اللعب على الأوتار.. كيف تجني إيطاليا ثمار علاقاتها مع الصين؟


٢١ مارس ٢٠١٩ - ٠٦:١٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي

لطالما تتخذ إيطاليا أسلوبًا براجماتيًا في التحرك بسياستها الخارجية، وبرغم تزايد الشكوك حول النفوذ الصيني في أوروبا والولايات المتحدة، إلا أنها سعت لتحسين علاقاتها التجارية معاها، إذ ترى أن بإمكان الصين مساعدتها في الخروج من أزماتها الاقتصادية ( تبلغ مديونيتها حوالي 80% من الناتج المحلي).

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ يوم الخميس إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث سيوقع على اتفاق كبير لتشييد بنى تحتية في إيطاليا مما أثار قلق وريبة حلفاء إيطاليا الغربيين. ويتمحور مشروع الرئيس شي حول "طريق الحرير الجديد"، الذي يهدف، كما هدف الطريق الأصلي منذ قرون، إلى ربط الصين بالقارة الأوروبية.

الجانب الإيجابي من هذا المشروع بالنسبة لإيطاليا يتمثل في زيادة الاستثمارات الصينية والقدرة على الوصول إلى الأسواق الصينية والمواد الخام الصينية. لكن، ووسط تنامي نفوذ الصين والشكوك (الغربية) حول نواياها، عبر حلفاء إيطاليا الأوروبيين والأمريكيين عن قلقهم إزاء هذا التطور.
 
مبادرة الحزام والطريق

لمشروع طريق الحرير الجديد اسم رسمي "مبادرة الحزام والطريق" ويشمل فيما يشمل حزمة من التمويل الصيني لمشاريع بنية تحتية في أرجاء العالم الهدف منه تسريع وصول المنتجات الصينية الى الأسواق العالمية.

ومولت الصين بالفعل مشاريع بناء شبكات للسكك الحديد والطرق والموانئ، إذ منحت الشركات الصينية عقودًا مجزية لربط الموانئ والمدن بتمويل من المصارف الصينية. عبرت دول غربية عن قلقها من ديون الدول الأفريقية للصين، ولكن الطرق وشبكات السكك الحديد التي نفذت بواسطة هذه الديون لم تكن لتوجد بأي أسلوب آخر.

ففي أوغندا، تم تعبيد طريق حديث يبلغ طوله 50 كيلومترا إلى المطار الدولي بالأموال الصينية. وفي تنزانيا، تكفلت الأموال الصينية بتحويل مدينة ساحلية صغيرة إلى ميناء قد يصبح أكبر موانئ القارة الأفريقية.

وفي أوروبا، تمكنت شركات صينية من شراء 51 % من إدارة ميناء بيرايوس القريب من العاصمة اليونانية أثينا في عام 2016، وذلك عقب الأزمة الاقتصادية التي ألقت بضلالها على اليونان لسنوات عدة.

ولكن إيطاليا ستصبح أول قوة اقتصادية كبرى - فإيطاليا من الدول الاقتصادية السبع الكبرى - تستفيد من الأموال التي تعرضها الصين. فبينما تعد إيطاليا من أكبر الاقتصادات العشر في العالم، تجد روما نفسها في وضع صعب. 

فانهيار جسر جنوا في أغسطس الماضي تسبب في مقتل العشرات من الضحايا، وتسبب في جعل البنية التحتية المتهرئة في البلاد قضية سياسية كبرى للمرة الأولى منذ عقود. كما لا يمكن وصف الإقتصاد الإيطالي بأنه في أحسن حال.

فالبلاد دخلت في ركود اقتصادي في أواخر عام 2018، ويعد الدين الداخلي الإيطالي ضمن أعلى الديون في منطقة اليورو، وكانت الحكومة الشعبوية الحاكمة في إيطاليا قد تسلمت الحكم في يونيو 2018 عبر وعود بزيادة الإنفاق، ولكنها اضطرت الى التراجع عن هذه الوعود بعد مواجهات مع الاتحاد الأوروبي.

جاء العرض الصيني على هذه الخلفية، فالتمويل الصيني بإمكانه أن يعيد الحياة للموانئ الإيطالية التاريخية الواقعة على طريق الحرير البحري. وتطرق رئيس الحكومة الإيطالية جيوسيبي كونتي إلى مينائي تريستا وجنوا باعتبارهما مرشحان للحصول على التمويل الصيني. وقال نائب وزير التجارة والاستثمارات الإطالي ميشيل جيراتشي "من وجهة نظرنا، هذه فرصة لشركاتنا لاستثمار النفوذ الصيني النامي في العالم".

جبايات الصين؟

يرى بيتر فرانكوبان، أستاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد البريطانية والخبير في مبادرة طرق الحرير، إن المبادرة الإيطالية "رمزية إلى حد بعيد"، كما أن اعتراف روما بأن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية جديرة بالبحث له "أهمية بالنسبة لبكين".
 
وتعد هذه الخطوة التي تبدو عديمة الضرر جاءت في في توقيت حساس بالنسبة لأوروبا والاتحاد الأوروبي، إذ تسود مشاعر قلق ليس إزاء الصين فحسب، بل إزاء الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها أوروبا أو الاتحاد الأوروبي مع عالم متغير".

يأتي توقيع الاتفاق غير الملزم بين البلدين يوم الخميس وسط تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي السماح لشركة هواوي الصينية للاتصالات المشاركة في تأسيس شبكات الاتصالات الأساسية، وذلك بعد أن قالت واشنطن إن من شأن ذلك السماح لبكين بالتجسس على الغرب.

ولكن قضية هواوي ليست مجال بحث في المفاوضات التي سيجريها الرئيس شي في إيطاليا. ولكن قبل أسبوع فقط من موعد التوقيع على الاتفاق الصيني الإيطالي، أصدرت المفوضية الأوروبية تصريحا تطرق إلى "نفوذ الصين الاقتصادي والسياسي المتنامي"، وإلى ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع بكين.

وبينما يزور الرئيس شي روما، يتدارس زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل 10 نقاط تتعلق بالعلاقات مع الصين، تتضمن هذه النقاط تعزيز التواصل مع الصين ولكنها تتضمن أيضًا خططًا "للتصدي للآثار المشوهة لملكية الحكومات الأجنبية" علاوة على "المخاطر الأمنية المترتبة على الاستثمارت الخارجية في الأصول والتقنيات والبنى التحتية".

يذكر أن دولا أوروبية أخرى قد تقبلت الاستثمارات الصينية من خلال ما يطلق عليه مصرف استثمارات البنى التحتية الآسيوي، ويشير جيراتشي إلى أن المملكة المتحدة كانت من أولى الدول التي قبلت هذه الاستثمارات.
 
 
 
 


اضف تعليق