جرعة موسيقية لـ"أماديوس".. الحياة بلا نغم خطأ لا يمكن غفرانه


٢٧ يناير ٢٠١٩ - ٠٩:١١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – علياء عصام الدين

كالكتابة عن الأساطير القديمة والآلهة وأبطال الملاحم، تأتي الكتابة عن "الموسيقى" بوصفها الشيء الأكثر رفعة على الإطلاق عندما يتعلق الأمر بما لا يمكن أن يوصف.

في مثل هذا اليوم من عام 1756 اهتزت أوتار العالم احتفاءً بمولد فولفغانغ أماديوس موتسارت ذلك المبدع الذي قاد أوركسترا وهو في السابعة من عمره.

عزف موتسارت الموسيقى وهو ابن خمس سنوات، وتعلم (الفيولين) قبل أن يعرف القراءة والكتابة، وبرفقة والده جاب أوروبا وتتلمذ على يد أعظم أساتذة عصره "مارتيني".

وعلى الرغم من تأليفه في شتى أنواع الموسيقى من أوبريت وسوناتات وسيمفونيات، كان مولعًا بالأوبرا التي استحوذت على حواسه فكانت هدفه الأول وشغف حياته.

افتتن صاحبنا بالموسيقى افتتانًا، وأدمنها إدمانًا حتى تمكنت منه وامتلكت روحه وتلبست به وألبسنا إياها فيما بعد، فخرجت موسيقاه خليطًا من الصخب والهدوء والخير والشر الذي يصف الصراع الذي تنبثق منه معاني الحياة.

ذلك المجذوب الذي شُخص بالتوحد في طفولته، استطاع أن يهدي العالم أجمع مقطوعات وسيمفونيات موسيقية غاية في الإبداع.

يقول -في وصف شخصيته- "لا أستطيع أن أكتب الشعر؛ فأنا لست شاعرًا، ولا أستطيع أن أقسّم عباراتي كتقسيم النور والظل؛ أنا لست رسامًا، ولا أستطيع حتى أن أُعطي انطباعًا حول أفكاري ومشاعري، بالإشارات والتمثيل؛ أنا لست راقصاً، لكن أستطيع أن أرقص مع النغمات، أنا موسيقي، أتمنى أن تعيشوا إلى حين لا يكون ثمة شيء يمكن أن يُقال بعد في الموسيقى".

يرى محمد حنانا -في كتابه "موتسارت"- إن ما أنجزه "أماديوس" من أعمال موسيقية في سن مبكرة ببراعة وتفوق، وما أتمه في سن النضج كان أكثر إبهارًا وتفوقًا يجعله يستحق لقب العبقرية الموسيقية الأعظم في التاريخ بلا منازع، فموتسارت موهبة كلاسيكية استثنائية مهدت الطريق أمام المؤلفين الموسيقيين العظام الذين جاؤوا بعده مثل بيتهوفن وشوبرت.

في حياة قصيرة استطاع موتسارت أن يترك كنزًا من الأعمال الموسيقية الثرية، التي اختلطت فيها الحرفية مع الحس العالي واللمعان والفرح بالحزن والسواد لتتسم اعماله بازدواجية مثيرة وفاتنة.

كان لموتسارت قدرة مدهشة للنفاذ إلى الطبيعة الإنسانية، فكان يحكي بموسيقاه "الحكايات"، ويرسم "الشخصيات"، كما أنه تجاوز القومية؛ فجمعت موسيقاه بين العناصر الفرنسية والإيطالية والألمانية والنمساوية بشكل فطري.

أدرك "أماديوس" جيدًا أن الموسيقى عالم يبحث عن كلماته الضائعة، وهي موطء القدم عندما يصبح الكل ضائعين، هي تلك الجامعة المانعة، السهلة الممتنعة، منبع الغواية والإغراء وأصل الهداية والرشاد.

يمكنك أن تهرع للنهل من فيض ألحان "أماديوس" العذبة قبل النوم، فهذا الخمر الحلال، قليله مُسكر ولذته تفوق لذة الخمر بآلاف المرات.

إن الانتشاء والسُّكر قد لا يتأتى من احتساء الخمر وتجرع أكواب الجعة، فحالة الغياب عن الوعي كثيرًا ما تتسبب فيها الموسيقى.

فما بالكم بما يمكن أن تتسبب فيه جرعة موسيقية لموتسارت؟! أترككم خارج الزمكان رفقة إبداعات "أماديوس".













اضف تعليق