باب الرحمة.. الشاهد على عُتُوّ حملات التهويد بحق المقدسات


٢٥ فبراير ٢٠١٩ - ٠٤:٢٣ م بتوقيت جرينيتش



رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – منذ ايام والمعركة محتدمة بينالشبان المقدسيين وقوات الاحتلال، يتسلل جنود العدو ليلاً إلى منطقة باب الرحمة(الباب الذهبي)، يقفلون بالسلاسل بوّابة حديدية نصبوها أمام الدرج المؤدي إلىالمبنى، فما ان يبزغ الفجر حتى يحطم المقدسيون البوّابة التي يحاول الاحتلال تهويدالمنطقة هناك المغلقة منذ 16 عاما، فكل محاولة سيطرة تقابلها دائماً حملة مضادة منالمقدسيين.

فما يجري في منطقة الرحمة يعيد التذكيربـ"معركة البوابات" عام 2017 التي أرغم المقدسيون فيها العدو على نزعالبوابات الإلكترونية التي وضعها بعد تنفيذ عملية داخل الأقصى، التي يحاولالاحتلال السيطرة عليه لاقامة الهيكل المزعوم، او تقسيما مكانيا وزمانيا على الاقل،وهو ما يتضح في الاقتحامات اليومية لباحته من قبل المستوطنين.

فتحت ستار توراتي مزيّف، يحاول العدوالإسرائيلي، ولا سيما مستوطنوه في الضفة المحتلة، اختراع رابط بينهم وبين الأرضالتي يحتلّونها بقوة السلاح، هم لم يكتفوا بالعمل على قدم وساقٍلـ"تهويد" القدس المحتلة، بل امتدّ الاستغلال السياسيلـ"التوراة" ليطاول نحو 23 مقاماً في الضفة يقتحمها المستوطنون بصورةمتكررة، على رغم أن مقامات كثيرة منها أتت بعد قرون على التوراة.

يعود تاريخ المقامات الدينية والتاريخية فيفلسطين إلى حقب تاريخية متعددة إبّان فترات الحكم الإسلامي المتعاقبة، لكن العهدينالمملوكي والفاطمي شهدا الانتشار الأوسع لها ومن جهة أخرى، لا بدّ من التفريق بينالمقام والضريح العادي، فالثاني هو القبر المتعارف عليه، بينما المقام غرفة أوأكثر وقد يضمّ ضريحاً داخله أو يُبنى من دون قبر، تبرّكاً أو علامة على مرور الشخصمن المكان أو تكريماً له. وعامة، تُنسَب المقامات في الضفة المحتلة خاصة، وفلسطينعامة، إلى أنبياء أو علماء أو أولياء صالحين، فيما تكون مقامات الأنبياء والصحابةأقدم عمراً من البقية الأقلّ شهرة، طبقاً للموروث الديني والتاريخي، وأحياناًالشعبي.

تتوزع هذه المقامات على امتداد الضفة، وقسمٌمنها بات تحت سيطرة العدو منذ احتلاله القدس والضفة عام 1967، مثل: مغارة �مشهدإبراهيم� الواقعة داخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل (جنوب)، وتسمّى بالعبرية"المكفيلا"، وقد انتزعها العدو من الفلسطينيين وأجرى تعديلات عليها، كماأقام مستوطنات في محيطها؛ أبرزها �كريات أربع� بعدما سيطر على الحرم كلياً، وتكررالأمر نفسه في بلدة كفل حارس، شمالي سلفيت، مع فارق أن مقامَي النبي ذي الكفلويوشع بن نون يلاصقان بيوت الفلسطينيين.

القسم الآخر من المقامات فقده الفلسطينيون بفعلسرقة الأراضي لإنشاء المستوطنات وتوسعتها أو لبناء جدار الفصل العنصري، وقد تكونهذه الطريقة في السيطرة على المقام مدموجة مع أساليب أخرى. فهناك مقاماتٌ سيطرالعدو عليها منذ 1967 وشيّد المستوطنات قربها، ثمّ قطّع الجدار أوصال أراضيالفلسطينيين حولها. وعلى أي حال، يمكن رصد السعي الإسرائيلي للسيادة على المقاماتمبكراً، إذ تزداد وتيرة اقتحامات المستوطنين لها بالتوازي مع نشاط ملحوظ لحملاتالتنقيب عن الآثار التي يقودها �علماء� إسرائيليون.

وجد العدو في اتفاق أوسلو 1993 وملحقاته فيالعامين التاليين فرصة سانحة ليشرعن سيطرته على مقامات محددة أَوْلاها اهتماماًخاصاً، فمثلاً قبة مسجد بلال بن رباح، المسماة "قبة راحيل" إسرائيلياً،الواقعة على المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم (جنوب) مصنّفة وفق "أوسلو 2"في 1995 كمنطقة "ج" إسرائيلية، بعدما سُلخ المكان عن بيت لحم المصنفة"أ" تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وبعد ذلك، تحوّلت القبة من"مكانٍ مقدس للديانات الثلاث" وفق "أوسلو" إلى معسكرٍ استيطاني رئيسي يفصل بيت لحم عن القدس والخليل، أما قبر يوسف وتل بلاطة، الواقعان في المنطقة الشرقية من مدينة نابلس (شمال) المصنفة "أ" أيضاً، فاستُثني اوحدهما كمكانَين "يهوديَّين مقدّسين" من سيطرة السلطة.

أما المقامات داخل المدن الرئيسة الكبيرةالخاضعة للسلطة، ولم يتمكن العدو من فرض واقع خاص بها، فتنال الحصة الأكبر من الاقتحامات المتكررة (نابلس، بيت لحم، الخليل)، ويصار إلى تهويدها عبر استباحتها،لربطها بالتراث اليهودي تمهيداً لتحويلها إلى جزء من "التاريخ" المزعوم، أو للسيطرة الأمنية عليها كحد أدنى.

مهما يكن وضع هذه المقامات، وطريقة الوصول/السيطرة عليها، يوليها العدو أهمية بالغة لما تحمله من أبعاد سياسية ودينيةوتاريخية، ويتجلّى ذلك في الدعم الحكومي والأمني؛ فالجيش وأجهزة الأمن تسهّلاقتحامات المستوطنين، وتؤمّن لهم الحماية، فيما تقضي الأوامر العسكرية بمصادرةأراضي الفلسطينيين التي تجاور بعض المقامات، أو منع أصحابها من الوجود فيها.

وتفيد مصادر فلسطينية، إن مختصين في الآثاروأعمال التنقيب رافقوا جيش العدو خلال السنوات الخمس الماضية في جولات مفاجئة علىمقامات وقبور جديدة لاستكشافها في الضفة، وتخلّل هذه الجولات تصوير للأماكن من دونأن يتغير الوضع على الأرض حتى اللحظة، لكن "الخشية لا تزال موجودة من وضعاليد بالقوة عليها استناداً إلى مزاعم توراتية". وتتعدد مواقيت اقتحامات المستوطنينللمقامات، فمنها ما يكون خلال الأعياد العبرية، أو ذكرى وفاة صاحب المقام، أو وفقتاريخ ثابت، كما يُختار يوم عشوائي أحياناً.

يمكن من جانبٍ فهم هذا التهويد للمقامات ضمن سياق الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لكن العدو يجد مشكلة في توثيق هذا التهويد، ولذلك يسعى إلى سدّ الهوة الكبيرة بين علم الآثار و"إسرائيل التوراتية" فحملات التنقيب الإسرائيلية وحتى الغربية منذ التسعينيات لم تنجح في ذلك، بل كلما كانت المعلومات تتراكم، يتبيّن للمؤرخين والمختصين أن ملاءمة الواقع الفلسطيني معالصورة القديمة لتاريخ إسرائيل أمر بالغ الصعوبة.

وبرصد محاولات لصق الروايات التوراتية بمقامات الضفة، يتبين أنها روايات تفتقد الدلائل التاريخية الموثقة أو حتى المادية، ومنهامثلاً حقيقة أن العمران الإسلامي الذي يجمع ما بين هذه المقامات لا يزال ماثلاًحتى اليوم، ويمكن بسهولة رصده في مجمل فلسطين. وإذا كانت النقوش الإسلامية داخلهادليلاً على نحو ما، فإن جزءاً منها شُيّدت القبور فيها بشكل يدل على إسلاميتها بوضوح.

وما يعزّز ضعف حجج العدو وحاخاماته، وجودُ خلط ولبس في أماكن عدد من القبور داخل المقامات، فمقام يوشع بن نون مثلاً يتخذه المستوطنون مبرراً لاقتحام بلدة كفل حارس شمالي سلفيت (وسط الضفة)، رغم أن الرواية الأولى لمكان وجود القبر كانت في طبريا المحتلة، فيما توجد رواية قديمة أيضاً تقول إنه في قرية عورتا (جنوبي شرقي نابلس)، بجانب روايتين مختلفتين عن وجوده قرب السلطالأردنية وبغداد العراقية.

التضارب نفسه ينسحب على مسجد النبي يونس في بلدة حلحول(شمالي الخليل)، إذ يقتحمه مستوطنون بذريعة وجود قبر النبي فيه، رغم أن القبرمنسوبٌ إلى مكانين آخرين هما: الموصل العراقية، وبين إدلب وحلب السوريتين، فضلاًعن مقام للنبي نفسه في جنوب لبنان، لكنه لا يضمّ ضريحاً.

رغم وقوع معظم المقامات الدينية في قلب التجمعات والأحياء السكنية الفلسطينية، إلا أن معظمها يشهد حالياً ضعفاً في مقاومةاقتحامات المستوطنين أو محاولة التصدي لهم، مثل مقامات قرية عورتا، وبلدة حلحول، وبلدة كفل حارس وغيرها، بعكس مقامات أخرى تشكّل نماذج للمقاومة الجماهيرية؛ أبرزهاقبر يوسف شرقي نابلس.

من أبرز العوامل التي تحول دون مقاومة فعّالةهناك، كما يرى مراقبون، تغير نظرة المجتمع الفلسطيني إلى هذه المقامات، فالنظرةالسائدة في الماضي جنحت نحو "التصوف" و"تقديس الأولياء الصالحين"، ولذلك كانت هذه المقامات والقبور تحظى باهتمام مجتمعي ويتقرب إليها الناس ضمن حشود ويتبرّكون بها. مع اضمحلال هذه العادة في نهاية السبعينيات،غدت المقامات مهمَلةً رسمياً وشعبياً ودينياً، وهي الآن مجرد شواهد من الماضي وأرقام وأسماء تُسرد عند المختصين والباحثين في التاريخ.

من جهة أخرى، يكثف المستوطنون اقتحاماتهم لمقامات بعينها، على عكس أخرى، فمثلاً مقام النبي يونس في حلحول يتميز بوقوعه داخلمنطقة ذات كثافة سكانية فلسطينية، كما أنه موجود داخل مسجد بُني بطوابق فوق المقام، ولهذا لا يقتحمه المستوطنون على نحو متكرر وكثيف. كذلك، توجد عوامل فلسطينية أخرى تتصل بالمشهد العام، مثل تأخير أولويات معينة أمام المعيشة وأعباء الحياة.

وعلى الصعيد الرسمي، تتحمل السلطة مسؤولية كبيرة بحكم وجود وزارة الأوقاف التي تختصّ بالمعالم الدينية، لكن دورها في ملفالمقامات يتصل بسياستها العامة، فهي تعامل المقامات تماماً كما تعامل بقية الأراضي، وتلتزم اتفاق أوسلو، رغم إعلانها مراراً أنها �لن تلتزم به ما لم تلتزمإسرائيل".

وثمة استثناء وحيد هو قبر يوسف شرقي نابلس (شمال الضفة)، حيث تسيّرالسلطة دوريات من جهاز "الأمن الوطني" في محيط المقام للحيلولة دون اقتحام مستوطنين له. أما في حالة وجود تنسيق أمني، فتنسحب السلطة، ويدخل جيش العدو لتأمين اقتحام المستوطنين في موعد تُعلنه إسرائيل مسبقاً وحتى إعلامياً.


اضف تعليق