عظماء منسيون.. "إبراهيم الدسوقي شتا" نموذجًا


٠٧ فبراير ٢٠١٩ - ٠٤:٢٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

لن تتقدم أمة تجهل روادها ومفكريها، ولن تنهض الشعوب التي تهمل العلم والاطلاع على ثقافات الشعوب.

الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا رحمه الله (1943 - 1998) هو أحد هولاء الرواد العظام وأحد أساطين اللغات الشرقية في العالم، وأستاذ اللغة الفارسية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة وكذلك كان متبحرا في التركية.

لم يكتف في حياته أن يكون أستاذا جامعيا يؤدي رسالته للطلاب كغيره من الأكاديميين، وإنما خرج بعلمه إلى العالم أجمع مؤلفا ومترجما وروائيا ومفكرا من الطراز الرفيع، ولا عجب فهكذا هم دائما أصحاب الهمم والرسالات.

ورغم وفاته في الـ55 من عمره إلا فإنه كان جبلا أشما، ومؤلفاته وترجماته تؤكد هذه الحقيقة.
 
ومن الطبيعي أن نسمع هذا الاسم مرارا وتكرارا في مناقشة أي ماجستير أو دكتوراه متعلقة باللغة الفارسية من المحيط إلى الخليج، لأن اسمه بات علامة فارقة يصعب أن نتجاوزها خصوصا أنه صاحب "المعجم الفارسي الكبير".

نعم قد نختلف معه في بعض الآراء التي ذهب إليها أو دافع عنها في حياته، فليس هناك معصوم من البشر سوى الأنبياء عليهم السلام، خصوصا أنه لم يشهد احتلال إيران ومليشياتها للعراق وسوريا واليمن، وسياساتها الاستئصالية الاستيطانية منذ احتلال أفغانستان والعراق.

كما أن الجو السائد في المنطقة العربية كان الترحيب بثورة الخميني في بدايتها لأنها جمعت غالب أطياف المجتمع الإيراني، ولكن الخميني فيما بعد غدر بالجميع، بالمناسبة هو لم يغدر فقط بالسنة الذين شاركوا معه في الثورة كغدره بالزعيم السني العلامة أحمد مفتي زاده (توفي عام 1993م)، وإنما حتى بمن شاركه الثورة من الشيعة انفسهم !!. ‌

النشأة والتعليم والمناصب

ولد إبراهيم الدسوقي شتا في "بيلا" بمحافظة كفر الشيخ في 22 يناير 1943، وكان والده أزهريا يدرس اللغة العربية وإماما لمسجد القرية، وحصل على ليسانس الآداب قسم اللغات الشرقية فرع لغات الأمم الإسلامية من جامعة القاهرة في 1962 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، ثم الماجستير (أثر الصراع المذهبي بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم العثماني) سنة 1967 (غير مطبوعة)، فالدكتوراه سنة 1972.

وبحسب "موسوعة المترجمين العرب" فقد حصل على درجة أستاذ عام 1983، ورأس قسم اللغات الشرقية من يناير عام 1990 حتى سبتمبر 1992، ثم من يناير عام 1995 حتى وفاته، ومن أشهر ما ترجم إلى العربية "مثنوي" جلال الدين الرومي.

وتولي د. شتا تدريس اللغة الفارسية وآدابها والأدب المقارن واللغة التركية في ليبيا لمدة عامين إلا أنه سرعان ما قرر الخروج من ليبيا، حيث كان معمر القذافي قد وصل لمرحلة جنونية استهدف فيها الكثير من العرب داخل ليبيا !!، كما درس اللغة الفارسية في جامعة سعود بالمملكة العربية السعودية لمدة عام دراسي واحد.

فكره

كان من الطبيعي لأستاذ متخصص في اللغة الفارسية كإبراهيم شتا أن يكون اهتمامه الأكبر بإيران ومناطق امتداد اللغة الفارسية في آسيا الوسطى، علما أن اللغة الفارسية في الهند كانت لغة للمثقفين هناك لقرون طويلة في ظل الدولة المغولية في الهند.

كما كتب عن المدارس الشعرية في إيران وتطور الشعر الفارسي، كما قدم عرضا نقديا مشوقا ومبدعا عبر كتابه "مطالعات في الرواية الفارسية المعاصرة" حيث قدم قراءة لـ7 روايات من أمهات الروايات الفارسية غطت 8 عقود من حياة المجتمع الإيراني وثقافته الدينية والسياسية والاجتماعية، كما عرج على الصراعات الطبقية في المجتمع الإيراني.

وقد كتب "إبراهيم شتا" مرارا كذلك عن المشهد السياسي في إيران، وواقع إيران قبل ثورة الخميني، وغليان الشارع الإيراني في زمن الشاه رضا بهلوي قبيل اندلاع الثورة كما كتب عن الحركات العلنية والسرية في إيران قبل الثورة وبعدها.

مؤلفاته وترجماته

من مؤلفاته: "التصوف عند الفرس" ، و"الشعر الفارسي الحديث.. دراسة ومختارات"، و"الحركة الإسلامية قي تركيا: 1920 -1980م"، و"المعجم الفارسي الكبير" (فارسي – عربي)  (بالفارسية: فرهنگ بزرگ فارسي)، ورواية "الفيروز والدم"، و"مطالعات في الرواية الفارسية المعاصرة اللغة الفارسية والنصوص المتخصصة"، والثورة الإيرانية (الجذور – الأيديولوجية)، وو"نصوص فارسية في التاريخ الإسلامي والأدب الفارسي"، و"اللغة الفارسية للمبتدئين".

كذلك ترجم الدكتور إبراهيم شتا من الفارسية إلى العربية، سيرة سيرة بن خفيف الشيرازي، "قصص من الأدب الفارسي المعاصر" (تأليف صادق هدايت)، ورواية "البومة العمياء" (بالفارسية: بوف کور) للأديب الإيراني صادق هدايت، وكتاب "العودة إلى الذات" (تأليف د. علي شريعتي)، والنثر الفني في الأدب الفارسي المعاصر لحسن كمشاد، وكتاب "مختارات من ديوان شمس الدين تبريزي "، و"طول الليل" لجمال مير صادقي، كما ترجم قصائد للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، والفكر السياسي الإسلامي المعاصر للباحث الإيراني حميد عنايت.

المثنوي

أما أعظم ما ترجم فكان ملحمة "المثنوي" (بالفارسية: مثنوی معنوی) لجلال الدين الرومي (ترجمة وشرح وتقديم): في ستة أجزاء، وله قصة تظهر وفاء هذا العظيم "شتا"، أفهو نفذ وصية أستاذه الدكتور "كفافي" الذي كان قد ترجم الجزء الأول والثاني ، فقام وترجم الثالث والرابع، ولم يكتف بذلك وإنما قام بنشرهما على نفقته، ثم ظهر فيما بعد للمثنوي طبعة جديدة بالفارسية تستند إلى مخطوطات أقرب إلى زمن "جلال الدين الرومي" صاحب "المثنوي".

وهنا بدأ شتا ترجمة المثنوي بأكمله مجددا، مترجما وشارحا ومقدما، ويكفي أن نقول أن الشروح فقط تحتوي كنوزا هائلة من العلم والأدب والأخلاق والقصائد الشعرية، والعجيب أن المرء يهاب أن يقرأ في قرأءة هذا السفر الضخم، فكيف فمن ترجم وشرح !!.
وقد أصدر "شتا" عام  1996 ترجمته الكاملة للمثنوي. ‏

اقتباسات:

"فى مثل هذه الهزات تروح الشخصيات الإستشرافية المفكرة فى تفكير عميق، فقد كان المغول يطردون أمامهم أناسا من أقصى المشرق الإسلامى، إلى أقصى المغرب الإسلامى. . وكان من هؤلاء مفكرون وصوفية وفقهاء شهدوا القيامة تقوم أمام أعينهم وفى النشأة الأولى، ويظل كل مفكر منشغلا بهم واحد، وهو كيف يحفظ فكره للأجيال التالية (قال مولانا بالحرف الواحد أنه: يكتب من أجل القرون التالية) وتكثر الموسوعات فى كافة الميادين، وينتج هذا النوع من الغوص داخل الذات أعمالا فنية وعلمية عظيمة، ولعل بذرة المثنوى جامع العرفان الإسلامى قد وضعت فى تلك الآونة".

إبراهيم الدسوقي شتا، مثنوي - الكتاب الأول

"شمس الدين تبريزى كان عارفا فريدا فى بابه، ثائرا متمردا رافضا لكل ما يؤمن به القوم، رافضا تاما لأن يُعرف، وحيدا منفردا متميزا فى تصرفاته وأفكاره وأقواله وتعبيراته، ساخرا من كل ما هو مألوف ومعترف به ومتعارف عليه، وكان يحس دائما أن فيه شيئا ما، شيئا لم يدركه شيوخه الذين حضر عليهم فى سياحاته (وحياته كلها مرت فى سياحات)، ولم يكن ينزل فى الزوايا والتكايا بل فى الخانات ولم يكن يلبس لباسا يدل على أنه من أهل العرفان، ومن هنا قيل قلندر أى درويش متجول وقيل ملامتى، هذه العظمة المتجسدة التى كانت نافرة من كل شيخ لا تستقر على حال معه، هذا الفرد المتفرد بذاته كان يقلقه شئ واحد هو البحث عن من يتحمل صحبته، عمن يفهمه، ويأخذ عنه، كان يحس أن الإناء يطف بما فيه وأنه يحتاج إلى شارب كان يناجى الله: لا يوجد مخلوق قط من خواصك يحتمل صحبتى، وفى الحال وصله هاتف من المغيب إذا كنت تريد من هو جدير بصحبتك، فارحل إلى أرض الروم".

 إبراهيم الدسوقي شتا، مثنوي - الكتاب الأول




وقد توفي الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في عام 1998، بعدما وهب نفسه للعلم، وقد شهد كل من زامله أو صادقه أنه كان أمام إنسان صافي القلب، نقي السريرة، محب للعلم، لديه العزيمة على خدمة أمته، وقد كان.
 


















اضف تعليق