يا روايح الزمن الجميل...حكايات أشهر عمارات مصر


٠٦ مارس ٢٠١٩ - ٠٨:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية – هالة عبدالرحمن

لم يرد وصف ولا تعبير أدق مما كتبه الشاعر المبدع سيد حجاب ليصف حالة الاشتياق والحنين لروايح الزمن الجميل، فلا أحد ينسى روعة أداء "هدى عمار" وهي تغني "يا روايح الزمن الجميل هفهفى، وخدينا للماضي، وسحره الخفي، ورفرفي يا قلوبنا، فوق اللي فات، وبصي للي جاي، وانتي بترفرفي".

لتأخذنا كلمات الأغنية بعيدًا نحو زمان ومكان لم نعشه، بل زرعته بداخلنا جدران وبنايات نطقت بكل ما هو أنيق وجميل وراقي.

وارتبط وجدان كل مصري بتفاصيل معمارية منقوشة بمهارة عازف، ودقة نحات، على واجهة العمارات القديمة، والتي ارتبط الكثير منها بقصص وحكايات منها الحقيقي ومنهال الخيال إلا إننا عشنا على ذكراها وتوارثناها لعلنا نجد فيها سلوى كونها خير شاهد على حضارات تزاوجت وازدهرت في مصر.

وفي معظم بنايات القاهرة القديمة لا تزال روح قديمة ربما طمستها معالم الحداثة والمدنية بعض الشيء إلا إن رائحتها دائمًا زكية تهفو ببعض الذكريات وتحفظ التاريخ، ومنها:


عمارة جروبي
تطل بناية جروبي في مشهد بانروامي جميل بوسط ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، ويرجع تاريخ الإنشاء إلى عام 1924، على أيد المعماري جوزيبي مازا ، وتقع في ميدان سليمان باشا.

وتعد من أهم معالم وسط البلد، ويحتل الدور الأرضي منها مقهى جروبي الشهير،  الذي أسسه  السويسري جاكومو جروبي عندما جاء إلى مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

ولم يعلم جروبي عندما أنشأ مع ابنه مطعمًا ومتجرًا لبيع الحلوى يحملان اسمه في وسط القاهرة, أنهما سيصبحان علامة تاريخية في أهم ميادين القاهرة أحدهما بميدان طلعت حرب (سليمان باشا سابقا), والآخر بشارع عدلي.

وربما نجح جروبي لروعة المكان الذي كان يقدم فيهما الشطائر والحلوى والمشروبات وقوفًا على الطريقة الأمريكية, كما لم يكتفِ جاكومو بالمحلاّت الأربعة فكان يعمل على توصيل طلبات خارجية مثل إقامة الولائم في بيوت الوزراء والكبراء.


ولم يكن جروبي مجرد مطعم ومقهى على الطراز الفرنسيّ, وإنما جاء كمشروع ثقافي يرسي ذوقا وتقاليد جديدة, حيث اعتبر مركزا من مراكز الحداثة, فكان يقيم العديد من الحفلات الراقصة, ويستقدم الفرق الموسيقيّة, ويعرض في حديقته الخلفيّة عددا من الأفلام السينمائيّة.

وأدخل جروبّي إلى مصر للمرة الأولى أنواعا جديدة من الشيكولاتة والعصائر المركزة والمربى والجبن, وكرات مثلجة من الحليب والشيكولاتة وعصير الفواكه, وأنواع جديدة من الحلوى كانت اسمائها جديدة وقتها: كريم شانتي, مارون جلاسيه, جيلاتي, ميل فوي, إكلير, بُول دي شوكولاه, وغيرها.

وتم تصوير العديد من الأفلام العربية بالمحل أشهرها "العتبة الخضرا" و"يوم من عمري" و"عمارة يعقوبيان"، و"صايع بحر" ومسلسل "جمهورية زفتى".


عمارة بهلر

تعود إلى تشارلز بهلر رجل أعمال سويسري، امتلك في فترة من الزمن سلسلة من الفنادق الضخمة الشهيرة وعقارات بالقاهرة، وصاحب أشهر ممر وعمارة وفندق بوسط البلد، حيث ارتبط اسمه بتاريخ القاهرة الحضاري.

 ولم يكن هناك مبنى بحجم هذه العمارة في هذا الوقت؛ لأنها تم بناؤها على الطراز الباريسي، وكان ممر بهلر اشتهر بأفضل محال الملابس الرجالي والحريمي، ومن أفضل الماركات العالمية، بالإضافة إلى صالات لعرض اللوحات الفنية لكبار الفنانين.

وهو صاحب فندق "قصر الجزيرة" أو فندق "الماريوت" حاليا، وكان يفضل شراء المزيد من الأراضي الزراعية في جزيرة بولاق الزمالك؛ لتكوين شركة تنمية عمرانية.


عمارة الايموبيليا
كانت الايموبيليا أشهر بناية في مصر وقتها،  ضمن ممتلكات المليونير المصري القديم أحمد باشا عبود, أغنى أغنياء مصر في ذلك الوقت, حيث كانت تقدر ثروته ب 30 مليون جنيه في الثلاثينيات.

وتسابق الفنانون والمشاهير على السكن فيها، فهي تقع في شارع شريف بوسط القاهرة، ويرجع تاريخ إنشائها إلى العام 1940م، تتميز بمساحتها الواسعة 5444 مترا مربعا، ويصل عدد الشقق بها إلى 370 شقة، وتتكون العمارة من برجين، أحدهما بحري، ويتكون من 11 طابقا، والآخر قبلي، ويرتفع 13 طابقًا.


وتكلف بناؤها - آنذاك - مليونا و200 ألف جنيه مصري، ومع بدء تأجير الشركة المالكة لشقق العمارة نشرت إعلانا في الصحف لتشجيع الناس على السكن بها من خلال التركيز على عدد المصاعد الموجود بها، والذي يقدر بنحو 26 مصعدا.

ووصلت قيمة عقد الإيجار في الإيموبيليا إلى ستة جنيهات، وارتفع إلى تسعة جنيهات، وأخيرًا 12 جنيهًا حسب مساحة الشقة.

وهي مبالغ إيجارية عالية إذا ما قورنت بقيمة النقود في تلك الفترة التي لم يكن يتجاوز فيها سعر إيجار شقة مساحتها 140 مترًا على جنيهين أو ثلاثة، وبالطبع أغرت البناية العديد من الفنانين للسكن بها، ووصل عددهم إلى نحو 30 فنانًا، منهم:

نجيب الريحاني، محمد فوزي، أنور وجدي، ليلى مراد، محمود المليجي، محمد عبدالوهاب، ماجدة الصباحي التي لا يزال مكتبها موجودًا بها حتى الآن، ولا تزال تتردد عليه.


بناية صيدناوي
في قلب ميدان الخازندار بحي الموسكي، شيد الأخوان السوريان سليم وسمعان صيدناوي (وهم من طائفة الروم الكاثوليك)، المبنى الذي يحمل اسمهما على مساحة تبلغ 8530 متراً ليكون صرحا تجاريا ضخما بارتفاع 4 طوابق، وكان متخصصا في بيع الأقمشة، والمنسوجات المصرية الصنع، والتي كانت تصنع في الورش المملوكة لهما، وكانت المساحة المسطحة للطابق الواحد تبلغ حوالى 1700 متر.

وكانت بداية سمعان محل صغير للخردوات في منطقة الحمزاى بالأزهر، وبعد فترة حضر إلى مصر شقيقه الكبير سليم وشاركه في المحل، ثم اتسعت تجارتهما وضاق بهما الدكان الصغير، فانتقلا إلى حى الموسكى واشتريا منزلاً قديما في ميدان الخازندار وهدماه ليشيدا مكانه دكانا كبيرا، وبعد شهرة الشابين وحسن سمعتهما توسعا في التجارة وقاما بتحويل المحل إلى صرح كبير هو تحفة معمارية في البناء والتصميم والديكورات.


عمارة يعقوبيان
وعلى مقربة من ميدان طلعت حرب، توجد عمارة يعقوبيان الشهيرة التي تم إنشاؤها عام 4391 عندما قام بتشييدها عميد العائلة الأرمنية "جاكوب يعقوبيان" وهي مميزة لأنها كانت تضم سكان من ديانات متعددة وعدد كبير من سكانها كانوا من الشخصيات الثرية وقد تم تجسيد هذه الشخصيات في أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ مصر عن قصة الكاتب علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان".


عمارة ميرامار
وظلت الإسكندرية خير شاهد على تزاوج وامتزاج الحضارات في الشرق، وبقي تراثها المعماري حاضنًا لإبداعات فنون الشرق والغرب، ففي عمارة ميرامار التي خلدها نجيب محفوظ في قصته الشهيرة تجد قلبك تعلق بسحر العمارة التي حملت بصمة الإبداع الإيطالي والإسلامي.


وتعلق قلب نجيب محفوظ بسحر فن العمارة، الذي يتمتع به العقار، حتى أنه كان يجلس على مقهى مقابل لـ"ميرامار" يتغزل في جمالها، ويتمعن في سحرها، حتى أتاه وحي الكتابة، الذي ألهمه كتابة رواية تحمل نفس اسم العقار.


اضف تعليق