غزة تدفع ثمن الصراع الانتخابي في إسرائيل!


١٩ مارس ٢٠١٩ - ٠١:٤١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالدايم

يوم الخميس الماضي أعلن الجيش الإسرائيلي عن رصد قذيفتين صاروخيتين تم إطلاقهما من قطاع غزة المحاصر باتجاه تل أبيب، ورغم تشغيل منظومة "القبة الحديدية" (كيبات برزيل)، التي تعمل كنظام دفاعي مضاد للصواريخ، فإنها لم تستطيع اعتراض القذيفتين، بيد أنهما سقطتا في منطقة مفتوحة.

للمرة الأولى منذ شن العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 تدوي صافرات الإنذار في مدينة تل أبيب، مع الإعلان عن سماع دوي انفجارات، لكن لم يتم التبليغ بوقوع خسائر بشرية، وفور إعلان إسرائيل عن إطلاق القذيفتين أفادت وسائل الإعلام بأن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، والقائم بعمل وزير الدفاع، قد عقد جلسة أمنية عاجلة للتشاور بخصوص "الرد" على إطلاق القذيفتين.

وبعد منتصف الليل، بعد ساعات من إطلاق القذيفتين، بدأ سلاح الجو الإسرائيلي في شن غارات على القطاع المحاصر، ابتداء من خان يونس، وشملت أهداف الغارة الإسرائيلية منطق في رفح وجنوب غرب غزة، ووفقًا لتصريحات المتحدث باسم جيش إسرائيل رونين مانليس؛ فإن سلاح الجو شن غاراته ضد ما يقرب من مائة هدف تابع لحماس والجهاد الإسلامي في غزة.



اتهام ونفي مسؤولية

فور إطلاق القذيفتين من غزة اتهمت إسرائيل حركة حماس بأنها المسؤولة عن عملية الإطلاق، بينما سارعت الحركة إلى نفي مسؤوليتها، ودللت على ذلك بأن مسؤوليها كانوا في اجتماع مع أفراد من وفد المخابرات المصرية التي تضغط لتثبيت الهدنة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه أعلنت حركة الجهاد الإسلامي هي الأخرى عدم مسؤوليتها عن إطلاق القذيفتين، التزاما منها بتفاهمات وقف إطلاق النار.
تراجع في الاتهام!

وبعد ساعات قليلة خرجت مصادر بالجيش يوم الجمعة بتصريحات أن القذيفتين قد أُطِلقتا من غزة على سبيل الخطأ، ولم تتعمد حماس مهاجمة إسرائيل في هذا الوقت تحديدًا، فيما نقلت مصادر فلسطينية أن الوفد الأمني المصري الذي كان متواجدا في غزة قد توصل – مع الطرفين – إلى اتفاق هدنة لوقف إطلاق النار المتبادل، وبالفعل أوقفت إسرائيل غاراتها بعد إطلاق قذيفتي غزة.


لماذا في هذا التوقيت تحديدا؟

لم تعد مسألة الغارات الإسرائيلية على غزة والقذائف المُطلقة من القطاع المحاصر جديدة، ولكن الحادث الأخير جاء في توقيت حساس للغاية بالنسبة لجميع الأطراف المتداخلة، فإذا كانت حماس والجهاد الإسلامي لم تطلقا بالفعل القذيفتين؛ فهذا يعني وجود طرف ثالث يتعمد إثارة الطرف الإسرائيلي في وقت دقيق للغاية، قبل أقل من شهر على إجراء الانتخابات، كما أن هذا يعني تقويض التحركات المصرية الساعية للضغط على إسرائيل وحماس من أجل تثيبت اتفاق تهدئة دائم، يعطي بعض الأمان لسكان القطاع المحاصر، ومعنى إطلاق قذائف باتجاه إسرائيل في هذا الوقت تحديدًا أنه هناك من يتعمد إحراج مصر التي تدفع الوفد الاستخباراتي ليتحرك على قدم وساق لتفعيل التهدئة.

كما أن إطلاق قذائف من غزة باتجاه حماس يعني أن الحركة غير قادرة بالفعل على القبض بإحكام على زمام الأمور في القطاع المحاصر، فهناك أفراد أو فصائل لا ترفع لواء حماس، وتتحرك من داخل القطاع وفقًا لأجندات مختلفة، ودون الالتزام بما تعلن حماس موافقتها عليه.


المستفيدون من القذائف "المجهولة"

بالنسبة للجانب الإسرائيلي؛ فإن مسألة إطلاق قذائف باتجاه تل أبيب في هذا الوقت، قبيل انتخابات الكنيست، التي من المرجح أن تكون واحدة من أكثر الانتخابات الإسرائيلية إثارة؛ إنما يأتي هذا الفعل ليمنح أهم طرفين من المتصارعين في الانتخابات دفعة كبيرة للأمام، حيث إن الملف الأمني الإسرائيلي أحد أهم البنود التي تحتويها البرامج الانتخابية للخصوم السياسيين الذي يقتربون من صناديق الاقتراع.

رغم ملفات فساده، واتهامه رسميًا بالرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال؛ فإن بنيامين نتنياهو، كرئيس للوزراء ووزير للدفاع، قد حقق نجاحا مبدئيًا في التحدي الأمني لإسرائيل، حيث يضغط لكبح التمدد الإيراني في سوريا شمالا، ووجه ضربة استباقية لحزب الله، بعد تنفيذ عملية درع الشمال مؤخرًا، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اكتشاف أنفاق حفرها حزب الله تؤدي إلى الداخل الإسرائيلي، وقام سلاح المهندسين بهدمها.

وفيما يخص حماس فإن نتنياهو يولي أهمية كبيرة لملف غزة، رغم الهجوم المستمر عليه من خصومه على مدى أشهر، لأنه يدفع للتهدئة مع حماس رغم استمرار تحركات المقاومة في مسيرات الأرض ويوم العودة، وازدياد التوتر عند مناطق "غلاف غزة"، وتواصل شكوى السكان المجاورين للقطاع، وهذا كله ما يجعل لملف حماس وغزة أهمية في الملف الدعائي لنتنياهو، فحين تخرج قذائف "مجهولة المصدر" من غزة باتجاه تل أبيب في هذا الوقت، ليقرر رئيس الوزراء "الرد بقوة" وعدم التهاون، وتصدير معلومات للرأي العام بالتفكير في "إعادة احتلال غزة" من جديد، إنما يأتي هذا كله لخدمة رئيس وزراء ترنح مؤخرًا بعد ضربات عنيفة جاءته من جهات التحقيق ومن التحالف السياسي المضاد الذي بات يمثل كابوسًا لنتنياهو وهاليكود واليمين المتشدد في الحكومة الائتلافية.

على جانب آخر تقدم القذائف "مجهولة المصدر" هدية إلى تحالف كاحول لافان (أزرق أبيض) الذي ينافس نتنياهو في الانتخابات، فرئيس التحالف بيني جانتس، رئيس الأركان السابق، قد بنى تاريخه العسكري، وبالتالي قدم نفسه سياسيًا، عبر تقديم غزة قربانًا.

في أول إعلان دعائي لتقديم نفسه كسياسي؛ صدر بيني جانتس للجمهور الإسرائيلي ما اعتبره "إنجازًا عسكريًا" قام به حينما كان أحد المسئولين عن العدوان على غزة عام 2014.

أطلق جانتس حينها ثلاثة مقاطع مصورة استعرض فيها "منجزه" العسكري في غزة، إبان توليه منصب رئاسة الأركان الإسرائيلية، وتحدث أحد المقاطع بـ"فخر" عن مقتل أحمد الجعبري النائب السابق للقائد العام لكتائب القسام، والذي اغتالته قوات الجيش الإسرائيلي عام 2012.

كما أظهر مقطع آخر لقطات للدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة خلال العملية العسكرية المسماة بـ"الجرف الصامد" عام 2014، ومؤخرًا – قبل إطلاق القذيفتين بيوم واحد- هدد جانتس بالعودة إلى سياسة الاغتيالات ضد القيادات الفلسطينية في غزة، وهاجم سياسة نتنياهو، معتبرًا إياها "ضعيفة".



تصريحات جانتس جاءت أثناء جولة له مع حلفائه يائير لابيد وموشيه يعلون وجابي أشكنازي في المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، واعتبر أن فترة الثلاث سنوات ونصف بعد عملية "الجرف الصامد" التي كان مسئولا عنها شهدت هدوءًا تاما على الحدود مع غزة، حتى تدخل نتنياهو بسياسته الأمنية الضعيفة.

وتعهد جانتس بـ"تحسين الوضع الأمني" وتنفيذ سياسات صارمة للغاية، مع التشديد على عودة جثمانين الجنود الإسرائيليين لدى حماس.
على جانب آخر؛ فإن رئيس الأركان الجديد للجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي سيعمل على إثبات ذاته كرجل عسكري عملي وحازم، يستطيع إشعار المواطن الإسرائيلي بالأمان، ويأتي ملف غزة على رأس أولوياته العسكرية.

إذا؛ ربما تشهد الفترة القريبة المقبلة رهانًا على قيمة غزة بالنسبة للساسة والعسكريين في إسرائيل على السواء، ومع استمرار الصراع السياسي، وارتباك حماس، ربما تتحول غزة مجددا إلى بطاقة ترشح تدعم صاحبها في انتخابات إبريل، أو تكون قربانًا للفائز يضحي بها فور وصوله إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

 




اضف تعليق