الوجه الآخر لتحدى العشر سنوات.. كيف أصبح العالم ؟


١٩ يناير ٢٠١٩ - ٠٣:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي

انتشر ترند ترفيهي على مواقع التواصل الاجتماعي غالب منشوراته تغير لملامح الفرد في مقارنة هيئته الحالية وصورته منذ 10 سنوات، بجانب التغير في العادات السلبية أو المهارات الشخصية التي اكتسبها الفرد خلال عقد من الزمن، أو المكانة الاجتماعية التي تحصل عليها خلالها. عرف هذا التحدي بـ" تحدي العشر سنوات" أو "#10yearchallenge". بينما تناول آخرون الأزمات التي تعصف بالعالم أجمع، وفشل النظام الدولي في حلها؛ مثل التغير المناخي والاحتباس الحراري، كما حمل آخرون صورًا لمدنهم منذ 10 أعوام قبل أن يحل بها الدمار والهلاك الذي سببته الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة.

لا شك أن العالم أجمع أصابه تصدع في كيفية مواجهة الأزمات المتصارعة التي باتت تعصف به ليل نهار، فمنذ الأزمة المالية العالمية 2008، وغلب العالم عدة أزمات، وتغييرات فشل في حلها، وغاب عنه التنسيق في المواجهة والحل، وبات مسكنات الأزمات هي البديل، كما أصبحنا نتحدث عن تغييرات في بنية النظام الدولي بعدما انفردت الولايات المتحدة به لعشر سنوات عقب انتهاء الحرب الباردة.





تحول مركز العالم لآسيا
 
تحول مركز وثقل العالم  نحو آسيا؛ إلى الدول التي نجت من عاصفة الأزمة المالية 2008، وحققت معدلات نمو معقولة مقارنة بالدول الغربية من أوروبا الشمالية والولايات المتحدة، فقد عززت الأزمة العالمية من التفاف العالم نحو الصين التي حققت معدل نمو بلغ 7%، الأمر الذي جعل العالم يمنح الصين لقب "قائدة القرن الحادي والعشرين".
 
وبعد مرور عشر سنوات، ما زالت الصين تسعى لسحب ريادة الاقتصاد العالمي من الولايات المتحدة، في نفس الوقت الذي ما زالت الأزمة المالية تعصف فيه بدول الاتحاد الأوروبي، والتي تبنت على إثرها سياسة اقتصادية اعتبرها البعض سياسة فاشلة، فلا تزال نسبة الديون تصل إلى 100% من حجم الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول منها إيطاليا وإسبانيا، وفاقت الديون حاجز 100% لدول مثل اليونان، وبرغم دعم الاتحاد الأوروبي لها بما يقرب من 200 مليار دولار إلا أنها ما زالت تعاني من الأزمات الاقتصادية الحادة.
 
ألقت تلك العوامل الصعبة بظلالها على نموذج الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية وسياسية ناجحة، ما جعله يتصدع أمام الأزمات الاقتصادية المتتالية، بما هدد الكيان نفسه ككيان اقتصادي ناجح، الأمر الذي اضطر بريطانيا للهرب منه، ولمعارضتها لسياسات بروكسل الاقتصادية ، وإلى تصاعد موجات احتجاج أخرى بدول أوروبا تنادي بالخروج من الاتحاد الأوروبي.
 
في الوقت ذاته اتجهت الولايات المتحدة نحو آسيا "Asia Pivot"، لمقاسمة دولها النمو الاقتصادي المتصاعد بها، إضافة إلى تحجيم النفوذ الصيني. وذلك عبر الوجود العسكري لها بمقربة من حلفائها من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، واستفزازها الصين بين الحين والآخر عبر ملف حقوق الإنسان، ودعمها لانفصال تايوان.
 
تحول النظام العالمي لنظام متعدد القطبية

 
عقب انفراد الولايات المتحدة  بمركزية النظام العالمي ليتحول بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى نظام أحادي القطبية تتزعمه واشنطن. بينما شهدت العشر سنوات الماضية عدة أحداث عالمية قضت على النظام الأحادي، ليتحول معها لنظام متعدد القطبية او في طور التحول إليه، وكانت البداية للنظام الجديد عقب الغزو الروسي لجورجيا عام 2008، بسبب القمة التي جمعت حلف الناتو والولايات المتحدة للاتفاق على انضمام جورجيا في المستقبل القريب للحلف، الأمر الذي اعتبرته روسيا تهديدًا لأمنها القومي، وعززت انفصال إقليم أوسيتيا الجنوبية التابعة لجورجيا، وانتهت بالتدخل العسكري  بجورجيا. وتلاها عدد من الأزمات التي توحي بإعادة أجواء الحرب الباردة بين قطبيها من ناحية، ودخول أطراف أخرى داخل النظام العالمي الجديد، منها أزمة أوكرانيا 2014، والحرب في سوريا 2015، وفي كليهما كانت روسيا طرفا أساسيا في الصراع.
 
لذا شهد العقد الأخير عددًا من الأزمات الدولية؛ صعدت خلالها أقطاب جديدة ترفض الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، بجانب تراجع دور الولايات المتحدة وفشلها في إدارة عدد من الملفات الدولية، خلص في نهايته لوجود كيانات دولية عديدة  شكلت مرحلة القطبية المتعددة؛ منها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، وأخيرًا الصين، بجانب مجموعة "بريكس" الاقتصادية والتي تسيطر على أكثر من 25% من الاقتصاد العالمي.



تفشي الأزمات المناخية
 
بات الحديث في الفترة الأخيرة مفزعًا عن التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، وأصبح المواطنون، وبالأخص سكان المنطقة العربية، يشعرون بها خلال الأعوام الماضية من ارتفاع شديد لدرجة الحرارة تخطى حاجز الــ50 درجة مئوية في الجزيرة العربية.
 
تعددت الدراسات والتقارير الصادرة من الأمم المتحدة عن مخاطر التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض على معدل منسوب مياه البحار، والذي يهدد بدوره  مدنًا بأكملها، ومخاطر التصحر الناتجة عن ارتفاع درجة الحرارة، وبالتالي المزيد من الأزمات الغذائية وارتفاع معدلات الفقر والأوبئة، لا سيما في الدول المدارية (الدول الواقعة بالقرب من خط الاستواء)، والمزيد من المهاجرين والحروب الطاحنة.
 
في ظل تلك الأزمات البيئية القاسية، انسحبت الولايات المتحدة في مؤتمر باريس لتغير المناخ 2017، ودعمتها البرازيل باتخاذها نفس القرار، حين أعلنت فتح غابة الأمازون أمام الاستغلال التجاري، مما سيشكل خطرًا على صحة الكرة الأرضية برمتها. ومن المرجح أن تشكل تداعيات التغير المناخي ما يقرب من 2% من الناتج العالمي، أي ما يفوق الخسائر الاقتصادية وتكلفة الحربين العالميتين الأولى والثانية.





صعود اليمين المتطرف
 
يعد بروز اليمين المتطرف على الساحة العالمية عامة والأوروبية خاصة أحد أبرز الملامح التي شهدها العقد الماضي في أوروبا، عقب تزايد موجات الهجرة والعمليات الإرهابية داخل أوروبا، مما حفّز من نمو تلك التيارات داخل البلدان الأوروبية بشكل خاص.
 
وتأتي مخاطر صعود تلك التيارات على الساحة العالمية من مبادئها المتطرفة ضد قواعد السياسة التقليدية الحالية، والميل إلى استخدام العنف ضد معارضيها، وتتخذ من المسلمين العدو الأول والصريح لها حتى في شعاراتها الانتخابية.
 
وعقب الأزمة المالية 2008، التي كان من تداعياتها تحفيز نمو تيارات اليمين، من زيادات معدلات البطالة بين الشباب، والركود الاقتصادي، وارتفاع معدلات الهجرة إلى أوروبا، ما جعل الأوروبيين ينظرون للمهاجرين على أنهم مزاحمين لهم في وظائفهم وخاصة المسلمين، وهنا ظهرت دعوات للتضييق على المهاجرين ودعوات عدائية ضدهم.
 
لعام 2008 منحنى جديد في صعود موجات اليمين المتطرف بإنشائها منظمة تهدف لمكافحة “الأسلمة” في أوروبا والتي حملت اسم "مدن ضد الأسلمة". وعقب انتفاضات ما عرف بالربيع العربي عام 2011، تزايدت أعداد المهاجرين العرب إلى أوروبا الهاربة من الصراعات الأهلية والتنظيمات الإرهابية، بالتزامن مع تزايد أعداد العمليات الإرهابية التي شارك فيها مهاجرون عرب وطالبو لجوء، الأمر الذي دعا في النهاية لكسب التيار المتطرف شعبية عريضة داخل الأوساط الأوروبية الخائفة من مخاطر الإرهاب وتأثر الهوية الثقافية الأوروبية.





ما شهده العالم، ولا يزال يشهده في طور التصعيد،  خلال العشر سنوات الماضية، يتطلب تضافر الجهود العالمية ضد المخاطر المستقبلية للتغيرات الحالية، ولكن للأسف الحديث عن إصلاح حقيقي للعمل الدولي لمواجهة مثل هذه المخاطر، يتطلب قيادة دولية أو مجموعة دولية بعينها، وهو ما يفقده العالم في الفترة الحالية من انشغال كافة الدول بمشاكلها الاقتصادية وأزماتها الدولية، بينما تنشغل الدول الصاعدة بإثبات مكانتها الدولية واستعادة دورها التاريخي، ولا تعبأ بالمشاكل الدولية. هذا فضلًا عن تحول النظام العالمي لساحة صراع بين الدول العظمى من ناحية، وبينها وبين الدول الإقليمية من ناحية أخرى، وليس التماهي في الصراعات الدولية حلًّا للأزمات الحالية، وإنما يحتاج العالم لقيادة حاسمة عن طريق دولة بعينها أو مجموعة دول أو منظمة الأمم المتحدة.



اضف تعليق