أمريكا ولغة المصالح!


١٧ يناير ٢٠١٩ - ٠٣:٤٧ م بتوقيت جرينيتش


كتب -  فارس طاحون
 
دخلت القوات الأمريكية سوريا دون تفويض من مجلس الأمن الدولي ولا تلبية لطلب رسمي من الحكومة السورية بذريعة دعم المعارضة السورية والإطاحة بنظام الأسد والوقوف حجر عثرة في وجه التنظيمات الإرهابية خاصة تنظيم داعش.
 
 وهذا ما أقدمت عليه واشنطن بالفعل ظاهريًا، حيث أعدت الأخيرة برنامجًا تدريبيًا عسكريًا ضم 60 مقاتلًا من إجمالي 7000 متطوع، وهذا عدد ضئيل جدًا نتيجة الشروط المُجحفة التي وضعتها واشنطن للحيلولة دون تفاقم العدد المذكور؛ مبررين ذلك برغبة المتطوعين في قضاء شهر رمضان مع ذويهم وأهلهم، فضلًا عن التباطؤ الذي شهده البرنامج والذي أشبه ما يكون بالسلحفاء في زحفها؛ لذا فلم يُكلل تلقائيًا إلا بنجاحات طفيفة إن لم تكن معدومة، بيدَ أنّ الواقع ودلالات الزمان والمكان تكشف الستار عن زيف وكذب هذه الذريعة.
 
الواقع يقول إنّ المسرحية السورية لم تُسدل أستارها بعد، وليس بالإمكان الجزم بالقضاء على داعش نهائيًا وعدم قدرته على إعادة بناء الصفوف والخروج إلى الحياة من جديد، رغم تكبَّده خسائر فادحة جعلته كما يبدو يلفظ أنفاسه الأخيرة، خاصة مع قدراته على التنفس كالسلحفاء تحت الماء وإجادة فن حروب الشوارع، هذا إنّ لم يكن في حقيقته تأليف وإخراج سياسي.
 
ودلالات الزمان والمكان تقول إنّ الولايات المتحدة الأمريكية غزت العراق عام 2003 دون تفويضٍ أيضًا من مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة بزعم القضاء على أسلحة الدمار الشامل في البلاد، التي صُورت للعالم أجمع أنها باتت تشكل خطرًا جسيمًا على السلم المجتمعي والعالم برمته، بيدَ أنّه سرعان ما اتضح زيف هذه الفرية وبيان الحقيقة في عزم واشنطن على نهب ثروات العراق وهدم السِلم والنسيج الاجتماعي والبنية التحتية للبلاد؛ لضمان شل حركتها في اعتراض المصالح الصهيو-أمريكية في المنطقة، فضلًا عن نواياها أيضًا في تنفيذ أجندتها السياسية المتمثلة في تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي "دافيد بن غوريون": " لا تكمن قوة إسرائيل في سلاحها النووي، ولكن في تدمير ثلاث دول عربية كبرى العراق ومصر وسوريا".
 
 لذا لن نكون جائرين إنّ قلنا أنّ التواجد الأمريكي في المنطقة بدعاوى الديمقراطية وتبنّي قضايا الأقليات القومية والدينية ما هو إلا ضرب من الخيال، يدعم ذلك أيضًا التضارب الواضح في التصريحات والسياسيات الأمريكية ولغة المصالح التي باتت على مرأى ومسمع من الجميع وكأنها سِمة اعتدتها تاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة جمهورية كانت أم ديمقراطية لتنفيذ أجندتهم السياسية وأهدافهم الاستراتيجية، التي تُبرهن أيضًا أنّ لغة المصالح تتغير وفق مقتضياتها، ففي منتصف يناير 2018 أشارت إدارة "ترامب" إلى أنّها تعتزم الإبقاء على وجود عسكري في سوريا للتصدي لنفوذ طهران والإطاحة بنظام "الأسد".
 
 وفي ديسمبر 2017 صرح المتحدث باسم البنتاغون "أريك باهون" أيضًا أنّ الولايات المتحدة ستحتفظ بوجود عسكري في سوريا طالما كان ذلك ضروريًا، وأضاف قائلا "إنّنا سنحتفظ بالتزاماتنا طالما دعت الضرورة لدعم شركائنا ومنع عودة الجماعات المسلحة إلى هذا البلد"، بيدَ أنّ لغة المصالح تتغير كما أشرنا سلفًا وفق مقتضياتها، فأخر ما تفتَّقت به قريحة "ترامب" سحب القوات الأمريكية من سوريا، القرار الذي ترك تداعيات وفراغًا سياسيًا كبيرًا، غالبًا ما سيكون للأسد وحليفه الروسي، وطهران وذراعها حزب الله اللبناني، العدوان اللذان قدمت واشنطن من أجلهم على حد زعمهم، نصيب الأسد فيه، حيث تسعى طهران جاهدة لتوسيع دائرة نفوذها في سوريا وفي المنطقة بشكل عام، وبناء مشروع الحِلم الهلال الشيعي، كما أنّ العلم السوري لاح في أفق مدينة منبج لأول مرة منذ أعوام مديدة، الأمر الذي بدوره سيُكسب موسكو دورًا أكثر نفوذًا ف وتفردًا في سوريا، إنّ لم تنفرد بالمعلب برمته، فضلًا عن أنّ لغة المصالح الأمريكية أجبرتها أيضًا على ترك حلفائها الأكراد كالأيتام على مائدة اللئام يتحسسون العون؛ ما دفعهم إلى الالتفاف حول الأسد كورقة أخيرة للحيلولة دون الهجوم التركي.
 
فإلى متى ستبقى لغة المصالح المتحكم الأول والأخير في السياسات والعلاقات الدولية؟! إلى متى سيبقى مصير شعوب- لم يعد لهم أمل ولا هدف سوى العيش في سلام- بأيدي قوى دولية لا ترضخ لقوانين ولا دساتير سوى قانون القوة؟! إلى متى ستبقى المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية المعنيّة تُغشِي أعينها وتصم أذانها وكأنهم باتوا يتلذذون بمثل تلك المشاهدات؟! وهل يُعقل أن تنتزع الحقوق وتتحول إلى أحلام تصبِح أقصى أماني البعض؟!
 



اضف تعليق