لماذا يكره ترامب الاتحاد الأوروبي؟


٢١ فبراير ٢٠١٩ - ٠٩:٥٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت أسماء حمدي

منذ نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، بدأت واشنطن تتحرك بمعزل عن حلفائها الأوروبيين على الصعيد الدولي، وظلت العلاقة بينهما بين مد وجزر بحسب احتياج واشنطن إلى دعم دبلوماسي أو عسكري في المحافل الدولية، غير أن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية أحدث تحول كبير في الموقف الأوروبي، تجاوز الأعراف الدبلوماسية بين الحلفاء، حيث عبرت أوروبا عن رفض علني لرئاسته، وكان أبرز الرافضين ألمانيا التي قادت قاطرة الابتعاد الأوروبي تدريجيا عن فلك أمريكا، ومنذ ذلك الحين هناك خصومة مستمرة بين واشنطن وبروكسل.

وتتحدث صحيفة "الجارديان" البريطانية، في مقال للكاتبة ناتالي نوجايريدي، عن العلاقات الأمريكية الأوروبية، وتقول: إن إدارة ترامب لا تكره الاتحاد الأوروبي وحسب، بل تدمره، وأشارت إلى أن الرحلة التي قام بها وزير الخارجية مايك بومبيو، إلى أوروبا الأسبوع الماضي هي جزء من الهجوم الذي تشنه الإدارة الأمريكية على الاتحاد الأروبي، والتي تلعب على الانقسامات بين الشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي.


وتقول الكاتبة، إن الحلقة الأولى من مسلسل الهجوم الأمريكي على أوروبا، بدأ بخطاب دونالد ترامب الذي ألقاه في وارسو عام 2017، والذي غمرته القومية، واستمر الهجوم بتحركات ترامب في عام 2018 بشأن التعريفات الجمركية، وانسحابه من اتفاقيات رئيسية مثل الاتفاق النووي الإيراني ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، بالإضافة إلى ترحيبه بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، وقراره بالانسحاب من سوريا، وكل ما سبق يؤثر على المصالح الأوروبية (بما في ذلك البريطانية).

وتشير الصحيفة إلى أن أوروبا تقاوم ضد ما تسعى إليه إدارة ترامب، حيث استقبلت أنجيلا ميركل -الهدف السياسي المفضل لترامب في الاتحاد الأوروبي- بتصفيق حار، السبت الماضي، أثناء خطابها في مؤتمر ميونيخ السنوي للأمن، وتقول الكاتبة: "لكن ربما لا يزال يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتفهم ما الذي يتعامل معه في عهد ترامب الجديد، فالرجل الذي يهمس الآن في آذان ترامب هو جون بولتون، مستشاره للأمن القومي، ويعتبر بولتون من المدافعين الشرسين عن استخدام القوة في الساحة الدولية، وظهرت آراؤه المضادة للاتحاد الأوروبي بالكامل خلال جولة بومبيو في بودابست وبراتيسلافا ووارسو".

وقال مسؤولون بالإدارة الأمريكية، إن بومبيو يسعى خلال جولته تعويض نقص الوجود الأمريكي الذي فتح الطريق أمام قدر أكبر من النفوذ الصيني والروسي في وسط أوروبا، وقام بومبيو بأمرين هامين، حيث استحوذ على الاحتفالات بالذكرى الثلاثين لهذا العام من سقوط جدار برلين وانتهاء الحقبة الشيوعية في أوروبا الشرقية، محذرا تلك الدول الأوروبية من عودة المدّ الروسي ومعه الصيني بالتدخل في شؤونها، قائلا إن الصين وروسيا تشكلان تهديدين للمكاسب الديمقراطية وحرية السوق التي حقّقناها منذ سقوط جدار برلين في عام 1989، محذراً من أن تلك الدول معرضة بشكل خاص للاستثمار "المفترس" والتدخل السياسي.

وأشار بومبيو إلى جهود الولايات المتحدة في مواجهة هذا النفوذ الصيني والروسي حول العالم، والحد من تهديداتهما، مؤكداً أن الولايات المتحدة ملتزمة بتعزيز مشاركتها في المنطقة، من خلال اتفاقيات التعاون الدفاعي وبرامج التبادل.

وتقول الكاتبة، إن جون بوتون نشر مقال في عام 2000، تحت عنوان "هل يجب أن نأخذ القيادة العالمية على محمل الجد؟"، ساعد في جعل استراتيجية ترامب موضع تركيز أكثر حدة، اليوم يُرى المقال كخريطة طريق لإرادة إدارة ترامب في تدمير الاتحاد الأوروبي، حيث ينتقد بولتون "قادة النظام الدولي" الذين يسعون إلى ربط الدول القومية بشبكة من المعايير والاتفاقيات الدولية التي تقيد السيادة، ويقول إن التفويض الديمقراطي الحقيقي لا يمكن أن يوجد إلا على المستوى الوطني.

وبحسب الصحيفة، فإن بولتون يذهب إلى أبعد من ذلك فهو يعتبر الاتحاد الأوروبي تهديد للمصالح الأمريكية، ووصفه ترامب في العام الماضي بأنه "عدو" ومشوب بمظاهر معادية لأمريكا واضحة، ناهيك عن أن ترامب ساهم في تعزيز من المشاعر المعادية لأمريكا في أوروبا أكثر من أي زعيم أمريكي آخر، كما إن غضب ترامب من الاتحاد الأوروبي ككتلة تجارية، وتكتيكاته لتعزيز صادرات الولايات المتحدة من الأسلحة إلى القارة، وكراهيته الشخصية لميركل، ما هي إلا ترجمة لمعركة إيديولوجية أوسع نطاقا حول "النظام الدولي".

"أنه من المفيد قليلا التفكير في أوروبا اليوم باعتبارها قادرة على تحدي الولايات المتحدة على المسرح العالمي، فعلى سبيل المقارنة فهي ضعف الولايات المتحدة عسكريا، وقد تحملت عقدًا من الأزمات، ومع ذلك فهي تجسد شيئا يكره ترامب وبولتون، وتحاول الآن بعض الدول الأعضاء الأكبر، الوقوف بطرق تهز فريق ترامب بوضوح، كما هو الحال مع الآلية الجديدة لتجنب العقوبات ضد إيران.

قبل أقل من 100 يوم من انتخابات البرلمان الأوروبي، شاهدنا بومبيو يتناول العشاء في المجر مع فيكتور أوربان، الذي يريد إعادة رسم خريطة أوروبا السياسية لتلائم رؤيته "للديمقراطية غير الليبرالية"، ربما اختلف الرجلان على روسيا، وحقيقة أن بومبيو قد التقى أيضًا بممثلي المنظمات غير الحكومية في بودابست، ولكن لم تكن هناك دلائل تذكر على الاختلاف مع أوربان حول القيم، كما أن بومبيو قد زار سلوفاكيا، التي تفكر حكومتها في نفسها كعضو بنّاء في الاتحاد الأوروبي، وربما كان الهدف من ذلك هو استقطاب سلوفاكيا بشكل أعمق إلى اعتناق آراء الليبراليين الأوروبيين.

كانت زيارة بومبيو بمثابة هجوم آخر على وجود الاتحاد الأوروبي ذاته، استطاعت أوروبا ما بعد الحرب بناء نفسها كمشروع جماعي ضد سياسات الحماية الأمريكية، واليوم، أصبح الاتحاد الأوروبي هدفا لهجمات سياسية متعددة الأوجه من كل من واشنطن وموسكو.


الكلمات الدلالية ترامب الاتحاد الأوروبي أمريكا

اضف تعليق