محاكمة مانافورت.. عندما تنحاز العدالة الأمريكية لــ"الياقات البيضاء"


٠٩ مارس ٢٠١٩ - ١٠:٤٧ ص بتوقيت جرينيتش

 كتبت - ولاء عدلان

أصدرت محكمة أمريكية بولاية فرجينيا، مساء الخميس الماضي، حكما بالسجن لمدة 47 شهرا، بحق بول مانافورت، المدير السابق للحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب، بعد ثبوت إدانته في جرائم تتعلق بالاحتيال المصرفي والضريبي، وأثار الحكم جدلا واسعا في الشارع الأمريكي، إذ طالب الادعاء العام بعقوبة تتراوح بين 19 و24 عاما لمانافورت، ما دفع البعض للحديث عن التساهل القضائي الذي يتمتع به في العادة الأثرياء أمام المحاكم الفيدرالية.

مانافورت هو أحد 7 مستشارين سابقين لترامب، اتهموا في إطار تحقيق مولر الخاص بالتواطؤ المحتمل بين حملة ترامب وروسيا في انتخابات 2016، إلا أن هذا الحكم بعيد تماما عن "مولر"، ويتعلق بشكل أساسي بتعمد مانافورت التهرب الضريبي عبر خطة احتيال لإخفاء ملايين الدولارات التي حصل عليها نظير تقديم استشارات سياسية في أوكرانيا.


داخل المحكمة

قال مانفورت لهيئة المحكمة برئاسة القاضي تي. إس إيليس -طلبا للتعاطف معه- كان العامان الماضيان أصعب السنوات بالنسبة لعائلتي ولي، والقول بأنني أشعر بالإهانة والخجل أقل بكثير من الواقع.

من جانبه أكد فريق الادعاء لهيئة المحكمة، أن هيئة المحلفين وجدت مانافورت مذنبا ليس فقط لإخفاء ثروته والتهرب من دفع 6 ملايين دولار كضرائب، ولكن أيضا لتعمده خداع عدة مصارف للحصول على ملايين الدولارات كقروض، موضحا أن جريمة الاحتيال المصرفي وحدها تصل عقوبتها القصوى إلى السجن لمدة 30 عاما.

فيما دافع القاضي إيليس عن قراره بسجن مانافورت 47 شهرا فقط، بالقول: إن مطالبة الادعاء بحكم يتجاوز الـ19 عاما مبالغ فيها للغاية، مضيفا مانافورت ارتكب جرائم خطرة، لذا ألزمته هيئة المحكمة بدفع تعويضات للحكومة تتراوح بين 6 و25 مليون دولار، وغرامة مالية قدرها 50 ألف دولار.


 عقوبة غير كافية

في تقرير لـ"نيويورك تايمز"، أكد عدد من خبراء القانون أن العقوبة التي حصل عليها مانافورت -المتهم في 9 قضايا آخرى تتعلق بالاحتيال مصرفي- تكشف حالة من التساهل القضائي المرتبط بجرائم أصحاب الياقات البيضاء من كبار المجرمين، باعتبارهم يملكون المال الكافي للدفاع عن أنفسهم أو لأن بعض القضاة يتعاطفون معهم بصورة صارخة.

 يقول دنكان ليفين -مدعٍ فيدرالي سابق متخصص في الجرائم المالية- بعد حساب الوقت الذي قضاه السيد مانافورت في السجن منذ إدانته في أغسطس 2016 سنجد أنه سيقضي فقط 22 شهرا بالسجن، وهي عقوبة أقل بكثير مما يجب أن يحصل عليه، فالكثير من المجرمين يحصلون على فترة أطول من السجن في جرائم أقل خطورة من جريمة مانافورت.

واعتبر القاضي السابق في ولاية كارولينا الجنوبية ويليام نتلز، قرار القاضي إيليس دليلا جديدا على التمييز لصالح الأثرياء الذي يحدث من وقت لآخر داخل أروقة القضاء الأمريكي، قائلا: كيف يمكننا أن نفسر للعالم الأحكام الأكثر قسوة التي حصل عليها مواطنون آخرون في جرائم ربما أقل خطورة من جريمة مانافورت، لا لشيء إلا لكونهم فقراء أو من أصحاب البشرة السوداء.

من المعسكر "الديمقراطي" شن السناتور كوري بوكر -المرشح لتمثيل الحزب في انتخابات 2020- هجوما شرسا على القاضي إيليس، قائلا: هذا الحكم صادم للغاية ويؤكد قصور نظامنا القضائي، ففي عام 2009 القاضي إيليس نفسه حكم على "السياسي الأسود" وليام جيفرسون بالسجن 13 عاما، لتقاضيه رشوة بـ90 ألف دولار، أما اليوم فهو لا يتورع أن يحكم على مانافورت الذي سرق الملايين من الدولة بحكم مخفف لمجرد لون بشرته الفاتح.

في هذا الصدد، نشرت "سي إن إن" بيانات تفضح عنصرية القضاء الأمريكي، إذ يشكل أصحاب البشرة السوداء 38% من عدد السجناء الفيدراليين، فيما لا تتجاوز نسبتهم الـ 13% من تعداد سكان البلاد، وفي حين يحصل الأشخاص المدانين في جرائم المخدرات على متوسط عقوبة 55 شهرا، يحصل "الأغنياء" المتورطون بجرائم ضريبية على متوسط 10 أشهر، وبجرائم تبييض الأموال على 18 شهرا,

 إذن مانافورت حصل على حكم مخفف بإجماع الشارع الأمريكي، لكن "جرته قد لا تسلم" الأسبوع المقبل، حيث ينتظره حكم جديد قد يبقيه في السجن حتى الوفاة، على خلفية اتهامات تتعلق بعمله السابق مع الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش وحزبه الموالي لروسيا خلال الفترة من 2005 إلى 2014، وتعمده خرق القانون لصالح يانوكوفيتش، والحصول على أموال بغرض تبييضها عبر عدة دول.


اضف تعليق