إشكاليات المقاتلين الأجانب داخل "داعش" ما بعد القضاء على معاقله


٠٨ مارس ٢٠١٩ - ١٠:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

مع اقتراب القضاء على جيوب تنظيم "داعش" جغرافيا، عند جيب "الباغوز" شرق سوريا، تبرز إشكاليات، مرتبطة بمرحلة ما بعد القضاء على معاقل التنظيم، أبرزها قضية الأجانب في صفوف هذا التنظيم.

المعلومات الواردة من شهادات مقاتلي داعش بعد عودتهم إلى أوطانهم إلى أوروبا، والتي كشفت عنها الاستخبارات الداخلية الألمانية، والمدعي العام في مدينة "كارلسرو" أظهرت حقيقة أن التنظيم يستهدف تجنيد المقاتلين الأجانب، ويستثمر وجودهم داخل التنظيم. المعلومات أكدت أن التنظيم يستغل المقاتلين الأجانب في عمليات لوجستية ساندة منها الإعلام وإدارات عمليات القرصنة الإلكترونية وشبكة تجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال علاقاتهم العائلية ورفاقهم.

واقع التنظيم يقول: إنه لا يزج الأجانب في عمليات قتالية في الواجهة مثلما يفعلها مع المقاتلين من آسيا الوسطى أو المقاتلين العرب والمحليين من العراق وسوريا. وتعتبر تنفيذ عمليات الإعدامات وقطع الرؤوس والرقابة على السجون واحدة من أبرز المهام التي تعطى إلى المقاتلين الأوربيين والغربيين. أما العمليات الانتحارية، فربما تنحصر ببعض المقاتلين الأوربيين الذين التحقوا للتنظيم لأسباب عقائدية أي أن فكرة التطرف أصلا موجودة في ذهنيتهم قبل الالتحاق بالتنظيم.


تنظيم داعش عراقي الهوى والمنشأ

أنبثق تنظيم داعش من تنظيم القاعدة في العراق الذي أسسه وبناه أبومصعب الزرقاوي في عام 2004، عندما كان مشاركًا في العمليات العسكرية ضد القوات التي تقودها الولايات المتحدة والحكومات العراقية المتعاقبة في أعقاب غزو العراق عام 2003، ومثل مجلس شورى المجاهدين والذي مهد أكثر لقيام تنظيم "دولة العراق الإسلامية". وفي نهاية عام 2006 أعلن مجلس شورى المجاهدين (يضم القاعدة) عن تأسيس دولة سميت بالدولة الإسلامية في العراق. فبعد مقتل أبوعمر البغدادي زعيم التنظيم السابق، بشهرين، أي خلال شهر يونيو 2010 صعد أبوبكر البغدادي إلى زعامة التنظيم. في شهر أكتوبر من عام 2013 أعلن أبوبكر البغدادي تسمية ما يسمى "الدولة الإسلامية" في العراق والشام وبعدها انشقاق أبومحمد الجولاني ليعلن تنظيم النصرة، ومبايعته تنظيم القاعدة وزعيمها الظواهري.

وكان التنظيم، تحديدا قيادات التنظيم "حلقة مغلقة" تعتمد على العلاقات الشخصية في مرحلة ما قبل سقوط النظام في بغداد عام 2003، وعلاقات حميمة داخل سجن بوكا. في واقع التنظيمات المتطرفة، تشهد ضعفا في حلقتها المغلقة مع توسع التنظيمات، ومع خسارة بعض قياداتها، مع ظهور الانشقاقات كما بات معروفا. التنظيم خسر الحلقة المغلقة في أعقاب اجتياحه مدينة الموصل يونيو 2014، بسبب حاجته إلى مزيد من المقاتلين لفرض سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية. الانشقاقات ضربت التنظيم من الداخل بسبب ظهور تيارات تختلف مع بعضها، أبرزها تيار الحازمون، الأكثر تشددا.

تنظيم داعش أيضا عانى كثيرا من وجود "عملاء" داخل التنظيم يعملون لحكومات إقليمية ودولية والبعض يعمل لأطراف وجماعات وتنظيمات متطرفة وهذا ما زاد في عدد العمليات داخل التنظيم.


المقاتلون الأجانب و"إدارة دولة الخلافة"

كانت تجربة "الحوكمة" أو " إدارة دولة الخلافة" في الموصل وفي الرقة، تعاني الكثير من المشكلات الداخلية، أبرزها وجود تمييز بين المقاتلين، وكان العراقيون ربما لهم الذراع الاعلى في إدارة "الولايات"، وهذا ما دفع الكثير من المقاتلين العرب إلى التذمر. وبين المقاتلين العرب والعراقيين، أحتل المقاتلون الأجانب أيضا أهمية أكثر المقاتلين المحليين، استخدم التنظيم الجماعات من آسيا الوسطى والشيشان، في القيادات الميدانية للعمليات العسكرية، أما المقاتلون من حملة الجنسية الأوروبية، فقد كانت يحظون باهتمام بالغ، وتتركز اعمالهم، في إدارة دعاية تنظيم داعش، وإدارة السجون والدعم اللوجستي من الداخل، أكثر من زجهم في عمليات قتالية، وما يبرهن ذلك أن إحصائيات "اليوروبول" المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب في لاهاي حول المقاتلين الأوروبيين ذكر أن نسبة 10% قتلوا في سوريا والعراق وعاد فقط 30% منهم إلى أوطانهم من مجموع خمسة آلاف مقاتل.

منذ صعود تنظيم داعش إلى الواجهة، ولحد الآن لم يظهر مقاتل أوروبي، بين القيادات الاستراتيجية وفي البنية التحتية للتنظيم أبرزها: "مجلس الشورى، واللجنة المفوضة، وغالبية المهام التي كان يقوم بها المقاتل الأوروبي، هي الدعاية، وتنفيذ عمليات انتحارية محدودة داخل أوروبا خلال عام 2015 و2016، والتي اختفت تقريبا من مسرح العمليات الواسعة في أوروبا، لتتحول إلى عمليات محدودة كالطعن بالسكين والدهس بالعجلات.

معطيات التنظيم تقول: إن تنظيم داعش، رغم ما شهد من نقص في عدد المقاتلين ما بعد خسارة معاقله في سوريا والعراق ومناطق أخرى، يبقى العنصر الأوروبي، خارج معادلة، القيادات الاستراتيجية، وليس مستبعدا أن يكون عامل الشك وعدم الثقة، وراء عدم ترجيح صعود الأوروبيين إلى الخط الأول أو قيادة التنظيم، كون اعترافات بعض العائدين من الأوروبيين، أكدت شعورهم بالإحباط وكيف تم إخضاعهم لاختبارات أمنية للتأكد من أنهم غير "مدفوعين" من أجهزة استخبارات أوروبية أو غربية. المقاتل الأوروبي، في الغالب، كان يجبر على تنفيذ عمليات الذبح أو الإشراف على السجون ويطلب منه كشف الوجه، من أجل إثبات ولائه.

ما زال تنظيم داعش "عراقي" الهوى، يراهن على العراق وعلى الملاذات الآمنة حتى أكثر من سوريا، وهذا يعود إلى نشأة التنظيم وانطلاقته، وما يدعم هذه الفكرة، أن تقارير البنتاغون والاستخبارات المركزية وتقارير أمنية، تحذر من عودة تنظيم داعش إلى العراق خلال الفترة القادمة.

المقاتلون الأجانب، بدون شك، سيكون لهم دور مؤثر، ربما ليس داخل التنظيم، بقدر اعتبارهم "قنابل موقوتة" داخل أوروبا وعواصم غربية، تثير هاجس وقلق أجهز الاستخبارات ، ولكنهم بعيدون عن الوصول إلى حدّ القيادات الاستراتيجية.


النتائج

ـ إن تنظيم داعش ما زال فاعلا في العراق، ويراهن على المنطقة الغربية، البادية وحوض حمرين اكثر من بقية المناطق. التنظيم  فقد اتصالاته مع قياداته وتحول إلى مجموعات مناطقية، وهذا يدعم فكرة أن التنظيم في العراق وسوريا لم يعد قادرا على التواصل بشكل جيد، لكنه ينشط مناطقيا، تكون قياداته مناطقية، وهي تختار الأهداف وتوقيت العمليات وتعتمد على ذاتها في التمويل. التنظيم ما زال يستخدم "الطائفية" في عمليات التجنيد.

ـ بعد ان خسر التنظيم الكثير من قدرته على التجنيد من خلال الخطب المفتوحة والتسجيلات المسموعة والمرئية، الآن بدأ يستخدم العلاقات الشخصية واللقاء المباشر خاصة في العراق المنطقة الغربية، الأنبار بالأشخاص في التجنيد بشكل مباشر، بعد أن خسر الكثير من منصاته الإعلامية و"أئمة التطرف" على الأرض.

ـ إن خطر داعش ما زال قائما، على شكل جيوب وخلايا نائمة وخلايا نشطة تتحرك بشكل سري ودقيق بعيدا عن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضمن هذه المرحلة والتي يسميها داعش مرحلة" الشوكة والنكاية" وهي المربع الأول، أي التنظيم يعيد تكوين نفسه من جديد.

ـ مساعي تنظيم داعش إلى عودة أنشطته، تبعد احتمالات أن يتحول التنظيم إلى تنظيم جديد، أي أن تنظيم داعش ما زال يراهن على اسمه ويسعى إلى عودته إلى مرحلة التوحش، والتي ربما توصله من جديد إلى اعلان "محميات إسلاموية " تحديدا في العراق.

ـ إن عددًا من المقاتلين الأجانب يمكن أن يشعروا بالإحباط، بعد خسارة معاقله، والبعض الآخر "الجماعات العقائدية" تبقى تمثل تهديدا على أمن دول أوروبا، حتى بعد عودتهم وانقضاء فترة الأحكام القضائية، وهذا ما يمثل إرباكا واستنزافا في قدرات أجهزة الاستخبارات الأوروبية  في المنظور المتوسط

التوصيات

ظهور داعش في العراق تستفيد منه أطراف دولية وإقليمية، من أجل البقاء في العراق والتدخل في سياساته تحت يافطة "محاربة الإرهاب" أطراف دولية، وإقليمية ربما تفضل تنظيم داعش في العراق وحتى في سوريا من أجل استخدامهم جماعات "تقاتل بالوكالة" الفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران في العراق والفصائل الكردية في سوريا.

إن ظهور تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة، تقوم على نقص في السياسات المحلية والتهميش والظلم، إلى جانب سردية الفقر والبطالة، وهذا يعني أن احتمالية ظهور تنظيم داعش من جديد في العراق يبقى قائما، معتمدا على ما تقدمه الحكومة، من برامج وحزم إصلاحية اقتصادية في إعادة البنى التحتية ومشاريع اقتصادية للتخلص من البطالة والفقر.



اضف تعليق