رحلة إلى حافة الأرض.. "كرة أم قرص أو حتى "بيضة مكعبة"يكفي أنها تتحملنا!


١٣ يناير ٢٠١٩ - ١١:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

هم "جماعة" عاشوا متيقنين تمامًا بوجود "مؤامرة" كونية سعت لإقناعهم بأنهم يعيشون على سطح "كرة" بينما هم يعيشون فوق سطح "قرص"، فكيف يتم الضحك عليهم بهذه السذاجة وهم أصحاب عقول؟! وكيف يقبلون مجموعة من الفيديوهات المفبركة المعدة سلفًا بلا تفحيص ولا تمحيص؟! بلا فذلكات وتحليلات عبقرية.

إذن فهي مسطحة وليست كروية، لقد خدعونا طيلة سنوات، وهي ثابتة أيضًا!

ما إن تستشعر نظرية "المؤامرة" تلوح في الأفق، وتشتم رائحة لُهاث رجال الدين خلف نظرية بعينها فلتهرول بعيدًا، ما إن تجد أحدهم بدأ في الحديث معك حول كون الأرض كروية أم مسطحة فلتهرب مسرعًا.

لم أكن أتخيل قط أن تتسع رقعة المتشدقين بنظرية الأرض المسطحة إلى هذا الحد، فالإنسان يبدو أنه مضى بعيدًا بخياله الجامح للبحث عن المجهول، لكن هذه المرة نحو "الحافة"، ولا أقصد بالحافة ذلك المصطلح الذي يصاحب ازدراء الفكر أو احتقاره بل الحافة الحقيقية، "حافة الأرض"!

لابد أن يكون هنا "سر" تم إخفاؤه علينا بغية تضليلنا، سر عظيم أخفته الدول العظمى عنا، فلماذا يمنعوننا من الطيران فوق قارة "أنتاركتيكا" يتساءل أحدهم بابتسامة نصر بلهاء، وكأنه أصاب خصمه في مقتل.

ها هم يعدون عدتهم لرحلة إلى حافة الأرض، لإيجاد الكنز المنشود، وكشف ستار المؤامرة الكبرى التي حاكتها ناسا بأمر مباشر من أمريكا.

الحكاية قديمة حديثة، تتلخص في حرب شعواء بين مؤيد ومعارض، كل يعد العدة، ويسرد الدلائل والنظريات التي تثبت صحة حديثه لتتحول إلى معركة فكرية حامية الوطيس، خاوية المضمون في أساسها.

تزايدت في الآونة الأخيرة تلك النظريات الداحضة لكروية الأرض، وتداول الكثير من المنشغلين في هذا الشأن معلومات وحقائق ومقاطع فيديو مفادها أن الأرض ليست كروية بل هي أشبه بالقرص التي تنتشر على سطحه قارات محاطة بالمياه مغلفة بصحارى جليدية مظلمة، تمتد إلى ما لا نهاية، الأمر الذي يصعب معه معرفة نهايتها أو سبر أغوارها، فيما يتلامس بشكل كبير مع نظرية العوالم الموازية.

الغريب أن الأبحاث التي تنكر كروية الأرض -إن جاز تسميتها أبحاثًا، والتي نادى بها غاليليو منذ 500 عام وأثبتتها ناسا بالصعود إلى القمر-- لم تنحصر في دولة بعينها، بل انتشرت في بلدان عديدة من العالم، وبدأت من لندن عندما تبناها بعض العلماء الذين تكالبوا وانكبوا لإثبات عدم وجود انحناءات في سطح الأرض، وأسسوا مجتمعًا افتراضيًا تحت مسمى "مؤسسة الأرض المسطحة"، فيه عدد كبير من المفوهين القادرين على الإجابة على الكثير من الأسئلة المحيرة والاستشهاد بخطوط الطيران التي تتعارض مع كروية الأرض.

وذهب المشككون إلى أبعد من ذلك، ففتشوا خلف رحلة "أبولو"، وفندوا مقطع "ناسا" المصور الشهير عام 1969 للهبوط على القمر، وخرجوا بنتائج مفادها أنها رحلة "مفبركة"، خضعت لعمليات "فوتوشوب"، وأثاروا المزيد من الشكوك حول إمكانية التقاط صور للأرض من خارج الغلاف الجوي في الأساس.

وعلى افتراض أن قصة الرحلة بأكملها "مفبركة" فنحن لا نعتمد على "ناسا" فقط لإثبات كروية الأرض.

وتكسر نظرية الأرض المسطحة الكثير من النظريات إلى جانبها ضاربة بمسلمات علمية عمرها آلاف السنين عُرض الحائط، مسلمات لم ترتبط بقصص مفبركة أو فيديوهات وصور تخيلية للقمر والكواكب والأرض، بل قامت على عمليات رياضية بسيطة كانت أولها "عصا".

 ويترتب على القول بأن الأرض مسطحة أنها "ثابتة" أيضًا ولا تتحرك، وأن الشمس والقمر يدوران فوق قرصها، وأن الشمس أصغر منها حجمًا، وأن القمر مضيء من ذاته، ولا يعكس ضوء الشمس، ولا علاقة له بالمد والجزر!

وفتحت هذه النظرية ومروجوها الباب واسعًا لدخول "علماء الدين" في السباق، وسرعان ما صدرت مؤلفات تثبت نظرية الأرض المسطحة من خلال الآيات القرآنية، فضلًا عن كثير من المقاطع المصورة والمحاضرات لدعاة معاصرين حاولوا فيها إثبات أن الأرض مستوية ولها سقف ثابت، وأن الشمس والقمر مُسخّران للدوران حولها، وكالعادة كان ضرر إقحام الدين في العلم أكثر من نفعه، بعد أن انقسم علماء الدين بين مؤيد ومعارض، وكل فريق معه دليله "النصي" الذي يستند إليه في حجته.

ولسنا هنا لسرد سلسلة الحقائق العلمية والدلائل التي تثبت كروية الأرض على حساب الفكرة الأخرى، فقد هُرست بحثًا وشرحًا والصراعات بين المؤيدين والمعارضين أغرقت الشبكة العنكبوتية.

إن في سرد الحقائق قبول مبدئي لمناقشة فكرة ليست بـ"فكرة" أصلًا، بل هي أقرب إلى الخزعبلات التي تخالف كل ما تعلمناه، وليست هي دعوة لإغلاق العقل عن قبول الأفكار، فلولا الكثير من الأفكار "الغبية" التي بدت مستحيلة لما وصلنا لما نحن فيه، فمن يعلم علهم يعودون لنا من الحافة بدليل يكسر جمودنا العلمي ويكشف لنا أنها مسطحة، أو لعلهم يمضون في البحث عن الحافة فيسقطون فيها بلا رجعة!

فسواء كانت الأرض كرة أو قرصًا أو حتى بيضة مكعبة، فهي لا تزال تتحمل غباءات البشر المقيمين عليها.



اضف تعليق