سر سيناء.. الموقع والتكوين (1)


٢٤ فبراير ٢٠١٩ - ١٢:٣١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
كتب - هيثم البشلاوي

 
لطالما أثبتتْ سيناء أنها بموقعها وتكوينِها استثناء استراتيجي بلا منازع، فهي بتفردِ جغرافيتها العنيدةِ تكوّن صوتَ التاريخ بكل ما فيها، هي المستقبل يتشكل على وجه ماضيها، منها خرج موسى ومنها دخل عيسى ومريم، هناك سمع صوت الله على الأرض وأنزل آياته الكريمة، وبها فتحَ الله على الإسلام، هي من الشرق أرض الشتات والموعد للطامعين، ومن الغرب أرض الخلاص والكرامة، هي قدس أقداس الأرض ، فمنها يشد الرحال للقِبْلَة الأولى والثانية. ومنها تمتد الأرض إلى أبواب القدس ومكة، هي قدس أقداس الأديان على أرض مصر، تلك هي حقيقتها لا مدحًا لها.
 
لتظل سيناء بالموقع والتكوين  في الحاضر كما هي في التاريخ، وكما ستكون في المستقبل. فسيناء بعقدة موقعها وتعقيد تكوينها، تجبرنا على استيعاب التاريخ بكل انكساره وانتصاراته. وإدراك الحاضر بلا تهوين أو تهويل لنصل من خلال هذا الإدراك إلى خريطة تنمية تدفع تكوين سيناء إلى الدفاع عن موقعها. أو بتعبير أصح ننسج من عقدة هذا الموقع والتكوين شبكة عبقرية تجعل كلًّا من الموقع والتكوين يدافع عن الآخر.
 
وكل هذا لا ولن يتحقق إلَّا من خلال تحليل لمترادفات سيناء الاستراتيجية؛ كمدخل ضروري لرسم ملامح وإحداثيات خريطة الأساس لسيناء، وأول هذه المترادفات يتمثل في الجمع بين محددات موقع سيناء وأبعاد تكوينها (الجغرافي ـ البشري ـ الإداري).
 
وقد لجأتُ للعامل الجغرافي كمدخل ومفتاح لتلك السلسلة؛ لأنه يصف الموقع ويعبر عن محددات تكوينه. فالجغرافيا كما قال عنها جمال حمدان ليست سوى تاريخ توقف، كما أن التاريخ ما هو إلَّا جغرافيا متحركة. وعلينا هنا إدراك أن هناك حالة من التوحد بين التاريخ والجغرافيا، عندما نضعهما على منحنى الإدارة والتخطيط الاستراتيجي. هذا التوحد الذي يجعل من الجغرافيا موردًا يجب إدارته، ويجعل من التاريخ مرجعًا لرسم استراتيجية المستقبل.
 
أولا: الموقع
 
من باب الجغرافيا دخلت سيناء التاريخ، فالموقع صنع التاريخ ليكون �كلمة السر� لسنوات طويلة من الحرب والعزلة، ليشكِّل بتعقيده جسرًا استراتيجيًّا عبرته الجيوش منذ فجر التاريخ، جيئة وذهابًا مئات المرات، فسيناء بموقعها استثناء استراتيجي بكل مقياس، فهي تقع حيث يلتقي البحران (الأحمر والمتوسط) والقارتان (إفريقيا وآسيا). وتطل شمالًا بجبهتها الواسعة على شرق آسيا وغرب أوروبا، وشرقًا تنظر إلى امتدادها المفقود في الأراضي المحتلة، وجنوبًا تقف على خط التماس البحري للعالم القديم ومحور صراع العهد الحديث (البحر الأحمر)، وانعكاس هذا الموقع على افتراض الخريطة الفلكية، يمتد ما بين درجتي عرض 27.44 عند رأس محمد في أقصى الجنوب و31.20 عند تل رفح على ساحل البحر المتوسط شمالًا. أما الافتراض الطولي للموقع، فيقع بين خطي طول 32.18 عند الشاطئ الشرقي لبحيرة التمساح غربًا و34.34 عند طابا على ساحل خليج العقبة شرقًا.
 
وتنبسط سيناء على 61 ألف كيلو متر مربع وبمقياس آخر 14.3 مليون فدان (2). بواقع 1/ 16 من مساحة مصر الكلية، أي بمعدل 6% وبما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة الدلتا (3). ونحو 75% من جملة مساحة إقليم السويس.
 
أما من حيث الشكل المركَّب فتأخذ سيناء شكل مثلث مقلوب، غير منتظم الأضلاع، مستطيل القاعدة. وارتفاع هذا المثلث من رأسه عند (رأس محمد) جنوبًا حتى أقصى بروز لقاعدته في البحر المتوسط شمالاً، يمتد بطول 380 كم: 390 كم. متجاوزًا 28 درجة عرضية، وبذلك يمثل هذا المثلث بامتداده الجنوبي ثلث امتداد مصر وعمقها من الشمال نحو الجنوب.
 
أما من الشرق فيقف خليج العقبة بطول180 كم، وحدودنا مع فلسطين المحتلة بطول 210 كم، كامتداد اليابس الوحيد لشبه الجزيرة وأبعد نقاط الشرق تطرفًا. ومن الغرب خليج السويس 275 كم, مضافة إليه قناة السويس بطول 193 كم، أو إن صح القول قناتا السويس، وإلى الشمال من هذا المثلث المركَّب يكون الجزء الباقي منه على هيئة متوازي أضلاع. حده الشمالي ساحل البحر الأبيض المتوسط (قاعدة الهرم) بطول 120 كم, والحد الجنوبي والخط الفاصل بين المثلث المركَّب مع قاعدته المستطيلة، يقع على خط عرض 30، وهو كذلك البعد المتوسط لضلعي المثلث أو بالأدق القطر الواصل بين رأس الخليجين العقبة والسويس بعرض 210 كم.
 
وسيناء كشبه جزيرة تشكِّل بسواحلها الممتدة على طول 700 كم الرصيد الأكبر من مجمل سواحل مصر البالغة 2400 كم. وبذلك تستأثر سيناء وحدها بسواحلها الثلاثية على ما يقرب من 29.1% من ناصية مصر الساحلية. وبهذا تكون سيناء أكثر صحارينا ساحلية، فخلف كل كيلو متر مربع ساحلي من سيناء، تترامى مساحة قدرها 160 كيلو مترًا مربعًا. وبالمقابل نجد أن خلف كل كيلو متر ساحلي 387 كيلومترًا مربعًا بالنسبة لمصر في مجملها.
 
ختاما: ربما يبدو  هذا الطرح في مجمله مجرد بيانات أولية، وهو كذلك، كمدخل لتحليل دقيق لموقع وتكوين سيناء الفريد، وكيفية توظيفه لتحقيق رؤية متكاملة لتنمية مستدامة لتلك البقعة المقدسة من أرض مصر.



اضف تعليق