواؤها بيروقراطيًّا من خلال ترك مهمة تأطير الجاليات المهاجرة لدول المنبع الرئيسية، وهي الجزائر والمغرب وتركيا (باعتبارها منبع الهجرة الرئيسي) التي كانت توفد مدرسيها وأئمتها للحفاظ على هوية جالياتها. كما كان هدف تلك دول الرئيسية السيطرة على الفضاء الديني الخارجي المتمثل في الجاليات وتأميم خطابها السياسي بما يتماشى مع الخط العام لأنظمتها السياسية.

الجماعة الإسلامية المغربية المقاتلة

 وهي أهم منظمة عاملة في أوروبا حاليا، تزعمها ”عبدالقادر حكيمي” 39 عاما، تشكلت في عام 1997 على يد مجموعة من قدامى المجاهدين الذين شاركوا في معسكرات الجهاد في أفغانستان، وبعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام طالبان في أفغانستان عام 2001، تفرقوا وعاد البعض منهم إلى الوطن، والبعض الآخر سافر إلى بلجيكا وبعض الدول الأوروبية، حيث اندمجوا في جاليات المهاجرين المغاربة سريعة النمو، وتقول السلطات البلجيكية: إن “عبدالقادر حكيمي” تحرك في عدة دول خارج وداخل أوروبا بواسطة العديد من الهويات المزيفة.

الحرب الأهلية الجزائرية

 
كانت تمثل الصراع المسلح بين الحكومة الجزائرية وفصائل متعددة وصفت بأنها تتبنى أفكار الإسلام السياسي منها الجماعة الإسلامية المسلحة والجبهة الإسلامية للإنقاذ والحركة الإسلامية المسلحة والجبهة الإسلامية للجهاد المسلح وفصائل أخرى والذي بدأ عام 1991.

بدون شك، أثرت الحرب الأهلية في الجزائر على الداخل الفرنسي، بسبب العامل الديموغرافي، بوجود الجالية، باعتبار الجاليات المغاربية وخاصة الجالية بحكم التاريخ. وبسبب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية في أعقاب الحرب الأهلية، دفعت بالكثير من الجماعات الإسلاموية بالتوجه نحو فرنسا، للحصول على الحماية، بتقديم طلبات اللجوء. موجات الهجرة من الجزائر إلى  فرنسا، ساعدت هذه الجماعات في بناء جمعياتهم الخاصة، وتجمعاتهم، واستطاع الكثير منهم في إعادة انشطتها وأمام أعين الحكومة الجزائرية.

تم تفكيك الجماعة فى فبراير 2012 بأمر ”كلود غيان” من وزير الداخلية الفرنسي السابق، بتهمة دعواتها الاستفزازية والتحضير لاعتداءات في فرنسا، اعتقلت السلطات الفرنسية فى مارس 2012 الشملان ورفاقه في مختلف أنحاء فرنسا التي كانت تشهد حملات الانتخابات الرئاسية، وتم ضبط أسلحة لديهم، رحلت السلطات الفرنسية فى فبراير 2013 علي بن حمو إلى المغرب لاتصاله بجماعة “فرسان العزة” المتشددة، بدأ القضاء الفرنسي في يونيو 2015 بمحاكمة (15) عضوا من مجموعة ’’فرسان العزة‘‘.

يقول ”لوران نونيز” -مدير الاستخبارات الداخلية الفرنسية في نوفمبر 2017- إن نحو 18 ألف شخص مدرج على قوائم مراقبة فرنسية اشتباهًا في تطرفهم، وإن العدد في تزايد، وأضاف نونيز أن من بين 18 ألف اسم مدرج على قوائم المراقبة هناك (4000) يخضعون لرقابة نشطة، وكان عدد ممن شنوا هجمات في فرنسا خلال السنوات الأخيرة مدرجين على قوائم مراقبة متطرفين.

تمكنت التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة من استقطاب الكثيرين من الشباب في أوروبا، من خلال استغلال عدة أسباب منها البحث عن الهوية، وتحظى هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة بدعمٍ كبيرٍ يُمكنها من استخدام عدة وسائل أخرى للاستقطاب منها المساجد والسجون وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تواجه فرنسا تحديات كثيرة لفرضِ الأمن على أراضيها، من بين هذه التحديات العائدون من مناطق الصراعات، لاسيما في سوريا والعراق، كما أنَّ هناك تحديًا أكبر يكمُنُ في العناصر المتطرفة المعتقلة بالفعل داخل السجون الفرنسية بتهمة الإرهاب، والتي أنهت أو قاربت على إنهاء مدة عقوبتها، لذلك اتخذت السلطات الفرنسية العديد من السياسات لمواجهة الجماعات المتطرفة من خلال تجفيف منابع التطرف و فرض تدابير أمنية مشددة، لكن رغم ذلك فإن فرنسا إلى جانب دول أوروبا، ما زالت تواجه تحديات كبيرة خاصة في نزع "الأيدلوجية المتطرفة"، وينتظر فرنسا وأوروبا تحديات كبيرة في محاربة التطرف والإرهاب.



الكلمات الدلالية التطرف فرنسا

اضف تعليق