رسالة ماكرون.. نفحة "أوروبية" لذر الرماد في العيون


٠٧ مارس ٢٠١٩ - ٠٧:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

 قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات الأوروبية، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يميط اللثام عن سلسلة مقترحات لتحقيق النهضة الأوروبية، في مقال موجه بشكل أساسي إلى مواطني الاتحاد، ونشر في دول الأعضاء الـ28.

يقول ماكرون -في مقاله تحت عنوان "من أجل نهضة أوروبية"- في هذا الظرف الحاسم الذي تمر به قارتنا يتعين علينا إعادة النظر والتفكير في النموذج الحضاري الأوروبي على الصعيدين السياسي والثقافي، في هذا العالم الذي تحكمه الكثير من التغيرات، وفي أجواء البلبلة الناجمة عن "بريكست" و"الانطواء القومي"، هناك وضع ملح، لأن أوروبا لم تكن يوما في خطر كما هي الآن.

وأضاف استفتاء البريكست وما تبعه من مفاوضات شاقة لم تفض بعد إلى أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، هو بمثابة درس لباقي شعوب أوروبا، ولا يمكننا السماح للشعبويين باستغلال الغضب الشعبي أكثر من ذلك، لذا يجب إطلاق مشروع طموح يجعل الشعوب تتحكم حقا في مستقبلها.

محاور الرسالة "الماكرونية"

ركز ماكرون -في رسالته- على ثلاث قضايا أساسية كانت محور حملته للانتخابات في 2017، هي الحرية، والحماية والتقدم، وعرض ماكرون سلسلة من المقترحات منها:

-  عقد "مؤتمر أوروبي" قبل نهاية العام الجاري، يضم مواطنين وجامعيين وشركاء اجتماعيين، ليحدد خارطة طريق جديدة للاتحاد بدون محظورات، حتى أنه تحدث عن أمكانية مراجعة بعض المعاهدات.

-  إعادة النظر بفضاء شنغن، وجدد ماكرون الحديث عن مقترحاته السابقة الخاصة بتأسيس "مكتب أوروبي للهجرة"، و"شرطة مشتركة للحدود".

-  إنشاء "وكالة أوروبية لحماية الديمقراطيات" تهدف إلى حماية الانتخابات من الهجمات الإلكترونية وعمليات التلاعب، معبرا في هذا الصدد عن قلقه من التدخلات الخارجية وتداعيات تمويل الأحزاب الأوروبية من قبل قوى أجنبية.

-   تبني "حد أدنى أوروبي للأجور"، وقال ماكرون في هذا الصدد: يجب على أوروبا أن تقيم درعا اجتماعية تضمن الأجر نفسه في مكان العمل نفسه.

-  إصلاح سياسة المنافسة أوروبيا، وإعادة النظر في السياسات التجارية بين دول الاتحاد.

-   تنظيم عمل شركات الإنترنت العملاقة، بحيث تخضع لإشراف أوروبي مشترك، في وقت تدرس فرنسا فرض ضريبة على إيرادات مجموعة "غافا" لعمالقة الإنترنت "جوجل وأمازون وفيسبوك وآبل".

-  من أجل تمويل الانتقال البيئي للقارة، اختار ماكرون أن يختم رسالته بمقترح يتعلق بإنشاء مصرف أوروبي للمناخ، يكون هدفه الوصول بدول أوروبا إلى صفر كربون بحلول 2050، واستخدام نصف كمية مبيدات الحشرات بحلول 2025.

هل بدأ ماكرون الانتخابات مبكرا؟

رسالة ماكرون بمقترحاتها الـ 10 لإحياء أوروبا، جاءت مثيرة للجدل، ففي حين رأى البعض أن ماكرون كان واقعيا للغاية في طرحه، رأى آخرين أن الرسالة ليست إلا برنامج انتخابي "استباقي" لحزب ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، بل أنه تجاوز فيها الشركاء الأوروبيين، مقدما نفسه كقائد للاتحاد.

يرى طارق وهبي المحلل السياسي المختص بالشأن الأوروبي، أن ماكرون يعلم جيدا أن الانتخابات الأوروبية القادمة لن تكون سهلة، لذا اختار أن يخاطب المستقلين الأوروبيين بعيدا عن معسكرات اليمن واليسار، والذين يمكن أن يعول عليهم ماكرون للفوز بالانتخابات.

ويضيف وهبي في تصريحات لـ"مونت كارلو": ماكرون بالفعل بدأ حملته الانتخابية قبل الآوان، فحتى في الحوار الوطني الشامل داخل فرنسا، تحدث عن علاقة فرنسا بأوروبا، فهو شخص ذكي جدا في الموضوع السياسي ويحاول الوصول إلى تشكيل ما يشبه تجمع للأحزاب الأوروبية الداعمة لأفكاره بالمستقبل.

يتابع تختلف هذه الرسالة عن خطاب ماكرون في جامعة السربون عام 2017، الذي ركز على مستقبل "منطقة اليورو"، لذا ورد ذكرها 18 مرة، أما في رسالة اليوم لم يذكرها ماكرون ولا مرة، لرغبته في التركيز على محاور بعينها هي تقوية المؤسسات الأوروبية وتوحيد أوروبا في مواجهة التحديات الأمنية، إذا هو يحاول أن يكون أكثر واقعية ويمد اليد للحركات السياسية القريبة من تياره، بل وأيضا للأوروبين عموما لذا أيضا تكلم عن الحد الأدنى للأجور.

ماكرون و"الشعبوية"

من باريس يقول خطار أبودياب -المستشار السياسي لـ"مونت كارلو"، في تصريحات لبرنامج "نافذة على العام"- نلتمس في رسالة ماكرون نفحة وطنية أوروبية من أجل إيجاد موطئ قدم لأوروبا في التوازنات الدولية الجديدة، ونرى ماكرون يقترب من وسط اليمين أكثر من اليسار، فعلى الصعيد الداخلي هو يحاول تهميش اليمين المتطرف واليسار، وعلى الصعيد الأوروبي هو يحاول تقديم نفسه كقائد للتيار التقدمي في مواجهة التيار الشعبوي.

وأضاف، في الظاهر بمتن الرسالة يبدو ماكرون أقل انتقادا للتيارات الشعبوية، لكنه في الواقع يقود معركة شرسة ضد هذه التيارات ويحاول أن يقنع التيار الحائر بين أوروبا و"الانطواء القومي"، بأن مشروع هذه التيارات بلا مستقبل.

فيما ترى مايا خضرة الكاتبة والباحثة في جامعة السوربون، أن خطاب ماكرون جاء متناقضا مع سياسته كرئيس تقدمي، فهو تحدث عن "الحدود" بلهجة أقرب إلى القوميين الأوروبيين، مضيفة -في تصريحات لـ"فرنسا 24"- أمور مثل إعادة النظر في فضاء شنغن ومراقبة الحدود، تتطلب وئاما مع الحلفاء الأوروبيين، وهذا غير متوفر في الوقت الراهن فهناك خلاف فرنسي إيطالي، والحليفة الأقرب لماكرون المستشار أنجيلا ميركل تعيش أيامها الأخيرة في الحكم، إذن ماكرون يغرد وحيدا خارج الهوى الأوروبي، هو فقط يحاول أن يستنهض بعض الأصوات الأوروبية الأقرب إلى نهجه السياسي، في إطار حملته الانتخابية.

تتابع: تصرف ماكرون بالقفز فوق رؤوس الحكومات ومخاطبة الشعوب مباشرة، هو تصرف "شعبوي" يحاول من خلاله تقديم نفسه كزعيم قريب من الشعب، وهذه كذبة ماكرونية متعجرفة تقلل من احترام الاتحاد الأوروبي وقادته.



اضف تعليق