ظاهرة تسريب الوثائق في الأردن.. كيف ذلك ولمصلحة من؟


٠٦ مارس ٢٠١٩ - ٠٩:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - علاء الدين فايق

عمّان - باتت ظاهرة تسريب الوثائق الرسمية، تزدهر مؤخرًا، وتثير القلاقل في الأردن، منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء عمر الرزاز، في يونيو العام الماضي، لدرجة تدخل العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بذلك، محذرًا من "اغتيال الشخصية" و"تسريب الوثائق".

ويبدو رئيس الوزراء الرزاز، غير قادر على حسم هذا الملف، وقد أحرجته وثائق التعيينات الحكومية الأخيرة، بعد "حرب" تسريب وثائقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ودفعته مرغمًا على إعلان وقف جميع التعيينات.

وعبر تويتر، كان للملك عبدالله الثاني، رأيه الحازم في هذه الظاهرة المتنامية في تغريدتين متتابعتين، بعدما بلغت مستوى غير مسبوق، في تداول وثيقة عسكرية خاصة بالقوات المسلحة الأردنية.

وفي التغريدة الأولى، كتب الملك أن "اغتيال الشخصية ونشر المعلومات المغلوطة، هما تعدٍّ صارخٌ على الحياة الشخصية وعلى الأعراف والقوانين، وهذا الأمر دخيل على مجتمعنا وقيمنا، أما تسريب المعلومات والوثائق الرسمية فهو أمر مرفوض ومناف للأخلاق ولن نسمح به، والقانون سيأخذ مجراه".





أما في الثانية، فتحدث الملك عن التعيينات الأخيرة وما رافقها من جدل في الشارع الأردني، قائلًا " لا بد من أن يرتكز التوظيف على أسس العدالة والنزاهة، وفي الوقت ذاته يجب أن لا يتعرض شبابنا مثل زيد أو لانا أو فيصل أو غيرهم للإساءة والتجريح. فرص العمل يجب أن تكون متاحة لجميع الشباب بشفافية ومساواة، ضمن معيارين أساسيين هما الكفاءة والجدارة".

وأخذت تغريدة الملك الأولى بشأن "نشر الوثائق وتسريب المعلومات" ردود أفعال متباينة على مواقع التواصل، فمن ناحية رأى البعض فيها مرحلة جديدة في تعامل الدولة مع حراك الشارع، ومن ناحية أخرى توافق العديد مع الملك بضرورة الحفاظ على هيبة الدولة.


تغريدة الملك.. ردود أفعال

 نقيب الصحفيين الأردنيين راكان السعايدة، قال معلقًا على تغريدتي الملك، إن "ما غرد به جلالة الملك هو التوصيف الدقيق والواقعي لما نلحظه من خلل وانفعال في اشتباكنا مع قضايانا الداخلية، كبيرها وصغيرها".

وبرر السعايدة دفاعه عن التغريدة الملكية قائلا إن "الملك يريد ان يستفز بنا قيمنا الأخلاقية وعاداتنا وتقاليدنا لتعود هي المحرك لتعاملنا مع بعضنا ومع بلدنا.. الملك قال ما نشتكي منه، وما نعانيه.لنقرأ تغريدات الملك من الزاوية الصحيحة".

 وأضاف نقيب الصحفيين أن "أكثر ما استفزني تسريب وثائق عسكرية الأصل انها سرية في مؤسسة غاية في الخصوصية والحساسية.. وكأن الهدف المس بهذا الحصن".


لكن آخرين وجدوا في تغريدات الملك، دليل على أن "فوضى التعيينات زادت من حالة الاحتقان في الشارع، وقللت من عمر حكومة الرزاز التي تحتضر، فيما أضحت مواقع التواصل الاجتماعي منبرا بديلا عن الأحزاب السياسية والنقابات وكل جماعات الضغط، وتساهم في بلورة القرار السياسي".

ويرى الصحفي الأردني حمزة أبو رمان، أن "تصريحات الملك لأول مرة، حملت طابعا هجوميا على غير العادة، وتنذر بمرحلة جديدة من العلاقة بين الشعب الأردني وصانع القرار".

وليس هناك تعريف واضح ومحدد صراحة، لاغتيال الشخصية، وهو الأمر الذي دفع البرلمان، لرد مشروع قانون الجرائم الإلكترونية للحكومة، قبل نحو أسبوعين، ودفعت منظمة "هيومن رايتس ووتش لانتقاد تعديلات القانون، ووصفها بأنها مقيدة للحريات بشكل مفرط.

وفيما يتعلق بتسريب الوثائق والمعلومات، وبعضها يفترض أنه أمر داخلي لا يجوز نشره وتداوله، سيما فيما يتعلق بالشأن العسكري حيث ينبغي توافر السرية معها، يرى الكاتب في الشؤون الاقتصادية والسياسية‏ حسين البناء، أنها "تتزامن كل ذلك مع حالة احتقان عام و مظاهر مستجدة على المجتمع الأردني".





ويقول البناء "يمكن للمرء النظر لتلك الظاهرة من منظورين متباينين، الأول يرى بإيجابية كشف و (فضح) الممارسات الحكومية غير المهنية أو غير القانونية أو غير الأخلاقية، و تعتبر ذلك جزءًا من مفهوم الشفافية و حق الحصول على المعلومة .. ومن المنظور الثاني يرى بضرر تلك الظاهرة حيث يعتبرها خرقًا للخصوصية، و اختراقًا لأسرار الدولة، و عملًا غير قانوني و لا أخلاقي أيضًا من شأنه إلحاق الضرر بالدولة و أمنها و مصالحها العليا".


وبحسب البناء فإن البُنية التشريعية في الأردن تستقر على إيقاع عقوبات مغلظة على كل من يقوم بعمل يندرج تحت بند (إفشاء الأسرار، و نشر المعلومات والوثائق المصنفة بالسرية)، ابتداءً من قانون حماية اسرار ووثائق الدولة لسنة 1971 ، فمرورًا بقانون العمل ساري المفعول الذي يعاقب بالفصل من الوظيفة (بالمادة 28/و) منه.

 ويدرج قانون العقوبات الساري عقوبة خاصة لكل تصنيف (درجة السرية) الخاص بالوثائق المسربة. بهذا لا نستطيع القول بأن التشريعات في الأردن تلعب أيّ دورٍ في انتشار ظاهرة نشر الوثائق و تسريب المعلومات.


التسريبات.. أسبابها ومغزى توقيتها

لكن السؤال الذي يدور في ذهن الكثير هو: كيف و لماذا يتم تسريب الوثائق بهذا الشكل وفي هذه الأيام بالذات؟.

يرى الكاتب حسين البناء، أن الإجابة على هذه الأسئلة، "قد تكون أكثر تعقيدًا أو أبسط بكثيرٍ مما نعتقد؛ فمن المتوقع أن لا يخرج مُبرِّر ذلك عن أحد هذه الأسباب الموضوعية.

فمن الناحية التقنية والفنية تكمن سهولة تنفيذ عملية تصوير أو تسجيل أي محتوى رسمي عن طريق الهواتف المحمولة الذكية و كذلك سهولة تداولها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تحت أسماء و حسابات وهمية.

ومن الناحية الأمنية، فإنه يستحال ضبط ومنع تداول أية وثيقة رسمية بيد عدد (محدد) من الأشخاص وذلك بحكم قيام بعض الموظفين مثل المراسل و الطابع و موظف الأرشيف و الديوان والسائق من الاطلاع على فحوى الوثائق أثناء القيام بعملهم اليومي الطبيعي.

وكذلك من الناحية التعقبية، يصعب تحديد الشخص الذي قام بتسريب الوثيقة، أما من الناحية الوظيفية فإن داخل معظم الدوائر و الموسسات هنالك من أشكال الصراع و التنافس ما يدفع بأحد الأطراف بتجنيد موظفين في أقسام معينة بهدف كشف وفضح أية وثيقة من شأنها الإضرار بالمدير أو المسؤول الذي يُعتبَر تهديدًا أو منافسًا له في المنصب شبه الشاغر.

ومن الناحية السياسية، ينظر البناء، إلى أن تسريب وثائق معينة يتم  بتوقيتات محدّدة وبشكلٍ مقصود من بعض الجهات بهدف خلق حالة التمويه والتضليل والإلهاء أو بهدف (اغتيال شخصية عامة) إداريًا و سياسيًا على نية إنهاء دوره في مؤسسة ما.

وتطرق البناء إلى أنه من الناحية الخاصة الفردية، فإن بعض الموظفين الذين يشعرون بالظلم والتهميش، ومِمَّن لديه خلافات خاصة مع مؤسسته أو مديره المباشر، فإن بعضهم يقوم متعمدًا بتسريب وثائق للخارج كرد وانتقام على ما يشعر به من مظلومية و عدم اعتبار.








اضف تعليق