الفاسد المعروف يكسب الرهان .. عصر "الملك بيبي" لم ينته بعد!


١٥ مارس ٢٠١٩ - ٠٣:٤١ م بتوقيت جرينيتش


رؤية - محمد عبدالدايم

جاءت نتائج آخر استطلاع للرأي حول الانتخابات الإسرائيلية القادمة في إبريل مخيبة بالنسبة لتحالف كاحول لافان، حيث أظهر تراجعًا واضحا لتحالف الرباعي بيني جانتس ويائير لابيد وموشيه يعلون وجابي أشكنازي، في مقارنة مع استطلاعات سابقة منحت التحالف الجديد تفوقًا على حزب هاليكود الذي يترأسه بنيامين نتنياهو.

قبل أقل من شهر على انتخابات الكنيست؛ يظل نتنياهو المرشح الأوفر حظًا – وفقًا لنتائج الاستطلاع الأخير – لتشكيل حكومة إسرائيل القادمة، فقد أظهرت نتائج الاستطلاع حصول هاليكود على 28 مقعدًا في الانتخابات، مقابل 31 مقعدًا لتحالف كاحول لافان، الذي خسر 5 مقاعد في هذا الاستطلاع كانت تحت يده في الاستطلاع السابق.

رغم حصول تحالف كاحول لافان على عدد مقاعد أكثر من هاليكود؛ فإن نتنياهو يظل إلى الآن رابحًا، لأنه يستطيع تكوين ائتلاف حاكم بمساندة أحزاب اليمين، لذلك أفصحت نتائج الاستطلاع عن تفضيل أغلب المستطلعين لنتنياهو كرئيس للحكومة.


هبوط كبير ثم صعود من جديد

الرجل الأول في إسرائيل يواجه أكبر تحد داخلي خلال مسيرته السياسية، بعد أن أعلن المستشار القضائي للحكومة توجيه اتهامات الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة لنتنياهو، ليصبح أول رئيس وزراء يُتهم رسميا وهو في منصبه.

بمجرد إعلان الاتهامات تراجعت مكاسب هاليكود ونتنياهو في استطلاعات الرأي، في مقابل صعود كبير للتحالف المنافس كاحول لافان، حتى اعتبر البعض أن بيني جانتس أصبح قاب قوسين أو أدنى من تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد انقضاء الانتخابات في إبريل.

بمرور الأيام بدأت الكفة تميل مجددًا لصالح نتنياهو وهاليكود، مع تراجع تحالف كاحول لافان، فليست الاتهامات وحدها قادرة على إسقاط الملك بيبي، خصوصا بعد الثقل السياسي الكبير الذي أصبح يتمتع به.

"انتهى عصر نتنياهو" كانت هذه الجملة بين الأكثر انتشارا على ألسنة المراقبين والإعلاميين من أطراف إسرائيلية وغير إسرائيلية، لكن بعد مرور نحو أسبوعين على إعلان البعض نهاية عصر نتنياهو؛ يمكن القول إن رئيس حزب هاليكود ما يزال الأوفر حظًا حتى الآن للبقاء في منصبه كرئيس للوزراء.


داعمون إلى النهاية

يستند نتنياهو إلى قاعدة سياسية كبيرة، تتمثل في أحزاب اليمين، واليمين الديني على وجه الخصوص، وهذه الأحزاب، بما لها من تأثير على المنتسبين إليها، تعلن بشكل مستمر مبايعتها لنتنياهو، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليه، لأن مثل هذه الأحزاب والجماعات قد حققت مكاسب لم تحلم بها من قبل، فمنذ انتخابات الكنيست التاسعة عام 1977، التي شهدت نجاح هاليكود للمرة الأولى، لم تحقق الأحزاب الدينية نجاحا شبيها بما وصلت إليه الآن، ففي عهد نتنياهو تمت زيادة المخصصات للمؤسسات الدينية، وأصبح الائتلاف الحكومي الحاكم يجمع أعضاء أكثر من الكتل اليمينية الحريدية، إلى جانب المكاسب الأخرى المنتظرة التي يُتوقع أن تحصل عليها أحزاب اليمين المتشدد إذا ما نجح نتنياهو.

حينما أُعلن للمرة الأولى عن نية بيني جانتس دخول الحياة السياسية بعد خلعه الزي العسكري؛ توقع له البعض أن يصبح حصان طروادة في السياسية الإسرائيلية، لكن الحرب الإعلامية التي يشنها جانب نتنياهو ما لبثت أن اثمرت عن حالة من التردد لدى الناخب الإسرائيلي، فيوميا تخرج أبواق الدعاية لنتنياهو لتهاجم بيني جانتس ويائير لابيد، وتوهم الجمهور بأن تحالفهما إنما هو تكتل يساري يهدف لتقويض الدولة اليهودية التي أعلن عنها نتنياهو وائتلافه اليميني.


تجييش الإعلام

ليس جانتس يساريا مثلما يتهمه نتنياهو وحلفائه، لكن بيبي يروج لنفسه باعتباره المدافع الأول عن يهودية الدولة، ومن سواه إنما هم مفرطون في "أرض إسرائيل"، وما يساعد نتنياهو في الترويج لنفسه والنيل من خصومه – وعلى رأسهم جانتس – أن جيشًا من المنتسبين لمجال الإعلام يروجون له ولمشروعه اليميني، فباستثناء صحيفة هآرتس؛ يمكن القول بأن الأبواق الإعلامية في إسرائيل تصدح بأصوات اليمين في الغالب، علاوة على تدافع أعضاء حزب هاليكود والأحزاب المؤتلفة معه لمهاجمة الخصوم السياسيين بشكل منتظم ينم عن اتفاق بين أعضاء اليمين الحاكم لشن حرب إعلامية تحرق كل من يحاول منافسة نتنياهو.

بعد اتهامه رسميا بالرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال؛ خرج نتنياهو في مؤتمر صحفي يدافع فيه عن نفسه، لكنه ظهر باهتا منكسرا، بشكل جعل الجميع متأكدين من فساد ذمته وصحة الاتهامات الموجة إليه، وحاول جانتس انتهاز الفرصة، فخرج في مؤتمر صحفي يدعو بيبي للاستقالة واحترام القانون الإسرائيلي، لكن بمرور الأيام بد نتنياهو يستعد رباطة جأشه، مع اشتداد الدعاية له من جماعات اليمين، والاستفادة من النتائج المخيبة لأحزاب المعارضة في استطلاعات الرأي المتتالية.


النموذج المثالي بلا خبرة سياسية

يُعتبر جانتس – في نظر الكثيرين- بمثابة النموذج المثالي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي يستطيع أن يعطي صورة مُعدلة لرئيس الوزراء الذي حقق نجاحا عسكريًا ارتقى به إلى مرتبة جيدة جعلته جديرًا بأن يصبح سياسيا محبوبًا، ففي دولة كإسرائيل يعتبر السجل العسكري جواز مرور مضمون يؤهل للنجاح السياسي، لكن كذلك تثبت التجارب السابقة في إسرائيل أن رؤساء الأركان السابقين الذين اتجهوا للسياسية بعد إنهاء خدمتهم بالجيش لم يحققوا نجاحا ملفتا حينما تولوا رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهذا ما يثير مخاوف لدى قطاع من الجمهور الإسرائيلي، الذي يستشعر ركاكة سياسية في تحركات جانتس، فرئيس الأركان السابق، بهي الطلعة طويل القامة، الذي يختال بأنه دمر قطاع غزة، لم يظهر حتى الآن تمرسًا سياسيًا يستقطب غالبية تساعده على الإطاحة بعهد الملك بيبي.

على الجانب الآخر؛ ما يزال نتنياهو على طريقه الذي يسلكه منذ سنوات، يُجيش خلفه جماعات اليمين، ويختار أسلوب الصدمة المباشرة في تصريحاته وتحركاته، في سياساته وأيديولوجياته، حتى جعل من هاليكود حزبًا شعبيا، يرفع شعار "يهودية إسرائيل"، وهذه الروح الشعبوية ضمن بها نتنياهو خدمة أحزاب اليمين الديني، والجماعات التي تقف خلفها.


الفاسد المعروف يكسب الرهان

في الأيام الماضية بدأت بعض الأصوات تطالب بعدم محاكمة نتنياهو، حتى لو ثبتت الاتهامات الموجهة إليه، حتى أن البعض تبنوا سن قانون يمنع محاكمته على غرار القانون الفرنسي الذي يحول دون التحقيقات الجنائية بحق رؤساء الحكومات، وهذا التوجه الذي تتبناه أحزاب اليمين تحديدا لا يعني الإيمان ببراءة نتنياهو بقدر ما يعني اليقين بفساده، وفي الوقت نفسه رفض إسقاطه أو خروجه من الساحة السياسية.

المواطن الإسرائيلي على يقين من فساد نتنياهو، لكنه في الوقت ذاته غير مقتنع تماما بقدرة جانتس على قيادة الدولة، لذا تفيد نتائج استطلاعات الرأي بتفضيل نتنياهو كرئيس للوزراء على فساده، ليبقى احتمال أن يستمر الملك بيبي في دفاعه عن نفسه في مواجهة الاتهامات لما بعد الانتخابات التي لم يخسرها حتى الآن، فالوقت مبكر على شعار "انتهى عصر نتنياهو".
 


اضف تعليق