في مواجهة الظلام.. "خطاب التسامح" سلاح الإمارات لنبذ التطرف والإرهاب


١٢ يناير ٢٠١٩ - ١٢:٠٤ م بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين  

تعد قيمة التسامح إحدى القيم الإنسانية الأسمى على الإطلاق، فهي الأساس القويم بلا منازع في بلوغ السلام وبناء الأوطان والحضارات، وهي المفتاح الأوحد والأول للحرية والنجاح، والسلاح الأقوى لمواجهة ظلامية التطرف والإرهاب.

وقد أدى غياب التسامح إلى انهيار الحضارات الإنسانية، وانتشار العنف، والانخراط في سلسلة حروب عبثية أفرزت مجتمعات مريضة، قوامها التطرف والتمييز وإقصاء الآخر ونبذ الاختلاف، وكلها معانِ من شأنها أن تهدم معابد العلم والعمل على السواء، وتمثل بيئة خصبة للجهل والعنف وعودة صريحة لظلمات القرون الوسطى.

لم يكن إعلان الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2019 عامًا للتسامح، محض شعار جزافي يخلو من المعنى، بل كان مبدءًا يرسخ لرؤية "دولة" طمحت ولا تزال أن تصبح عاصمة عالمية للتسامح .

دولة أكدت على التسامح كقيمة وفلسفة وإرادة مستدامة قادرة على بناء مجتمعات تقبل الآخر وتشجع الانفتاح وتنبذ العنف بكافة أشكاله.

فمنذ تأسيسها تبنت دولة الإمارات "التسامح" نهجًا ودعمته خطابًا قادرًا على بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات على اختلافها في بيئة "منفتحة " تحتضن الاختلاف وتحترم الآخر.

لقد كان التسامح ولا يزال القيمة الأسمى التي توارثها قادة الإمارات لمد جسور الخير والسلام للعالم أجمع.

ليس مجرد شعار

كان ترسيخ "التسامح" فكرة طموحة خلاقة تبنتها الإمارات امتدادًا لنهج الوالد المؤسس "زايد بن سلطان آل نهيان" في سعيها لبناء عمل مؤسسي مستدام وسن سياسات وتشريعات تهدف إلى تعميق قيم الحوار، الذي هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات واستقرارها وسعادتها.

لم يكن الشعار الذي أُعلن عنه في أواخر العام الفائت بلا معنى بل رافقته خطة محكمة للعمل في عدة محاور كان أولها تجسيد قيمة التسامح عمليًا على الأرض، والذي توج بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي بإطلاق اسم "مريم أم عيسى" على مسجد الشيخ محمد بن زايد في منطقة المشرف بأبوظبي، والذي كان ترسيخًا لمعنى التسامح والصلات بين أتباع الديانات المختلفة.

وتعد زيارة بابا الفاتيكان المرتقبة في فبراير المقبل إلى أبوظبي، والتي ستعقد تحت عنوان "الأخوة الإنسانية" إحدى أهم الخطوات على طريق ترسيخ مفهوم التسامح والتعايش والسلام بين الديانات المختلفة .

مبادرات وتشريعات

كان للإمارات السبق في تحويل "التسامح" إلى عمل مؤسسي باستحداث وزارة التسامح ومنصب وزير التسامح، والتي انطوت على رسالة قوية عكست رغبة حثيثة في مكافحة التمييز والكراهية وتجريم كل الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان والمقدسات، ورافق إعلان الوزارة عدة مبادرات لتعزيز الحوار كالبرنامج الوطني للتسامح وجائزة محمد بن راشد للتسامح والمعهد الدولي للتسامح".

ولأن التسامح لن يؤتى أكله إلا بالتركيز على الأجيال الجديدة، أولت الدولة أهمية كبيرة للنشء بغية ترسيخ هذه المبادئ لدى الجيل الجديد، من خلال تعميق قيم التسامح والانفتاح على الثقافات والشعوب في المجتمع ككل، وفي المؤسسات التعليمية بشكل خاص وبين طلاب المدارس والجامعات، من خلال توفير برامج تعليمية وتثقيفية حول قيم التسامح وتفعيل النوادي الطلابية في الجامعات للاحتفاء بالثقافات التي تعكس التنوع الحضاري وتقبل الآخر.

وكان المطلب الأساسي خلف كل ذلك هو ترسيخ مكانة الدولة "كعاصمة للتسامح" من خلال سلسلة من المشاريع والمبادرات والأبحاث والدراسات الثقافية التي تُعنى في المقام الأول بانتهاج فلسفة الحوار بين الحضارات وتعزيز خطاب التسامح كأساس لبناء أوطان خالية من العنف والإرهاب.

وكأحد أهم مستهدفات العام تضع اللجنة الوطنية العليا مجموعة من السياسات والتشريعات واللوائح التي من شأنها أن تضمن استدامة قيم التسامح والحوار كمنهج ورسالة ومهمة حضارية.

تخليص الإسلام من خاطفيه

تعد قيمة التسامح العمود الأساسي الذي يرتكز عليه الخطاب الديني في الإمارات، ومنه تهدف الدولة إلى تجسيد سماحة الإسلام الحنيف ومحاربة التطرف وتأسيس مشروع إسلامي كبير لتخليص الإسلام من خاطفيه.  

فالإسلام يدعو إلى العفو والتسامح ويظهر ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فهو دين التعايش والتسامح، وهو برئ من كل الضلالات التي الصقتها به الجماعات المتطرفة.

إن جهود الإمارات في نشر ثقافة التسامح، وتعزيز السلم لا يمكن لأحد إنكارها، فما أحوجنا اليوم إلى "التسامح" كقيمة دينية واجتماعية قادرة على مواجهة المخاطر المتصاعدة التي تعاني منها المنطقة العربية .

فالتسامح كقيمة قادرة على انتشالنا من ظلمات الإرهاب، وتخليصنا من سوس ظل ينخر عظامنا طيلة أعوام، سوس غذاه التعصب ودعمه التمييز وعززه العداء والكراهية ولن يوقفه سوى تبني "التسامح" كنهج للتخلص من هذا الوضع البائس وبناء عالم أفضل.

استطاع أحمد شوقي أن يعبر خير تعبير عن قيمة "التسامح" قائلًا:-

وما كان مختلف الأديان داعية.. إلى اختلاف البرايا أو تعاديها
الكتب والرسل والأديان قاطبة.. خزائن الحكمة الكبرى لواعيها
محبة الله أصل في مراشدها.. وخشية الله أسّ في مبانيها
وكل خير يلقى في أوامرها .. وكل شر يوقّى في نواهيها
تسامح النفس معنى من مروءتها.. بل المروءة في أسمى معانيها



اضف تعليق