معضلة عودة مقاتلي "داعش".. أوروبا في حيرة من أمرها


٢٣ فبراير ٢٠١٩ - ١٠:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

ما زالت دول أوروبا تقف في حيرة من أمرها أمام معضلة المقاتلين العائدين من صفوف داعش في سوريا والعراق، وظهرت من جديد، في أعقاب طلب الرئيس الأمريكي من دول أوروبا -منتصف الشهر الحالي فبراير 2019- استعادة مقاتليها من بين 800 مقاتل ما زالوا في قرية الباغوز شرق سوريا.

وترفض السلطات الكردية المحلية في سوريا محاكمة الأجانب، وتطالب بإرسالهم إلى دولهم التي أتوا منها، لكن الدول الغربية تبدي إجمالا ترددا إزاء ذلك خوفا من رد فعل سلبي من الرأي العام فيها.

الاتحاد الأوروبي سارع إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية في بروكسل في أعقاب طلب ترامب، وكان الفتور يسيطر على ردود أفعال الدول الأعضاء، وأبرزها الموقف الفرنسي والبريطاني، ما عدا ألمانيا التي ألقت "الحجة" على الرئيس الأمريكي، بقولها إنها تحتاج إلى وقت واتخاذ إجراءات فنية وخدمات قنصلية، لاستعادة مقاتليها من عناصر داعش.

كيف تعاملت دول أوروبا مع تصريحات ترامب 

ألمانيا

صرح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، بأن تنظيم إعادة "جهاديين" أوروبيين محتجزين في سوريا كما يطالب الرئيس الأمريكي أمر "بالغ الصعوبة" حاليا.

وحسب وزارة الداخلية الألمانية، فإن حوالي 270 سيدة وطفلا ممن يحملون الجنسية الألمانية ما زالوا موجودين في سوريا والعراق.

وأوضح وزير الداخلية الألماني زيهوفر: لكن يجب هنا توضيح كل حالة على حدة قبل السماح بالعودة إلى ألمانيا، موضحا أنه يجب أن تحدد السلطات بدقة كل وثيقة شخصية، وما إن كان الشخص من المطلوبين قضائياً لدول آخرى.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية زورن شميت، أنه رغم هذه الصعوبات، فإن الإدانة ممكنة على أساس أن العضوية في مجموعة إرهابية تكفي حسب الفقرة 129 من القانون الجنائي لاعتبار الأمر جنحة.

فرنسا

قالت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبيه يوم 17 فبراير: إن بلادها لن تتخذ أي إجراء في الوقت الحالي بناء على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحلفاء أوروبيين لاستعادة مئات من مقاتلي تنظيم "داعش" من سوريا، وستعيد المقاتلين على أساس مبدأ "كل حالة على حدة". 

التقارير من داخل قوات الحماية الكردية أكدت وجود 150 مواطنا فرنسيا في شمال شرق سوريا بينهم 50 رجلا مقاتلا.

وقالت بيلوبيه -لقناة فرانس 2- هناك وضع جيوسياسي جديد في ظل الانسحاب الأمريكي، ولن نغير سياستنا في الوقت الحالي.. لن تستجيب فرنسا في هذه المرحلة لمطالب ترامب.

وتحاول باريس بالفعل إعادة القصّر على أساس مبدأ كل حالة على حدة، وتقضي سياسة الحكومة الفرنسية برفض استعادة المقاتلين وزوجاتهم رفضا قاطعا، وأشار إليهم وزير الخارجية جان إيف لو دريان باعتبارهم "أعداء" الأمة الذين يجب أن يمثلوا أمام العدالة سواء في سوريا أو العراق.

بلجيكا

طالب وزير العدل كين غينس بـ"حل أوروبي"، داعيا إلى التفكير بهدوء والنظر فيما ينطوي على مخاطر أمنية أقل.

بريطانيا

قال وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد: إنه "لن يتردد" في منع عودة أي شخص أيّد التنظيمات الإرهابية في الخارج إلى بريطانيا.

الحكومة البريطانية ردت بالرفض بشكل مباشر وسحبت الجنسية من "شاميما بيجوم" فتاة التحقت بتنظيم "داعش" في سوريا وهي في الـ15 من العمر، وحصلت عائلة الفتاة على إخطار بهذا الشأن من قبل وزارة الداخلية نشرته وسائل الإعلام.

الخلاصة

إن عملية استعادة المقاتلين الأجانب الأوروبيين إلى أوطانهم، بالفعل هي معضلة شائكة للحكومات الأوروبية، البعض منها بسبب اتخاذ دول مواقف سياسية، والبعض منها متعلق بقضايا فنية، أبرزها ثبوتات الأوراق الشخصية، وتعدد الأزواج والزوجات ونسب الأطفال، مما يحتاج إلى جهد فني قنصلي.

لقد جاء طلب ترامب باستعادة المقاتلين الأوروبيين منتصف شهر فبراير الحالي 2019، خارج السياقات الدبلوماسية والسياسية، رغم وجود أكثر من عشرين وزيرا لدول التحالف الدولي في مؤتمر ميونخ للأمن، ما يريده ترامب هو وضع دول أوروبا في موقف حرج، وتأليب الرأي العام أو الداخلي ضدها، وليس مستبعدًا أن مطالب ترامب هذه تخدم تمدد اليمين الشعبوي في أوروبا، وتخدم مطالب ترامب في محاولة زج دول أوروبا أكثر في سوريا.

المقالتلون الأجانب، بدون شك، تمثل عودتهم خطرًا على أمن أوروبا، بسبب موضوع "انتزاع الأيدولوجية المتطرفة" من عقول العائدين، مع مخاوف من ظهور جيل جديد من أبناء عناصر داعش في أوروبا، يحمل "جينات التطرف".

الحكومات أيضا تخشى من عدم قدرتها على مراقبة ومتابعة العناصر العائدة، ما عدا ذلك فهي تكلف الحكومات الأوروبية تكاليف مالية وجهدًا كبيرًا في تنفيذ الأحكام القضائية والمتابعة الأمنية، من وجهة نظر حكومية بحتة.

أوروبا الآن تدفع ثمن غض النظر عن تدفق مقاتليها إلى القتال في صفوف تنظيم داعش والقاعدة وجماعات متطرفة، الانتقادات ما زالت توجه إلى الحكومات الأوروبية وخاصة ألمانيا، التي لم تعاقب على سفر هؤلاء إلى سوريا والعراق خلال فترة سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة وإعلان ما يسمى "الخلافة"، وتقول إنها تحتاج إلى شواهد واثباتات لمحاكمتهم! وكأنهم كانوا في رحلة سياحية إلى العراق وسوريا، وهذه معضلة ما زالت تعاني منها الحكومات الأوروبية، بالتعامل البيروقراطي مع التطرف والإرهاب.

التوصيات

ما ينبغي أن تقوم به الحكومات الأوروبية، عدم التخلي عن سياساتها و"أخلاقياتها" في موضوعات محاربة التطرف والإرهاب، وأن تنهض بمسؤولياتها، بمعالجة معضلة عودة المقاتليين الأجانب، وعدم إصدار أي أحكام مسبقة بحق أطفال داعش العائدين من العراق وسوريا.. الأطفال هم أول الضحايا ويجب علينا العمل على ألا يتحولوا إلى إرهابيين.

وهذا ما يجمع عليه أغلب المعنيين في محاربة التطرف والإرهاب، تحتاج أوروبا لاستعادتهم، أفضل من أن يتركوا مادة لبقية التنظيمات المتطرفة، كما تحتاج أوروبا للعودة إلى حكومات دول المنطقة من أجل إيجاد صيغة تعاون أمني جديدة ترتقي إلى التحديات الأمنية الجديدة التي باتت تهدد الأمن الدولي.




اضف تعليق