"إيش بنك".. خطر التأميم يهدد ميراث أتاتورك


١١ فبراير ٢٠١٩ - ١٠:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

أثارت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن تأميم أعرق بنوك تركيا "إيش بنك" أو "بنك العمل"، جدلا واسعا داخل الأوساط الاقتصادية، إذ تستبق الانتخابات البلدية المقررة في مارس المقبل، وتأتي في وقت يزداد فيه المشهد الاقتصادي ضبابية في ظل تعثر القطاع المالي جراء الديون المتراكمة لدى الشركات، وتوقعات بانكماش بنحو 2% خلال العام الجاري.

وقال أردوغان الثلاثاء الماضي أمام البرلمان: إن أكبر بنك خاص في البلاد "إيش بنك"، المملوك جزئيا من قبل حزب الشعب الجمهوري - أكبر أحزاب المعارضة بالبلاد-  ستنتقل ملكيته إلى وزارة المالية والخزانة، مضيفا هذا البرلمان سوف يتخذ هذا القرار التاريخي قريبا.

وتوقعت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية و"جمهوريت" التركية، أن يستخدم الرئيس التركي أغلبية حزبه، وبدعم من حزب الحركة القومية داخل البرلمان، من أجل تمرير مشروع قانون لتأميم المصرف الذي أساسه مصطفى كمال أتاتورك عام 1924 كأول بنك وطني في تاريخ الجمهورية التركية، وتحدثت مصادر عن لقاء جمع بين أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، الخميس الماضي، وركز على التوافق بين الحزبين على التصويت معا على هذا المشروع، فضلا عن تنسيق يتعلق بالانتخابات المقبلة.


ميراث أتاتورك

بنك إيش بنك تأسس عام 1924 كشركة مساهمة، ويمتلك حزب الشعب الجمهوري 28% من أسهمه منذ 1938، بموجب وصية كتبها أتاتورك قبل رحيله، ويحق له تعيين أربعة أعضاء في مجلس إدارة البنك، وفي حين أن الحزب المعارض لا يحصل على أي أرباح تذكر من حصة الـ28%، يتهمه أردوغان "باستغلال" اسم أتاتورك - مؤسس تركيا الحديثة-، ويؤكد أن ما كان في السابق ملكًا للمؤسس لا يجب أن يكون مملوكا لفصيل سياسي بعينه، بل يجب أن يؤول إلى الدولة، بما يخالف وصية أتاتورك نفسه والدستور التركي.

من جانبها اعتبرت إدارة البنك، أن أي جهد لتأميم المصرف أو جزء منه سيكون بمثابة جريمة مالية، وقال رئيس الحزب كمال كيلتشدار أوغلو، أن حزبه سيلجأ إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبي، في حال أقرت المحكمة الدستورية القانون المزمع إقراره عبر البرلمان، معتبراً أن مشروع القانون هو محاولة من إردوغان لتوجيه ضربة مالية لحزبه، قبيل الانتخابات المقبلة.

يذكر أن المحكمة الدستورية سبق وأن رفضت مشروعات مماثلة لتحويل حصة الشعب الجمهوري إلى وزارة الخزانة، وذلك قبل 15 عاما، ولكن الدعوات الأولى لتأميم "إيش" في عهد أردوغان بدأت في 2015 على لسان مستشاره  يجيت بولوت، والذي أكد في أكثر من موضع أن تركيا بحاجة إلى "سرعة" تحويل "إيش" إلى بنك حكومي.
هذه ليست المرة الأولى التي يستبق فيها أردوغان الاستحقاقات الانتخابية – تقول "بلومبرج" في تقرير نشرته أخيرا- بالحديث عن رغبته في فرض مزيد من السيطرة على القطاع المالي، فقبل الانتخابات الرئاسية العام الماضي تعهد بمزيد من السيطرة على السياسات النقدية، وهو الخبر الذي ساهم في انهيار الليرة بأكثر من 30%، وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد التركي وقتها.


خبز مزعج للأسواق

الآن عودة المشاجرة السياسية بشأن تأميم "مصرف إيش"، تزيد من قلق الأسواق، فعقب تصريحات أردوغان الثلاثاء الماضي هوت أسهم البنك بنحو 7%، في أكبر تراجع منذ أغسطس 2018، ويسيطر الأجانب على نحو 70% من أسهم البنك المتداولة بالبورصة التركية، وباقي الحصة  تتبع صندوق التقاعد الخاص بالبنك، أما أصول البنك فتقدر بنحو 68 مليار دولار.

وقال كبير المحللين في جلوبال أدفايزرز بلندن، نايجل رينديل لـ"بلومبرج": مثل هذه الأخبار – تأميم أكبر بنك خاص بالبلاد- تستقبلها الأسواق المالية بتوتر كبير، خصوصا في فترة ما قبل الانتخابات المحلية.

يكافح "إيش بنك" كغيره من مصارف تركيا في الوقت الراهن، جراء تعثر العديد من الشركات عن سداد مديونياتها، ففي عام 2018 أعلنت نحو 15 ألفا و400 شركة إفلاسها نتيجة لتعرضها لخسائر فادحة جراء تباطؤ النمو بـ1.5% وتراجع حركة التجارة وانهيار العملة، وبلغ حجم ديون الشركات المؤجل سدادها للبنوك بفعل طلب تسوية الإفلاس خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي نحو 3 مليارات دولار، بحسب بيانات هيئة التنسيق والرقابة المصرفية التركية.

يقول كان أوكسون أحد المتداولين في "جلوبال سيكيوريتيز" التي تتخذ من اسطنبول مقرا لها لـ"بلومبرج": سبق وأن تحدث أردوغان عن تأميم إيش بنك في أكتوبر الماضي، وظل هذا الملف على جدول أعمال الحكومة لفترة من الوقت، إلى أن تم تجاهله.

هذا الرأي لا يدعمه كثيرون الآن، في ظل تغير تركيبة المحكمة الدستورية المختصة بالنظر في النزعات حول مشاريع القوانين، إذ لم تعد مستقلة بالقدر الكافي للوقوف بوجه القوانين المدعومة من أردوغان.

يبدو أن اقتصاد تركيا على موعد مع مزيد من الخسائر، جراء محاولات أردوغان المستمرة لتعزيز قبضته على المؤسسات المالية والنقدية بالبلاد، الأمر الذي لا يروق كثيرا لحاملي أدوات الدين التركي - 453 مليار دولار-، إذ يعني مزيدا من تراجع الثقة في الاقتصاد الوطني وهروبا للاستثمارات الأجنبية والمحلية، وبحسب بيانات معهد الإحصاء التركي تراجع مؤشر الثقة الاقتصادية بنحو 4.2% خلال يناير الماضي، ما يفسر ارتفاع قيمة رؤوس الأموال المحلية التي خرجت من السوق التركي إلى 3.6 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 33% خلال الشهر نفسه.



اضف تعليق