حمدي النعسان.. آخر ضحايا إرهاب المستوطنين المتحصنين بجيش الاحتلال


٢٧ يناير ٢٠١٩ - ٠٤:٢١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالكريم
 
رام الله - "حثالة البشر وجبناء من قطعوا أشجار الزيتون القديمة في قرية المغير"، تلك كانت افتتاحية صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، الصادرة اليوم الأحد، حول اقتحام المستوطنين لقرية المغير شرق رام الله وقطعهم أشجار الزيتون القديمة، بحماية جيش الاحتلال، ما أسفر عن مواجهات مع أهل القرية.
 
مدجّجون بالسلاح يحميهم الجيش الإسرائيلي، يهاجم العشرات من مستوطني مستوطنة "عادي عاد"، المزارعين الفلسطينيين في قرية المغير أثناء استصلاحهم لأراضيهم الزراعية، يهب الفلاحون للدفاع عن أنفسهم بوجه المعتدين فلا يجدون سوى الحجارة، يسارع الجنود لحماية مستوطنيهم، ما يسفر عن إصابة أكثر من 30 فلسطينيا، تسعة منهم بالرصاص الحي، وارتقاء الشهيد حمدي النعسان (38 عامًا).
 
بداية القصة، بدأت باعتداءات المستوطنين، يبلغ المجلس القروي ضابط جيش الاحتلال القابع عند نقطة مراقبة لجيش الاحتلال قريبة من القرية، باعتداءات المستوطنين لكن رده كان: "اليوم السبت ونحن في إجازة، توجهوا للشرطة الإسرائيلية".
 
عاد الأهالي لأرضهم واستمر المستوطنون في مضايقتهم، حيث توجه عدد منهم صوب المنازل القريبة، وحاصروا أحدها تعود ملكيته لأحد أبناء حسين جبر أبوعليا، حيث لم يكن في المنزل سوى أم وأطفالها، فألقوا قنبلة غاز بداخله، ما تسبب في اختناق الأم وأطفالها والتسبب بالهلع الشديد.
 
بعد ذلك توجهوا لمنزل قريب، هو منزل موسى أبوعليا، وأطلقوا النار تجاهه، في الوقت الذي كان فيه رجال البيت في أعمالهم، ما تسبب في حالة خوف كبيرة للمتواجدين بداخله، وهم 25 امرأة وطفلا.
 
بعد الهجمة على المزارعين والبيوت القريبة، هبّ الأهالي لصد هجمة المستوطنين، وبدأ المستوطنون بإطلاق النار بشكل عشوائي ومباشر تجاه الناس والبيوت، وتحت أعين جنود الاحتلال، الذين اشتركوا في الجريمة واصطفوا إلى جانب المستوطنين لتفريق المواطنين، فبدأت الإصابات تقع وتتوالى.
 
لم يَهَب الشاب حمدي النعسان (38 عاما) من المسافة القريبة جدا فوقف وسط الصدور العارية لشبان قريته يقاومون رصاص المستوطنين وجنود الاحتلال، والتي كانت أقصاها 30 مترا.
 
كباقي أهالي قريته المغير شمال شرق رام الله، حينما سمع النعسان النداءات المطالبة بالتوجه إلى أماكن اعتداء المستوطنين هبّ مسرعا ليحمل الجريح الأول من المواجهة، ويعود بعد دقائق لنقل الثاني، وعند محاولته الوصول للجريح الثالث أصابته رصاصة في الظهر، وخرجت من الصدر، بحسب رواية رئيس المجلس القروي للمغير أمين أبوعليا.
 
بقي حمدي ينزف على الأرض لمدة تزيد عن نصف ساعة، دون أن يتمكن أحد من الوصول إليه، بسبب إطلاق النار العشوائي والكثيف تجاه الفلسطينيين من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال.
 
النعسان المولود في 7 آذار 1980، أمضى في سجون الاحتلال 8 سنوات، وهو متزوج وأب لأربعة أطفال، أصغرهم لم يبلغ عامه الأول، هنأ النعسان زوجته نداء عودة قبل شهرين بوظيفتها في البنك الإسلامي الفلسطيني فرع ترمسعيا، وقبلها بشهر اختيارها عضوا في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) منطقة قلعة شقيف.
 
أحد رفاق النعسان في الأسر كتب -عبر صفحته على "فيسبوك"- كان حمدي مختلفا، عندما سمعت أن اسم شهيد المغير حمدي النعسان قفز إلى ذهني الشاب الشجاع المهذب المحكوم ثماني سنوات، كان في عيني حمدي وميض عجيب، كانت عيناه تحكيان وجع فلسطين وترنوان حيث الانتصار.
 
وكتب رفيق آخر له في الأسر: كان رجلا بمعنى الكلمة، في إحدى قمعيات سجن النقب كانت قوات الاحتلال تقتحم القسم وتقمع الأسرى، وكان يتحداهم وجها لوجه، ويضع رجلا على رجل، غير آبه بوحشيتهم.
 
أربع ساعات من الرعب والجريمة شهدتها المغير، قبل أن يتمكن الأهالي من صد عصابات المستوطنين وجنود الاحتلال، ليتفرقوا بعدها بين مجمع فلسطين الطبي وشوارع القرية وشوارع رام الله، هاتفين للشهيد النعسان ومنددين بالجريمة التي استهدفت الأهالي في محاولة لإبعادهم عن أراضيهم، وتركها دون عناية.
 
واستشهد حمدي النعسان، بعد محاولته نقل جريح، وبقي ينزف لأكثر من نصف ساعة دون أن يتمكن أحد من الوصول إليه.
 
انتهاكات الاحتلال شبه يومية في المغير، حيث يصادر ويمنع البناء في 80% من أراضي القرية البالغة مساحتها 26 ألف دونم، خاصة الأراضي الواقعة شرقا، ويعتبرها الاحتلال منطقة عسكرية مغلقة يمنع المواطنين من الوصول إليها والاعتناء بمزروعاتهم، حتى أنه يُحرّم الثروة الحيوانية على من رُزقها هناك.
 
عدد سكان المغير 4 آلاف نسمة، يتحكم في حياتهم حاجز عسكري شبه دائم على مدخلها الشرقي، ونظرا لطبيعة موقعها الجغرافي، فهي تتوسط مدينتي نابلس ورام الله، شق فيها الاحتلال شارعا استيطانيا يُطلق عليه "شارع ألون" يربط منطقة زعترة بقلنديا، إضافة لمستوطنة "عادي عاد"، ويقع معظم البناء في القرية في حدود كيلومتر مربع واحد، بسبب منع البناء في 80% من اراضيها المصنفة "c"، وهناك 17 إنذارا بالهدم لـ17 بيتا.
 
المغير كانت من أوائل القرى التي التحم أبناؤها بساحات النضال ضد الاحتلال، فعرفوا السجون منذ عام 1968، ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم اعتقل منها 750 مواطنا، أما اليوم فيقبع خلف القضبان 30 من شبابها. كما أنها من أوائل المناطق التي تعرضت بيوتها للهدم، فهدم عام 1969 سبعة من بيوتها.
 
يصادف استشهاد اثنين آخرين من أبناء المغير في الشهر ذاته، ففي 30 كانون الثاني 2018 استشهد الفتى ليث أبوعليا، وفي 23 كانون الثاني 2006 استشهد الفتى مناضل أبوعليا.
 
في الآونة الأخيرة نشطت مجابهة شبان وفتيان المغير لقوات الاحتلال، الذين أرادوا تركيع رماة الحجارة، عبر الاعتقال والإصابة والتنكيل بهم على الحواجز، ونشر بيانات تهدد الأهالي في حال استمر الأبناء برشق الحجارة والمواجهة، لكن القرية الصغيرة والنائية والمهمشة إعلاميا ردت على الاحتلال بصدور الأبناء والفتية، معلنة وبوضوح الاستمرار في ثورة الحجر على المحتل.
 
ويُعدّ هؤلاء المستوطنون تربية المدارس الإسرائيلية على تنوع مناهجها؛ بين تعليم رسمي وديني متشدد 'حريدي'، تحضر الأطفال فكريا وأيديولوجيا ليكونوا جنودا، مسلحين بعقيدة  تلمودية عنصرية تمهد لمجازر، فقد تمت تنشئتهم على أنهم العرق المسيطر، وغيرهم 'دون' متاح قتلهم.
 
وتضاعف حجم التوسع الاستيطاني أربع مرات، منذ التوقيع على اتفاق "أوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وتضاعف عدد المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية، من 144 مستوطنة قبل توقيع اتفاق أوسلو إلى 515 مستوطنة وبؤرة استيطانية حتى سبتمبر 2018.
 
كما أفاد التقرير، أن عدد المستوطنين تضاعف في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لأكثر من ثلاث مرات، وارتفع من 252000 قبل أوسلو إلى حوالي 834000 مستوطن اليوم.
 
ومع تضاعف الاستيطان إلى ما يصل 600% منذ 1993، تشير أرقام إسرائيلية إلى أن التسارع الاستيطاني آخذ في التغول أكثر فأكثر، إذ يشير مركز الإحصاء الإسرائيلي إلى أن الاستيطان في الضفة الغربية ارتفع 40% خلال العام 2016 مقارنة مع العام 2015، فيما ارتفع حجم الاستيطان ارتفاعا حادًّا بنسبة 85% مقارنة بجميع الوحدات الاستيطانية المصادق عليها خلال عام 2016، فبالنظر إلى عام 2017 (الأعلى وتيرة في التوسع الاستيطاني منذ 17 عاما بحسب أفيغدور ليبرمان، والعام الذي صودق خلاله أيضا على وحدات استيطانية أكثر مما صودق عليه في السنوات الـ10 الاخيرة بحسب ما يسمي بـنائب وزير "الأمن الإسرائيلي" إيلي دهان)، أرقام تعكس نوايا مستقبلية جهر بها وزير جيش الاحتلال السابق موشيه يعلون قبل أيام بتأكيده على "ضرورة استعمار مليون أو حتى مليوني مستوطن جديد لأراضي الضفة"، فما هو الأساس الذي سرقت عليه الأرض وتفشت خلاله الوحدات الاستيطانية كالسرطان.



اضف تعليق